الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 171، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش حكم الموحدين الذين يموتون مصرين على الكبائر دون توبة، ويوضح أن أعمال العباد توزن يوم القيامة. الميزان يومئذ حقيقي لإتمام العدل.
يناقش طبقات العصاة من أهل التوحيد يوم القيامة، حيث ينقسمون إلى طبقات بناءً على توازن الحسنات والسيئات. الطبقات الثلاثة تتراوح بين دخول الجنة مباشرة أو الوقوف على الأعراف.
يفسر الأعراف وطبقات العصاة، ويشرح اختلاف العلماء في تفسير الأعراف. ينتهي المقطع الأخير بالدعاء والصلاة على النبي، معبرًا عن التواضع والاحترام لله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: ما حكم من مات من الموحدين مصرًا على كبيرة؟ هذا السؤال ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا المبحث الذي تكلم فيه عن التوبة من الصغائر والكبائر. وهنا افترض رحمه الله تعالى هذه مسألة، وهي مسألة واردة، وهي في قوله: ما حكم من مات من الموحدين، أي من المسلمين، مصرًا على كبيرة، لقي الله من غير توبة، كمن يلقى الله بالفجور والفساد والربا والزنا وشرب الخمر وغير ذلك من كبائر الذنوب، مات وهم مصر عليها، ما حكمه؟ المؤلف رحمه الله تعالى أجاب هنا وأطال النفس في الإجابة، فنحن نذكر ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى أو قول ما يتيسر لنا ذكره في هذا المقام، مع التنبيه إلى بعض المسائل التي تحتاج إلى إضاح. قال رحمه الله تعالى: ما حكم من مات من الموحدين مصرًا على كبيرة؟ قال: قال الله عز وجل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآيات، آيات الوزن والميزان، للدلالة على أن الوزن والميزان إنما يكون لأعمال يعملها العبد من خير ومن شر، فكل يوزن، ثم يكون الحكم على العمل، يكون الحكم على الأعمال الذي عملها العبد. قال: وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ وَتَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. انظر: مثقال الذرة، وهو شيء حقير، اليسير الذي لا يؤبه له، بل ولا وزن له في حياة الناس، فإن فعلت شرًا ولو بهذا المقدار، فإنك ستجده ماثلًا حاضرا أمامك. ﴿مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، وهكذا قل في عمل الخير: لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، ابتسامة تأتي بها بكل بساطة، تؤجر عليها، وسترى ذلك في ميزان أعمالك. فما من خير إلا وقد سطر وكتب، وهكذا ما من شر. قال: وغير ذلك من الآيات، فهذه الآيات تدل على أن أعمال العباد لها وزن، والوزن يومئذ حقيقي، فهناك ميزان حقيقي، ليس كما يقوله المبتدعة من العقلانية ممن يكذب بالميزان. وربنا جل وعلا في غنى عن الميزان، ربنا سبحانه وتعالى بقدرته جل في علاه أنه يحاسب العباد من غير ميزان، لما الميزان إذن؟ قال علماء: لإتمام العدل، حتى أن العبد هو الذي يحكم بنفسه على نفسه: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، هذه أعمالك ضعها في كفة، وهذه أعمال ضعها في كفة، ثم انظر، ثم انظر، فتحكم أنت، وتعلم أن الله ما ظلمك، ما ظلمك، وإنما هي أعمالك التي جرت عليك الويلات، إن كانت أعمال سوء. فهذه الحكمة من الميزان: إتمام العدل، وأن العبد يكتفي بمحاسبة نفسه بنفسه. قال: وغير ذلك من الآيات. