شرح قرة عيون الموحدين 46

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 46، ألقاها

النهي عن قصد القبور للدعاء واتخاذها عيدًا

ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره عيدًا والدعاء عند القبور، ويعتبر قصد القبور للدعاء بدعة ووسيلة للشرك الأكبر. العلامة حمد الرحمن بن حسن رحمه الله يشرح دلالة الحديث على النهي عن هذه الممارسات.

حكم قضاء القبر للسلام بعد الصلاة في المسجد

يستدل العلماء على عدم مشروعية قضاء القبر للسلام بعد الصلاة في المسجد من أقوال السلف مثل شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام مالك، ويشيرون إلى أن الصحابة لم يفعلوا ذلك وأنه من البدع.

التحذير من الشرك والبدع عند القبور وتحريم شد الرحال إليها

يتحذّر المقطع من الشرك والبدع عند القبور مثل الصلاة أو السلام على النبي عند قبره، ويحرم شد الرحال إلى القبور بقصد الدعاء أو الاستغاثة، مستندًا إلى أقوال السلف وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما ذكرنا في باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، قال العلامة حمد الرحمن بن حسن رحمه الله: قوله: «وعن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي، وأبوه الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». رواه في المختارة. أي: رواه الضياء المقدس رحمه الله تعالى في كتابه المعروف بالأحاديث المختارة. وكتابه المختارة انتقى واختار فيه الأحاديث الصحاح والحسان، وما كان من قبيل المحتج به عنده رحمه الله تعالى. فالمختارة تعتبر من الأحاديث التي انتقيت فيها من الكتب التي انتقيت فيها الأحاديث، وبعضها محل اجتهاد. قال: قوله رحمه الله تعالى: والرحيث بالنسبة لهذا الحديث فهو كما ذكر حسن، ما يرتقي إلى الصحيح بشواهده. قال: هذا الحديث رواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل – أي إسماعيل بن إسحاق – والحافظ الضياء في المختارة. قال شيخ الإسلام: «فانظر إلى هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا له أضبط». وهذا تنبيه لطيف من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لهذا الحديث، إذ أن الغلو أكثر ما يكون في آل البيت لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث كما ترى اجتمع فيه وصفان: الوصف الأول أن راويه من آل البيت، بل هو مسلسل بآل البيت، عليه الحسين عن أبيه عن جده. والأمر الثاني أنه سند مدني، وأهل المدينة أقرب معرفة لسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيرهم، لقرب عهدهم به صلى الله عليه وسلم وبأصحابه رضي الله عنهم أجمعين. لذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فكانوا له أضبط»، أي لضبط هذه الأبواب وهذه المسائل. قال رحمه الله تعالى: قوله: «عن علي بن الحسين»، أي: ابن علي بن أبي طالب، المعروف بزين العابدين رضي الله عنهم، أفضل التابعين من أهل بيته وأعلمهم. كان أفضل التابعين من أهل البيت رضي الله عنهم وأرضاهم، وكان كذلك أعلمهم. قال الزهري: «ما رأيت قرشيًا أفضل منه». مات سنة ثلاث وتسعين على الصحيح. ومقصود الزهري رحمه الله تعالى بقوله: «ما رأيت قرشيًا»، أي: من آل البيت. وإلا فإن الزهري قد رأى مثل سعيد بن المسيب وسالم ونحوهما من كبار الصحابة، هم من قريش. سعيد بن المسيب مخزومي، وهم من قريش، وكذلك سالم بن عبد الله بن عمر نوفلي، وهم كذلك من قريش، لكن أراد رحمه الله تعالى من آل البيت. قال: قوله: «أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة» – بضم الفاء وسكون الراء – وهي الكوة في الجدار، والخوخة ونحوها. ومعنى هذه أنه وجد فتحة كانت هناك فتحة في الجدار، فكان ذلك الرجل يدخل فيها. قال: قوله: «فيدخل فيها