الدرس في شرح بواعث الخلاص من الذنوب 14، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن ابن القيم أن الله خلق الإنسان لدار أبدية تتوفر فيها الحياة الكاملة من بقاء وعز وأمن وغنى ولذة وكمال، بينما الدنيا دار امتحان مشوبة بالأضداد وسريعة الزوال. ويستشهد بوصية النبي صلى الله عليه وسلم باغتنام خمس قبل خمس: الفراغ قبل الشغل، والصحة قبل السقم، والغنى قبل الفقر، والشباب قبل الهرم، والحياة قبل الموت.
يبيّن المقطع أن نعيم الدنيا ناقص زائل، وأن طلب الخلود والعز فيها غلط عظيم، بينما الرسل دعوا إلى النعيم المقيم، فمن أجابهم זכה بطيب عيش الدنيا وآخرة. ويوضح أن الزهد ملك حاضر يتحقق بملك الشهوة والغضب، فيصير العبد حراً سيداً لا عبداً لشهواته.
يبيّن المقطع كيف أن اتباع الشهوات يستعبد الإنسان في صورة ملك باطنه رق، بينما البصير ينقل نظره من اللذات العاجلة إلى عواقب الآخرة. ويصف نعيم الجنة الخالي من النصب واللغوب، مستشهداً بآيات قرآنية وبقول الإمام أحمد بن حنبل أن راحة المسلم الحقيقية تكون عند أول قدم يضعها في الجنة.
يختتم المتحدث كلامه بالصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين، مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم. وتكون هذه الخاتمة ختاماً للمجلس العلمي والدعاء بالخير والبركة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع بواعث الخلاص من الذنوب. مر معنا في الدرس الماضي الباعث الثامن عشر، ألا وهو ما يتعلق بالتخلية قبل التحلية، وهكذا التصفية قبل التربية، وأن تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة، وتنقيته من الدغل شرط لكمال الزرع، كما ذكر رحمه الله تعالى. ثم ذكر الباعث التاسع عشر، قال رحمه الله تعالى: «أن يعلم العبد أن الله سبحانه خلقه لدار خلقه لبقاء لا فناء له، ولعز لا ذل معه، وأمن لا خوف فيه، وغنى لا فقر معه، ولذة لا ألم معها، وكمال لا نقص فيه. وهذا كله ليس في هذه الدار دار الدنيا، وإنما يكون في دار البقاء، في دار الإقامة الأبدية والحياة السرمدية في الآخرة، التي هي الحيوان لو كانوا يعلمون». قال رحمه الله تعالى: «وامتحنه في هذه الدار بالبقاء الذي يسرع إليه الفناء، والعز الذي يقارنه الذل ويعقبه الذل، والأمن الذي معه الخوف وبعده الخوف، وكذلك الغنى واللذة والفرحة والسرور والنعيم الذي هنا مشوب بضده». ومعنى مشوب أي مخلوط بماذا؟ بضده. قال: «يتعقبه ضده وهو سريع الزوال». ولهذا يا إخوان، كان من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس عند الحاكم: «اغتنم خمساً قبل خمس: فراغك قبل شغلك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وشبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك». الدنيا يا إخوان دوام الحال فيها كما قيل من المحال، كما قيل من المحال. ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. فمهما كانت اللذة ومهما كانت الراحة التي يجدها الإنسان في هذه الدنيا، فليست كاملة، وإنما قد يكون معها منغص أو بعدها منغص، لربما ينسيك تلكم اللذة وتلكم الراحة. قال رحمه الله تعالى: «فغلط أكثر الخلق في هذا المقام، إذ طلب النعيم والبقاء والعز والملك والجاه في غير محله، في غير محله، ففاتهم في محله». وهذا يا إخوان من الأمور التي ينبغي أن يتنبه لها الشخص، ومن استعجل الشيء قبل أوانه قيل: عوقب بحرمانه. قال: «وأكثرهم لم يظفر بما طلبه من ذلك، قال: والذي ظفر به إنما هو متاع قليل ثم يزول عنه. قال: والرسل إنما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك الكبير، فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه، فكان عيشه فيها أطيب من عيش الملوك فمن دونهم». ولهذا من عبارات السلف رحمة الله عليهم: «لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه» أي من النعيم والراحة واللذة التي نجدها مع العبادة والعلم وغيرهما، «لجالدون عليه بالسيوف». قال: «فإن الزهد في الدنيا ملك حاضر، والشيطان يحسد المؤمن عليه أعظم حسد، فيحرص كل الحرص على ألا يصل إليه. قال: فإن العبد إذا ملك شهوته وغضبه فانقاد معه لداعي الدين فهو الملك حقاً، لأن صاحب هذا الملك حر، والملك المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه». قال: «فهو مسخر مملوك في زي مالك، يقوده زمام الشهوة والغضب كما يقاد البعير، كما يقاد البعير المغرور المخدوع، يقع نظره على الملك الظاهر الذي صورته ملك وباطنه رق، وباطنه رق. قال: وعلى الشهوة التي أولها لذة وآخرها حسرة». قال: «والبصير الموفق يغير نظره من الأوائل إلى الأواخر، ومن المبادئ إلى العواقب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم». فإذا تدبر وتمعن العبد منا في هذا الأمر، وكان نظره إلى الآخرة أعظم من نظره إلى الدنيا، واهتم بعمارتها، كان ذلك من أسباب بعده عن المعاصي وعن الذنوب، وكان طلبه للراحة الأبدية في جنات النعيم. وقد قال ربنا عز وجل عن أهل الجنة حين أن يدخلوا إلى الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾. لا يمسهم فيها مرض ولا تعب ولا ضيق ولا حسد ولا بغضاء ولا شحناء ولا غيرها من الأمور. ولهذا لما سئل إمام أهل السنة في زمانه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، قيل له: يا إمام، متى يرتاح المسلم؟ متى يرتاح المسلم؟ فأجاب بجواب مختصر: «عند أول قدم يضعها في الجنة، عند أول قدم يضعها في الجنة». وربنا عز وجل يقول: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾. فأسأل المولى جل في علاه أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يصرف عنا ما يغضبه ويأبى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.