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب»، فقالت له عائشة رضي الله تعالى: أليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: «بلى، إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب عذب». وقد مر هذا الحديث قديمًا لتذكرون في أشراط الساعة، أو قل في علامات القيامة وأهوالها، ما يتعلق بهذا الحديث تم شرحه، أو في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عن العرض: أن الله يذكر عبده بأعماله، فمن رأى من نفسه أن الله يذكره بأعماله، فليعلم أن الله أراد به رحمة، وإن وجد العبد من نفسه أنه يناقش الحساب، ورد ومردود، ترد على ما يعرض عليك من عمل، فإن رأيت من نفسك أنك ترد على ما طرح عليك من حساب، اعلم أن الله أراد بك هلاك. «من نوقش الحساب عذب». قال رحمه الله تعالى: وقد قدمنا من النصوص هذا قد مر، وقد قدمنا من النصوص في الحشر وأحوال الموقف والميزان ونشر الصحف والعرض والحساب والصراط والشفاعات وغيرها، ما يُعلم به تفاوت مراتب الناس وتباين أحوالهم في الآخرة، بحسب تفاوتهم في الدار الدنيا في طاعة ربهم وضدها. فهذه الآن الأحاديث وما مر معنا قديمًا في أحوال الناس يوم القيامة، الناس يختلفون، بدءًا من محشرهم، منهم من يُحشر مكرمًا، ومنهم من يُحشر خائفًا، لما هذا؟ بهذه الصورة، وهذا بذلك الصورة، على حسب أعمال في الدنيا، ما يتعلق بحال الناس في الموقف. قال رحمه الله تعالى: فإذا عرفت هذا، فاعلم أن الذي أثبتته الآيات القرآنية والسنن النبوية، ودرج عليه السلف الصالح والصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من أئمة التفسير والحديث والسنة، أن العصاة من أهل التوحيد على ثلاث طبقات. هذا الذي سمعتموه من المؤلف عبارة عن تمهيد لهذه المسألة، عرّج المؤلف إلى الآيات القرآنية حول موازين العباد، أحوال العباد يوم القيامة، الأحاديث النبوية، كلها أراد المؤلف مقدمة إلى هذه المسألة: أن العصاة، عصاة المسلمين، لهم أحوال ثلاثة. قال رحمه الله تعالى: أن العصاة من أهل التوحيد على ثلاث طبقات، الأولى: قوم رجحت حسناتهم بسيئاتهم، فأولئك يدخلون الجنة ولا تمسهم النار أبدًا. هذه الطبقة الأولى هم عصاة، عندهم سيئات، لكن بالمقابل عندهم حسنات، عندهم أعمال صالحة، يخطئ ويصيب، يعصي ويطيع. فإذا كانت الحسنات أكثر، فإن هذا إن كان عاصيًا، فإنه سيدخل الجنة، كما قال مؤلف، قال: ولا تمسهم النار أبدًا. والأدلة قد دلت: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، تثقل موازين، وما تثقل إلا بأعمال صالحة. فالمسلم قد يقع فيه معصية وزلة، لكن لا يأس من رحمة الله، كما يفعل بعض الناس ممن تستولي عليهم الشياطين، فيقنطونهم من رحمة الله، يقول: أنت عاصي، أنت فاسق، أنت ميؤوس منك. فإذا أراد أن يصلي، وأراد أن يصلح من حاله، تأتي الشياطين، الشياطين الإنس والشياطين الجن، فيرمونه بالنفاق: أنت منافق، تصلي مع المصلين وأنت العربيد السكير، أنت الذي فعلت، وأنت الذي تعمل. فلا زال به حتى يتركوا الصلاة، وكلما أراد أن يقرب من ربه، جعلوا هذه الشماعة، شماعة الذنوب والمعاصي، وسيلة إلى إبعاده، ثم يعد عن الخير كله. قال رحمه الله تعالى: الثانية: الطبقة الثانية من عصاة المسلمين، قال: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، تساوي الحسنات في كفة والسيئات في كفة، وعند الترجيح تم التساوي. قال رحمه الله تعالى: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم السيئات عن الجنة، وتجاوزت بهم الحسنات عن النار. فالسيئات التي عندهم منعتهم من دخول الجنة، والحسنات التي عندهم ما استطاعت أن تبعدهم عن النار. فهؤلاء هم أصحاب الأعراف، الذين ذكر الله تعالى أنهم يوقفون بين الجنة والنار ما شاء الله أن يوقفوا، ثم يؤذن لهم في دخول الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالِجُونَ كُلَّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: وعلى الأعراف رجال يعرفون كلًا بسيماهم، وهؤلاء عندهم ميزة، أصحاب الوسط، يميزون بين أهل الجنة وبين أهل النار، بعلامات. قال: ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم، لم يدخلوها وهم يطمعون. يسلمون عليهم، ويهنئونهم بالنعيم العظيم المقيم الذي هم عليه، وهم يطمعون. قال علماء: وما جعل الله في قلوبهم الطمع إلا أن الله أراد إكرامهم بعد حين. قال: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، يبتهلون إلى الله، ويتضرعون إليه أن لا يكون مآلهم بعد هذا الوسط أن يكون مع أهل الظلم من أهل الكفر. قال: إلى قوله: ﴿أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، بعد فترة، هؤلاء يلحقهم ربنا بأهل الجنة. نأتي الآن إلى من المقصود بالأعراف؟ من الذي أدخلنا في هذا الموطن؟ نعي المسألة: المؤلف رحمه الله تعالى ذكر مسألة، وهي طبقات العصاة، الطبقة الأولى من كانت حسناته أكثر من سيئاته، يدخلون الجنة ولا تمسهم النار. الطبقة الثانية، وهم قوم تساوت الحسنات والسيئات، فهؤلاء يجعلهم ربنا في مكان، يحبسون فيه فترة حبس إلى أمد الله أعلم بالمدة، ثم بعد ذلك يدخلهم الله الجنة، هذا الذي قرر، هذه المسألة على ماذا استدل؟ استدل بقضية الأعراف، أهل الأعراف. وهذه مسألة خلافية بين العلماء، الذين ذكرهم الله جل وعلا: نعم، عن رجال يجعلون في تل، في سور، في جبل، لا هم من أهل الجنة، لا هم من أهل النار، يحبسون فترة، ثم يدخلون الجنة. السؤال: من هؤلاء؟ اختلف العلماء اختلافًا عظيمًا في معرفة حقيقة هؤلاء، منهم من قال: أنهم مساكين أهل الجنة، أضعف الناس من أهل الجنة، يجعلون في هذا التل، وبعد ذلك إلى الجنة. قيل: أنهم أهل الديون، تراكمت عليهم الديون، فيحبسون كما حبس حقوق الناس، يحبسون في هذه التلة، ثم إلى الجنة. قيل: أنهم أهل الشهادة، من يذهب مجاهدًا في سبيل الله من غير إذن والديه، لم يستأذن، فيذهب ويقتل في سبيل الله، ففعل حسن، وفعل سيئة، فهذا يجعل في الأعراف. فهؤلاء أقوال كثيرة وصلت إلى عشرات الأقوال بين المفسرين حولهم، ثم جاءت هذه المسألة، منهم من قال: أن أهل الأعراف هم هؤلاء من تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، وهذه مسألة خلافية. نعم، بعض العلماء انتصر لها انتصارًا عظيمًا، كابن حزم، قررها وأصلها ونشرها، ودافع عنها، ثم جاء بعده ابن القيم رحمه الله، وابن القيم انتصر لهذه المسألة، وفسر الأعراف بهذه الصورة: أن الأعراف ما هم إلا قوم تساوت حسناتهم مع سيئاتهم. وزاد عن هذا الحد، حتى قال: وهذا قول جمع الصحابة، وأراد أن يذكر إجماع الصحابة، لكن ليس بصحيح، ما عندي إجماع الصحابة، نعم، أثرت آثار عن ابن عباس، عن جابر، عن ابن مسعود، وإن سلمت من الانقطاعات، فالمسألة تحتاج إلى نظر. ولهذا ذهب جماعة من العلماء إلى التوقف، وهذا قول ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: توقف من الأعراف، الله أعلم بهم، ما أذن منهم، لكنهم قوم يجعلهم الله في هذا المكان الوسط، يجعلهم الله فيها، ثم يدخلهم الجنة، من هؤلاء؟ يقول: الله أعلم، أنا ما عندي علمهم. لأن الآية القرآنية ليس فيها التصريح، وإنما الذي ذكر ربنا جل وعلاه ما سمعتم: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾، من هؤلاء الرجال؟ الله أعلم، صفتهم، أعمالهم، الله أعلم. ولهذا يرى البعض السكوت والتوقف، وعدم الخوض فيها، لكنه مسألة اجتهادية، وإن كان كما سمعت، ابن القيم ينتصر لهذا، وهو قول مشهور عن كثير من المفسرين. فمن قال به، فقوله ليس بقول مبتدع، وأنه قول قوي وجيه، وأن الأعراف هم على أرجح الأقوال هم قوم تساوت حسناتهم مع سيئاتهم. إذن هذه الطبقة الثانية من العصاة، أنه على هذا القول، من تساوت حسناته مع سيئاته، يحبس في مكان، ليس في الجنة، وليس في النار، وصف يبقيه الله مدة من الزمن، ثم يدخله الله الجنة، على هذا التفسير. هذه الطبقة الثانية، ثم الطبقة الثالثة من العصاة، يترك الكلام عليها في درس غد بإذن الله. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.