فيدعو فنهاه». وهذا يدل على أنه عن قصد القبور والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها، لأنه دخل إلى تلك الكوة أو من تلك الكوة ليقرب من القبر الشريف، ظنًا منه أنه إذا دعا الله جل وعلا عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك أدعى لاستجابة دعائه. وهذا للأسف هذا الجهل أودى بكثير من الناس إلى الغلو في تلك البقاع. فكان أول ما كان من أمرهم أنهم كانوا يدعون الله جل وعلا عند تلك القبور، ظنًا منهم أن لأصحاب تلك القبور مكانة تجعل الله جل وعلا يستجيب لهم دعاءهم إياه، أو ظنًا منهم أن تلك البقاع أرجى لإجابة الله جل وعلا لدعائهم. كان هذا في أول الأمر، ثم إن الشيطان أضلهم وأبعدهم عن سواء الصراط، فزين لهم أن دعاء الأموات ينفع، والاستغاثة بالأموات تنفع، واللجوء إلى الأموات ينفع، وأن لصاحب القبر الفلاني ولصاحبه المكان الفلاني والقبة الفلانية له مكانة عندها لا يرد الدعاء. أي: إذا دعاه إذا دعا الداعي ذلك الميت وذلك المقبور، يظن أنه يجيب له دعاء ويعطيه مسألته ويكشف عنه كربه ويغيثه إذا استغاث، ويمدده إذا طلب المدد، إلى غير ذلك. وهذا هو عين الشرك بالله جل وعلا الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونأى طول دعوته صلوات الله وسلامه عليه إلى الإسلام وإلى التوحيد، وكذلك أصحابه من بعده، وكذلك المصلحون في كل زمان ومكان. قال رحمه الله تعالى: قال: «فيدخل فيها فيدعو فنهاه». وهذا يدل على أن النهي عن قصد القبور يعني تأمل إلى هذه العبرة، النهي عن قصد القبور لأجل ماذا؟ قال: «والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها»، أي: أن الإنسان يقصد يعني فرق أن يأتي إنسان فيصادف أنه دعا الله جل وعلا في مكان فيه قبر صدفة. إنسان مثلًا على سبيل المثال مر على مقبرة فذكر شيئًا حاجة من حاجاته وهو يمشي، خطر على باله فدعا الله جل وعلا، هذا لا شيء عليه، لماذا؟ لأنه ما قصد الدعاء في ذلك المكان، والأعمال بالنيات. بخلاف رجل آخر يدخل القبور أو إلى المقابر ويعتقد أن الدعاء عند القبر الفلاني له تأثير وله نفع وأرجى للإجابة وأعظم للثواب وسبب للبركة ونحو ذلك، فهذا هو المنهي عنه إذا دعا الله جل وعلا. فكيف إذا دعا ذلك المقبور فهو أشد نهيًا وأعظم فرية على الله جل وعلا، إذ أنه الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام: «ما علمت أحدًا رخص فيه»، أي: بالدعاء عند القبور، أي: قصد القبور للدعاء عندها، وهو من نوع وهو نوع من أنواع الشرك الأصغر. الدعاء قصد القبور للدعاء عندها هو بدعة، وهو كذلك من الشرك الأصغر. ولا نستغرب أن نجد في بعض كتب أهل العلم أنهم يقولون: إن هذا الفعل بدعة، وبعضهم يقول: بأنه من قبيل الشرك الأصغر، لا منافاة بين الكلامين، إذ أنه بدعة وهو كذلك من الشرك الأصغر، لأن الشرك الأصغر ضابطه أنه كل وسيلة موصلة إلى الشرك الأكبر فإنه من الشرك الأصغر. كل وسيلة توصل إلى الشرك الأكبر، وليست هي من الشرك الأكبر، فهي من قبيل الشرك الأصغر والعياذ بالله، على اختلاف في ضابط الشرك الأصغر عند العلماء، هل يشترط أن يسمى في الشرع شركًا أم لا؟ منهم من يقول ذلك، ومنهم من لا يقيده بذلك. قال رحمه الله تعالى: «ويدل أيضًا على أن قضاء القبر للسلام»، في النسخة الأخرى: «ما عندكم؟» لأن عندنا: «ويدل أيضًا على أن قضاء القبر للسلام» صلى الله عليه وسلم عندنا، هذه زائدة. اعملوا عليها دائرة، أي: زائدة. قال: «ويدل أيضًا على أن قضاء القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه، لأن ذلك لم يشرع». يعني يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر أن الدعاء عند القبر لا يشرع، قال: «لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدًا»، أي: يصير أمرًا يعتاده الناس. وكما مر معنا أن العيد يطلق على ما اعتاده الناس، إما زمانًا وإما مكانًا. قال: «ويدل أيضًا على أن قضاء القبر يعني الآن ننظر إلى المسألة الأخرى على أن قضاء القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه، لأن ذلك لم يشرع». ومعنى هذا أن إنسانًا إذا دخل المسجد وكان في نيته أنه يدخل المسجد يصلي ركعتين لأجل أن يسلم على القبر في كل صلاة أو في كل وقت يدخل يصلي ثم ينطلق إلى القبر الشريف يسلم عليه. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: إن هذا الفعل أيضًا منهي عنه. يقول: «ويدل أيضًا على أن قضاء القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه، لأن ذلك لم يشرع»، أي: لم يشرعه النبي صلى الله عليه وسلم. والأمر في ذلك واضح، لأنه قبره، ولم يشرع كذلك لأن سادات الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، هم سادات المسلمين، أن الصحابة رضي الله عنهم هم سادات المسلمين، لم يفعلوه، وهم أتبع الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين فدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنفس والأموال والأولاد رضي الله عنهم وأرضاهم. فكانوا أعظم محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كل من جاء بعدهم، ومع هذا ما كانوا يصنعون هذا الفعل. ما كان أحدهم يصلي ثم ينطلق إلى القبر فيسلم عليه. هل نعلم أن أبا بكر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الصلاة ثم ينطلق إلى القبر فيسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: لا. هل ثبت عن عمر؟ الجواب: لا. هل ثبت عن عثمان؟ الجواب: لا. هل ثبت عن علي؟ الجواب: لا. هل ثبت عن أحد من الصحابة هذا الفعل؟ الجواب: لا. وإنما الذي ثبت أن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا ذهب سفرًا إذا خرج سفرًا في سفر ثم رجع من سفره، وصل في المسجد، مر على القبر الشريف فسلم عليه وعلى قبر أبي بكر وعلى قبر أبيه الفاروق رضي الله عنهم جميعًا. فالحاصل أن قضاء القبر بعد كل صلاة للسلام عليه، هذه أيضًا من الأمور التي لم تشرع، لماذا؟ لأنه لم يفعلها أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. لو كان هذا الفعل خيرًا وكان مشروعًا، لكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له أسبق. فلما كان منهم رضي الله عنهم وأرضاهم أنهم لا يفعلون هذا الفعل، دل على أن ذلك الفعل غير مشروع. فقال الشيخ رحمه الله تعالى: قال: «ما علمت أحدًا رخص فيه»، لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدًا. «ويدل أيضًا على أن قضاء القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه، لأن ذلك لم يشرع»، أي: فيكون من جملة البدع. يكون ذلك من اتخاذ ذلك عبادة وشيئًا يعتاده، يكون من قبيل البدع، ويدخل كذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذ قبر عيدًا»، أي: تعتادونه أن تجعلوه مزارًا أو تسلم عليه بعد كل صلاة. قال: «وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان للمسجد أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم». وهذا من فعل إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه كره ذلك. والكراهة تطلق عند السلف أحيانًا أو تطلق في مواضع، ويراد بها التحريم. الكراهة تطلق في عرف السلف، ويراد بها في مواضع التحريم، وإنما يتحاشون إطلاق لفظ التحريم أحيانًا. ولكن الكراهة تطلق بمكان التحريم، كما قال الله جل وعلا: «وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان». قال رحمه الله تعالى: «وكره مالك لأهل المدينة»، لأنهم من أهل المدينة، لكن من جاء زائرًا للمسجد النبوي، فصل فيه، وصل فيه، تضاعف كما جاء في ذلك الأحاديث، ثم انطلق إلى القبر فسلم عليه، هذا لا شيء فيه، هذا من الأمور المشروعة. أما أنه يعتاده بعد كل صلاة، يعتاده بعد كل صلاة كما هو حال كثير من الجهال، هذا لا يشرع، لماذا؟ لأنه لم يكن عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وإمة المسلمين رضي الله عنهم ورحمهم الله. قال رحمه الله تعالى: «لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك». قال: أي الإمام مالك رحمه الله: «ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها». إذن من أراد الصلاح وأراد الاستقامة وأراد الخير كله، فهو في اتباع من سلف. وكما قيل: «وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف». قال رحمه الله تعالى: «وكان الصحابة والتابعون رضي الله عنهم يأتون إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فيصلون، فإذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا، ولم يكونوا يأتون القبر للسلام عليه لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد هو السنة». قال: «وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك أو للصلاة والدعاء، فلم يشرعه لهم، بل نهاهم عنه في قوله: لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني». قال: «فبين أن الصلاة تصل إليه من بعد، وكذلك السلام، ولعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد»، أي: أمكنة للتعبد. وهذه الأمور كلها تدلنا على خطر اتخاذ القبور أمكنة للعبادة لعبادة الله جل وعلا. فكيف بمن اتخذ القبور أماكن لعبادتها من دون الله جل وعلا؟ هذا أشد، وهذا هو الشرك الصراح الذي نهى الله جل وعلا عنه، وأخبر بأنه لا يغفره، وأن صاحبه خالد مخلد في نار جهنم. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿فقد ضل ضلالا بعيدا﴾. والآيات في التحذير من الشرك والنهي عنه كثيرة وكثيرة. قال رحمه الله تعالى: «وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب لما كانت عائشة رضي الله عنها فيها». وبعد ذلك أي: بعد أن ماتت رضي الله عنها وأرضاها، بقي الأمر على ما هو عليه إلى أن بني الحائط الآخر، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه، أي: السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، لا للسلام ولا لصلاة ولا لدعاء لأنفسهم ولا لغيرهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم. هذا أدهى وأمر، يعني بعضهم كما ذكر، ولا سيما عند المتأخرين منهم، من يقف عند القبر يدعو الله جل وعلا، هذا من قبيل البدع. ومنهم من يقف عند القبر يسلم كلما مر على القبر سلم، وهذا كذلك منهي عنه وبدعة. بعد كل صلاة صلى ينطلق إلى القبر السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله، وما شابه ذلك بعد كل صلاة مداومة، كذلك منهي عنه «لا تتخذ قبر عيد». ومنهم كذلك من يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم المدد والولد والرزق والغوث وغير ذلك من أشياء التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين جل وعلا، وهذا هو الشرك الأكبر. ومنهم من الجهال من يقول: «أنا سأأخذ حكم هذه المسألة من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة»، فيذهب إلى قبر الرسول فيقول: «يا رسول الله مسألة كذا وكذا ما حكمها؟» أو يقول: «سمعت حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة». كم بينك وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بين موت رسول الله وبينك مئة أو مئتين أو ثلاثمئة أو أربعمئة. بل والعجب العجاب أن بعضهم ادعى الصحبة بعد سبعمئة سنة، كما قال الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة رجل يقال له رتن الهندي، قال الذهبي: «رتن وما أدراك ما رتن؟ قال: دجال من الدجاجلة ادعى الصحبة بعد سبعة أقرون أو نحو ذلك». ادعى الصحبة، صحابي كيف حصلت له الصحبة؟ سمعًا أو قال: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» أو نحو ذلك. لذا يقول الشيخ رحمه الله: «ولسؤال عن حديث لا يأتون إلى رسول الله يا رسول الله حديث كذا وكذا صحيح عنك هو في القبر صلوات الله وسلامه عليه صحيح عنك؟ أو حكم هذه المسألة ما حكمها يا رسول الله؟ أشكلت علينا هذه المسألة ما حكمها؟» هذا أيضًا كله من البدع، بل هو من قبيل الشرك الأصغر، وربما يتمادى بصاحبه إن اعتقد في رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عنده علم بالغيب وأن عنده سمع محيط وعلم محيط وقدر على الإجابة، وأشياء لا يقدر عليها إلا الله جل وعلا. يخشى على مثل هذا، بل يكون مثل هذا مشركًا بالله جل وعلا إن اعتقد في رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء لا تليق إلا بالله رب العالمين جل جلاله. قال رحمه الله: «ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلامًا أو سلامًا فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث». وهذا كذلك كحال كثير من الناس، ولا سيما من المتأخرين، يذهبون إلى قبر السيد الفلاني: «يا سيدي فلان المدد، يا سيدي فلان أجب حاجته، يا سيدي فلان كذا وكذا»، فيسمعون أصواتًا من أصوات من؟ أصوات ذلك الميت. ذلك الميت هو ميت صار ترابًا ورفاتًا، ولكن يجيبهم من؟ الشيطان، يقول: «قد أجبت دعاءك وقضيت حاجتك، فاذبح لي كذا وكذا أو انظر لي بكذا وكذا أو ما شابه ذلك». يقول الشيخ رحمه الله تعالى: «ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلامًا وسلامًا»، الذي يسمعهم الشيطان، قال: «بصوت»، قال: «فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث، وأنه قد رد عليهم السلام بصوت يسمع من خارج». كما طمع الشيطان في غيرهم فأضلهم عند قبره وقبر غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يأمرهم وينهاهم ويحدثهم في الظاهر. أي: صاحب القبر الذي قد اتخذوه وثنًا يعبد من دون الله جل وعلا، كما هو حاصل في كثير من بقاع الأرض، هذا السيد البدوي وهذه زينب وهذه العيدروس وهذا فلان وهذا فلان، يظنون فيهم أنهم أغواث وأقطاب وأنهم يعلمون الغيب، بل بعضهم كما يذكرون أنهم الكرامات أنه دعا عند قبره السيد الفلاني والشيخ الفلاني، قال: «فرأى يدا خرجت من القبر فيها ماء، فقالت لي: اشرب وانضح على وجهك، فشرب وانضح». وقال: «هذه كرامة وسجلوها في كرامات الأولياء». كرامات أولياء المتصوفة يتخرج لهم من القبر من آيات الشياطين، أو يسمعون صوتهم. يذهب إلى عند القبر يزجر ويبكي ويتضرع ويخشع، فيقول له: «قد أجبت دعاءك وقضيت حاجتك، فامض مغفور لك أو فامض فإن مأواك إلى الجنة، فامض فإني قد أعذتك من النيران». فيذهب ويقول: «الله أكبر، الله أكبر، من الذي وعده بهذه المواعيد؟ الشيطان يعدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا». قال رحمه الله تعالى: «قال: حتى ظنوا أن صاحب القبر يأمرهم وينهاهم ويحدثهم في الظاهر، وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجًا من القبر، ويظنون أن نفس الأبدان أن نفس أبدان الموتى خرجت وتكلمهم، أن أرواح الموتى تجسدت لهم فرأوها على سبيل ماذا؟ على سبيل كرامة». أن هذه كرامة خرج لنا خرج الولي الفلاني من قبره، الله أكبر كرامة، حدثنا الولي الفلاني، الله أكبر كرامة. ما يعلمون أن ذلك الشيطان، وأن أحدهم لو قرأ آية الكرسي لا تلاشى وذاب ذلك الخبيث، ولا ما رؤي له مكانًا. ولكن الشيطان كما سمعتم يعدهم ويمنيهم. قال رحمه الله تعالى: «والمقصود أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره كما يفعل من بعدهم من الخلف». وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف. ولو كان خيرًا ما سبقون إليه. لو كان خيرًا ما سبقون إليه. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق. فلو ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجد في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا. ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين، ويتبع غير سبيل المؤمنين من المؤمنين الذين يدخلون في هذه الآية دخولًا أوليًا، صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله جل وعلا: «ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصلي جهنم وساءت مصيرًا». قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور». قال رحمه الله: قال سعيد بن منصور في سننه: «حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: أخبرني سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فناداني وهو في بيت فاطمة رضي الله عنها يتعشى، فقال: هلما إلى العشاء، قلت: لا أريده، قال: ما لي رأيتك عند القبر؟ قلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال لي: انظر الرجل دخل عند القبر يسلم». رآه الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب لما رأه أنكر عليه ذلك الفعل، وماذا قال له؟ قال له: «إذا دخلت المسجد فسلم»، أي: اقتصر على ذلك. ثم قال: «ثم قال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا قبري عيدًا ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». والحديث كذلك صحيح بشواهده، وقد مرت جملة من شواهده. ثم قال: «ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء»، أي: الذي يسلم عليهم هاهنا في المدينة في المسجد النبوي، والذي يسلم عليه في الأندلس، أنتم ماذا؟ سواء في ماذا؟ في بلاغ السلام له صلى الله عليه وسلم. فلا كأنه يقول له: لا مزية لسلامك عند القبر، لا هناك مزية ولا هناك فضل ولا هناك أجر وثواب. بل سلامك في بيتك، سلامك في سوقك على رسول الله، وسلامك في المسجد، وسلامك في أي مكان سواء، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وكل لي ملكًا يبلغني سلام من سلم علي من أمتي». فيبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام من سلم عليه في أي مكان كان. قال الشيخ رحمه الله تعالى: قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «قلت: وهو أيضًا له قرب النسب»، أي: الحسن بن الحسن، وهو أيضًا له قرب النسب وقرب الدار، هكذا الصواب في العبارة. وهو أيضًا له قرب النسب وقرب الدار، فنهى عن المجيء إلى القبر. يعني فنهى عن المجيء إلى القبر للدعاء عنده. قال: «فالمجيء إلى القبر للسلام عليه والتحرى لإجابة الدعاء ليس مما شرعه الله ورسوله لهذه الأمة». ولو كان مشروعًا لما تركه الخلفاء والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعهم بإحسان من سادات أهل البيت وإمة التابعين، ولما أنكروا على من فعله. وقولهم هو الحجة، وهو الذي دلت عليه الأحاديث كحديث عائشة وحديث الباب وغيرهما، لعلم السلف بما أراده النبي صلى الله عليه وسلم بنهيه عن الغلو وخوفه مما وقع ممن غلا في الدين واتبع غير سبيل المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾. قال: «ولما حدث الشرك بأرباب القبور في هذه الأمة في القبورية من صوفية وشيعة»، هم هؤلاء القبورية في هذه الأمة الروافض، وكذلك الصوفية. قال: «ولما حدث الشرك بأرباب القبور في هذه الأمة وتعظيمها وعبادتها، صارت تشد الرحال إليها لقصد دعائها والاستغاثة بها وبذي نفيس الميت، تقربًا إليها وتعظيمًا لسدنتها». فيا لها من مصيبة ما أعظمها، نسأل الله السلامة من هذا الشرك وما يقرب منه أو يوصل إليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على