الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 14، ألقاها
يبدأ الكلام بالدعوة إلى توحيد الله ودلالة القرآن على أنه كلام الله، ويبين أهمية العلم في الدعوة إلى الله. الداعي يجب أن يكون عالما بما يدعو إليه.
يفسر معنى لا إله إلا الله ويبين أن أهل الكتاب والمتأخرين من الأمة يقولونها دون تحقيق معناها بإخلاص العبادة لله وحده.
يتناول أهمية توحيد العبادة كأول واجب على المسلمين، ويشرح شروط لا إله إلا الله وهي العلم واليقين والإخلاص وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، ثم أما بعد. قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «التوحيد» باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، قال الشارح العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحم الله الجميع. قوله: باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وقول الله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾. أولاً قوله رحمه الله تعالى: باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هذا الباب في كتاب التوحيد، وعلاقته بكتاب التوحيد واضحة وظاهرة، وذلك أن من علم التوحيد وحقق التوحيد دعا إليه، دعا إلى دعوة الحق، فعلاقة الباب بكتاب التوحيد واضحة وظاهرة، وكذلك علاقة الباب بالأبواب قبله ظاهرة وواضحة وجلية، وذلك أن من عرف التوحيد وفضله وحقق التوحيد وخاف من الشرك كان عليه أن يدعو إلى ذلك التوحيد الذي قد علم فضله وعلم أنه مراد الله جل وعلا، ولأجله خلق الله جل وعلا الخليقة، ولأجله أرسل الله جل وعلا الرسل، ولأجله أنزل الله جل وعلا الكتب، فمن علم هذه الأمور وتحقق عنده ذلك الأمر دعا إلى الله وإلى توحيد الله جل وعلا كما دعت الرسل، كما دعت الرسل إلى الله جل وعلا. ولهذا المعنى ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بعد هذا الباب، أي بعد قوله: باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، ذكر قول الله جل وعلا: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، ففي هذه الآية المذكورة بيان لألباب المذكور، وأن دعوة الرسل وأتباع الرسل هي الدعوة إلى توحيد الله جل وعلا، فهي وظيفة الرسل والأنبياء، وهي وظيفة أتباع الرسل والأنبياء، فمن كان من أتباع الرسل والأنبياء حقاً فإنه يدعو إلى ما دعت إليه الرسل من توحيد الله جل وعلا وحده لا شريك له. قال الشارح رحمه الله: قال أبو جعفر بن جرير: يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد... وها هنا فائدة وبديعة ذكرها العلامة ابن القيم رحمه الله في الآيات التي يبتدئها أو يبتدئ فيها ربنا جل وعلا بقوله: «يقول» ويبلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سمعها من ربه جل وعلا، فيقول: «قل» يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كلام له معناه: أن في هذا دلالة واضحة على أن القرآن منزل من عند الله جل وعلا، وأنه ليس حكاية ولا عبارة عن كلام الله جل وعلا، لذا فإن الله جل وعلا يقول لنبيه: «قل» فيقول نبيه صلى الله عليه وسلم: «قل» كما أخبره الله جل وعلا، فظهر بذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن ربه جل وعلا، وليس له من الأمر شيء، إنما هو مبلغ عن ربه جل وعلا كما قال الله جل وعلا: ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾، فهو مبلغ عن ربه جل وعلا، ففيه دلالة على أن القرآن من كلام الله جل وعلا حقيقة، تكلم به ربنا جل وعلا حقيقة، وأنزله على محمد، كلم الله جل وعلا به جبريل، ونزل به جبريل عليه السلام منجما على نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بحسب الوقائع والأحداث. قوله: ﴿قل يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها﴾، قول يا محمد: هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله، من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته سبيل، أي سبيل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال: وطريقتي ودعوتي أدعو إلى الله وحده لا شريك له على بصيرة بذلك ويقين وعلم مني به، أي علم من الله جل وعلا، فهو يدعو إلى الله جل وعلا بعلم من الله جل وعلا، وفي هذا دلالة وإشارة إلى أن الداعي إلى الله جل وعلا ينبغي أن تكون دعوته مرتكزها ومبناها على العلم، يدعو إلى الله جل وعلا على علم وبصيرة ونور من الله، لا يدعو بالآراء ولا يدعو بالأفكار ولا يدعو بالاختراعات التي يخترعها فكره وعقله، وإنما يدعو إلى الله جل وعلا بعلم من الله، من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. قال رحمه الله: على بصيرة بذلك ويقين علم مني به أنا، ويدعو إليه على بصيرة أيضا من اتبعني وصدقني وآمن بي، وسبحان الله يقول تعالى ذكره: وقل تنزيها لله وتعظيما له من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه، ﴿وما أنا من المشركين﴾ يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم ولا هم مني. انتهى كلامه، أي انتهى الكلام الذي ذكره الإمام عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى عن الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى صاحب التفسير المشهور، والتفسير للآية من هذا الإمام واضح جلي، وفيه بيان لمعنى هذه الآية وتوضيح لهذه الآية، وفيه كذلك بيان لدعوة الرسل وأتباع الرسل أنها دعوة إلى الله وحده لا شريك له، دعوة إلى الله جل وعلا وحده لا شريك له، لا تدعو إلى أفكار ولا إلى آراء ولا إلى أشخاص ولا إلى قوميات ولا إلى شيء من ذلك، وإنما هي دعوة إلى الله وحده لا شريك له، وهي على بصيرة، أي على علم من الله جل وعلا، وهذه الدعوة هي دعوة الرسل وأتباع الرسل، لأن الله جل وعلا قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾. قال رحمه الله تعالى: وهذه الآية تدل على أن أتباعهم هم أهل البصائر أدعون إلى الله تعالى، ومن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة، وإن كان من أتباعه على الانتساب والدعوة، قاله العلامة ابن القيم رحمه الله، وهذا بناء على قول الله جل وعلا على الوصل في قول الله جل وعلا: ﴿أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، أي داعون على بصيرة، فإذا يكون أتباع الرسل على بصيرة في الدعوة إلى الله جل وعلا. وكما سمعتم وذكر: أن في هذا دليل واضح على أن الداعي إلى الله جل وعلا ينبغي أن يكون في دعوته إلى الله عالما بما يدعو، عالما بما يدعو، ولا يلزم أن يكون عالما بجميع الشريعة، لكن يجب وينبغي في حقه أن يكون عالما بما يدعو إليه، يعني مثلاً إذا دعا إلى التوحيد ينبغي أن يكون عالما بالتوحيد الذي يدعو إليه، عالما بالتوحيد الذي يدعو إليه، لا يكون جاهلا، ولا يلزم من ذلك أن يكون عالما أي أن يكون عالما كالعلماء، فتكون الدعوة مقصورة ومحصورة على العلماء، لا ليس المعنى هذا، ولكن المعنى أن الداعي إلى الله جل وعلا يدعو إلى الله جل وعلا بعلم وبحسب علمه، يدعو إلى الله جل وعلا بعلم وبحسب علمه. أنت تعلمت من العلم ما صرت به تعلم من مسائل دينك ما تعلمه، ادع إلى الله جل وعلا بما تعلمت، ادع إلى الله جل وعلا بما تعلمت، ولا تتكلف ما لا تعلمه، ولا تتكلف ما لا تعلمه، وأما من كان جاهلا أصلا فإلى ماذا يدعو؟ وعلى ما يدعو؟ وإلى أي شيء يدعو وهو جاهل؟ وكما قيل: فاقد الشيء لا يعطيه، فاقد الشيء لا يعطيه، وكلما كمل الإنسان في العلم كلما اتسعت دعوته، وكلما كان أمره في الدعوة أكبر وأعظم وأجل، ولا سيما مع صدق النية وإخلاصها لله رب العالمين جل وعلا وحده لا شريك له. يقول الشيخ رحمه الله: وهذه الآية تدل على أن أتباعه هم أهل البصائر أدعون إلى الله تعالى، وفي هذا رد على المتكلمين الذين يقولون: إن طريقة السلف أسلم، وأن طريقة الخلف أعلم وأحكم، وهذه قاعدة باطلة منكرة، بل من المنكرات العظيمة التي تكلم فيها وتفوه فيها المتكلمون وأرباب الفلاسفة ونطق بها من جاراهم ولم يعلم بعد هذه الكلمة وإلى ما تدعو؟ ففي هذا المعنى وفي هذا الكلام المذكور في هذه الآية دلالة على أن أهل البصائر هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لأنهم هم الداعون إلى الله جل وعلا على بصيرة، وكذلك من تبعهم فإنهم هم الداعون إلى الله جل وعلا على بصيرة، ففي هذه الآية وغيرها من الآيات دلالة على بطلان هذه القاعدة المذكورة سابقا: أن طريقة السلف أسلم، وأن طريقة الخلف أعلم وأحكم، والقاعدة كما ذكر من ذكر من العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن أولها ينقض آخرها، وآخرها يبطل أولها، إذ لا سلام إلا بعلم وحكمة، ولا علم وحكمة إلا بسلامة، فكيف تكون طريقة سالمة من غير علم ولا حكمة؟ وكيف تكون طريقة مبنية على العلم والحكمة ولا تكون سالمة؟ هذا قول باطل، وهو قول من لم يعقل ما يقول. فقوله رحمه الله تعالى: وهذه الآية تدل على أن أتباعه من أهل بصائر أدعون إلى الله، تدل على هذا المعنى، وأن أعلم الناس بالله جل وعلا هم الألصقوا الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلموا الناس بدين الله جل وعلا، ومن ليس منهم فليس من أتباعه، من ليس من أهل بصائر ولهو تابع لهم فهو ليس من أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحقيقة، على الحقيقة، وأما من تبعهم على الحقيقة فهم منهم، وإن تباعد الزمان وإن اختلف المكان، ما دام أنهم داعون على بصيرة، على نور من الله جل وعلا، على ما كان عليه سلف هذه الأمة، فهم داخلون في عموم هذه الآية: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: وإن كان قال: ﴿ومن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة﴾ وإن كان من أتباعه على الانتساب والدعوة، كحال كثير من الناس الذين يدعون إلى غير الله جل وعلا، يدعون إلى تعظيم الأولياء وعبادة الأولياء، وإلى تعظيم ما لم يعظمه الله جل وعلا، وإلى تعظيم الأشخاص وإلى تعظيم الآراء وإلى تعظيم الأفكار وإلى تعظيم كذلك الرموز من الناس، هؤلاء وإن قالوا: نحن أتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس معهم إلا الدعوة، ليس معهم إلا الدعوة، وإلا فحقيقة أمرهم هم داعون إلى غير الله جل وعلا، داعون إلى أفكار، داعون إلى أشخاص، داعون إلى قوميات، داعون إلى كذلك أشياء لم ينزل الله جل وعلا بها من سلطان. قال رحمه الله تعالى: وقد قال تعالى: ﴿قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب﴾، وما زال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يدعون إلى ما أمر الله به من الدعوة إلى توحيده في العبادة والنهي عن الشرك به، ويجاهدون على ذلك، والآيات في الأمر بذلك كثيرة جدا، كقوله تعالى: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾، وقوله: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين﴾. فكما ذكر رحمه الله تعالى: أن الرسول وأتباع الرسل في كل زمان ومكان وفي كل مصر وعصر يدعون إلى الله، يدعون إلى الله جل وعلا وعلى بصيرة إلى توحيد الله جل وعلا، إلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة، إلى النهي والتحذير والإبعاد من الشرك، ووسائل الشرك، بشتى أنواع الدعوة إلى الله التي علمهم الله جل وعلا إياها في كتابه، وعلمهم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في سنته المطهرة. وهذه الآيات في قول الله جل وعلا: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾، أي لا أحسن، وكذلك في الآية الأخرى في قول الله جل وعلا: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين﴾، أي لا أحسن من هذا الإنسان الداعي إلى الله، إلى عبادة الله جل وعلا وحده لا شريك له، وإلى التحذير من الشرك وإلى نبذ الشرك وأهله، لا أحسن من ذلك، وعمل صالحا، وقال: ﴿إنني من المسلمين﴾، فحقق الدعوة بعد أن حقق القول والعمل، حقق الدعوة بعد أن حقق القول والعمل. قال رحمه الله تعالى: قوله: وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أي عبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن، قال له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» الحديث. قال: وأهل الكتاب المذكورون في هذا الحديث من كان في اليمن من اليهود والنصارى، إذ ذاك واليمن كان فيها من أهل الكتاب، كان فيها يهود، وكان فيها كذلك نصارى من الأبناء من أهل فارس. قال رحمه الله تعالى: قوله: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، قال: وكانوا يقولونها، لماذا؟ كان يقولونها لأن أهل الكتاب سواء من اليهود أو من النصارى يقولون: لا إله إلا الله، أي يقولونها بألسنتهم، ولكنهم لا يحققونها لا بأفعالهم ولا بمعتقداتهم، بل ولا بأقوالهم، لماذا؟ لأنهم أشركوا بالله جل وعلا معه غيره، كما قال الله جل وعلا: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾، فالحاصل أنهم يقولون: لا إله إلا الله، وهم يشركون به معه غيره. قال رحمه الله: وكانوا يقولونها، لكنهم جهلوا معناها الذي دلت عليه من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، فكان قولهم: لا إله إلا الله لا ينفعهم، لماذا؟ قال: لجهلهم بمعنى هذه الكلمة، كحال أكثر المتأخرين من هذه الأمة، فإنهم كانوا يقولونها مع ما كانوا يفعلونه من الشرك بعبادة الأموات والغائبين والطواغيط والمشاهد، فيأتون بما ينافيها، فيثبتون ما نفته من الشرك باعتقادهم وقولهم وفعلهم، وينفون ما أثبتته من الإخلاص، كذلك وظنوا أن معناها القدرة على الاختراع، تقليدا للمتكلمين من الأشاعرة وغيرهم، وهذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، فلم يدخلهم في الإسلام، كما قال تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون﴾، وقوله: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون﴾، وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير. يقول الشارح رحمه الله تعالى: وهذا من الشارح رحمه الله تعالى من ربط الأمر بالأمر، وهذا الأمر من المهمات، أن يكون الداعي إلى الله جل وعلا يربط الناس ويبين ويوضح أن الآيات المذكورة في كتاب الله جل وعلا وإن نزلت في قوم وعلى قوم، فإن كان غيرهم من جاء بعدهم قد شاركهم في ذلك الشيء الذي أنزلت الآيات لأجله، فإنه يشملهم الحكم، يشملهم الحكم. فالشيخ رحمه الله تعالى من فقهه العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى من فقهه وحسن شرحه: أنه ربط بين الأمر والأمر، ربط بين الأمر والأمر، وفي هذا كذلك إشارة منه رحمه الله تعالى إلى دقة الأحاديث والآيات التي يذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى تحت هذه الأبواب، إذ أن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ذكر هذا الحديث تحت هذا الباب، وكما سمعتم: أن اليمن كان فيها أهل الكتاب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «إنك تأتي قوما أهل كتاب أو من أهل الكتاب»، وأهل الكتاب ليسوا بمشركين كالمشركين الذين هم مشركون أصلا، لأنهم أهل كتاب، فهم يقرون بأن الله جل وعلا يقولون: لا إله إلا الله، ولكنهم يشركون من أبواب أخرى، ولكنهم يشركون من أبواب أخرى. لذا لم تكن معاملة أهل الكتاب في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كمعاملة المشركين في أمور كثيرة، باعتبار الأنكحة، باعتبار الذبائح، باعتبار الجزية، أشياء ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى في كتبهم. فالحاصل: أنهم كانوا يقولون بألسنتهم: لا إله إلا الله، ولكنهم لا يعلمون معنى هذه الكلمة، أو قل لم يحققوا معنى هذه الكلمة، إما أنهم جهلوا العلم، وإما أنهم جهلوا باعتبار العمل، لأن الجهل إما أن يكون باعتبار العلم، وإما أن يكون باعتبار العمل، بخلاف العلم، فكله من الجهالة، وكله من الجهل، فهؤلاء اليهود والنصارى قالوا: لا إله إلا الله بألسنتهم، وهم ليل نهار يشركون بالله جل وعلا، اليهود يشركون عزيرا في العبادة، ويقولون بأنه ابن الله جل وعلا، والنصارى يزعمون بأن عيسى عليه السلام بأنه ابن الله جل وعلا، فلم تنفعهم: لا إله إلا الله، لم تنفعهم: لا إله إلا الله، بل كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يدعوهم أول ما يدعوهم إليه إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا فيه بيان على أنهم وإن قالوها بألسنتهم فإنهم لم يحققوها. وكما ذكر الشارح رحمه الله تعالى: أن الأمر اليوم كالأمر في البارحة، وذلك أن كثيرا من المنتسبين إلى الإسلام اليوم يقولون: لا إله إلا الله بألسنتهم، وهم لا يعلمون معنى: لا إله إلا الله، بل ويعملون بنقيضها ليل نهار، فيعبدون غير الله، ويدعون غير الله، يستغيثون بغير الله، يذبحون لغير الله، ينذرون لغير الله، إذا نزل بهم الكرب، ضل من يدعونه إلا السيد الفلاني والشيخ الفلاني والمقبور الفلاني، الذبح لهم والنذر لهم إلى غير ذلك. فأين عبادة الله جل وعلا؟ وإن: لا إله إلا الله من حال هؤلاء؟ بل بلغ بهم المتأخرون منهم أن جعلوا لهؤلاء السادة الذين يزعمون بأنهم سادة، ومنهم ومنهم، بأن لهم حقا يجب أن يقام به من صرف العبادات له، من طواف وسجود وذبح ونذر وسغاية إلى غير ذلك من الأمور، فأين: لا إله إلا الله من حال هؤلاء الذين ينقضونها ليل نهار؟ فما أحوج هؤلاء إلى الدعوة إلى: لا إله إلا الله الحقة التي بها يخلصون من الشرك بالله جل وعلا، ويخلصون الدين لله وحده لا شريك له. وكما ذكر رحمه الله تعالى: أن كثيرا من المتأخرين إذا سألهم السائل: ما معنى: لا إله إلا الله؟ قالوا: لا مخترع إلا الله، لا قادر على الاختراع إلا الله، أو لا خالق إلا الله، أو لا رب إلا الله، وما شابه ذلك، وما شابه ذلك، ولم يفرق القوم بين توحيد الربوبية وبين توحيد الألوهية، ولم يفرق بين ما دعا إليه الرسل وبين ما أقر به المشركون الأول، ما أقر به المشركون الأول من أن الله جل وعلا هو الخالق والرازق والمدبر، والذي بيده كل شيء. قال رحمه الله تعالى: وهذا التوحيد قد أقر به مشرك الأمم، وأقر به أهل الجاهلية الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يدخلهم في الإسلام، لأنهم قد جحدوا ما دلت عليه هذه الكلمة من توحيد الإلهية، وهو إخلاص العبادة ونفي الشرك والبراءة منه، كما قال تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأننا مسلمون﴾، فهذه الآية كذلك تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا أهل الكتاب، وهم يقولون: لا إله إلا الله، إلى: لا إله إلا الله، تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: أن لا نعبد إلا الله، هذا معنى: لا إله إلا الله، ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، بل بين الله جل وعلا هو الرب وحده، وهو المعبود وحده سبحانه وتعالى. قال: فهذا هو التوحيد، وهو أصل الإسلام، وقال تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾، وقال: ﴿فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله﴾، وقال تعالى: ﴿ذلك بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير﴾، وقال تعالى: ﴿فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص﴾، والآيات كلها تنصب في مصب واحد، وهو أن الله جل وعلا وحده لا شريك له الذي يستحق العبادة، وما سواه فإنه لا يستحق شيئا منها، وأن من صرف شيئا من العبادة فقد أشرك بالله جل وعلا معه غيره، وإن زعم بلسانه وقال: لا إله إلا الله، وإن صلى وإن صام، وهو يشرك بالله جل وعلا، وهو يشرك بالله جل وعلا ليلا ونهارا، فما ينفعه صلاة، وما تنفعه صلاة، وما ينفعه صيامه، وهو يعبد غير الله بأنواع من العبادات، وقلبه معلق بغير الله جل وعلا، إذا أراد النفع نظر بقلبه قبل بصره إلى غير الله جل وعلا، إلى سيد فلان، وإلى أست فلانة من أسادات زعمه، وإذا أراد دفع الكرب عنه كذلك استفت بقلبه وجوارحه إلى غير الله جل وعلا، فأين: لا إله إلا الله من هؤلاء؟ قال رحمه الله تعالى: وأمثال هذه الآيات في بيان التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأنزلت به الكتب في القرآن الكثير، وسنذكر بعض ذلك إن شاء الله تعالى في هذا التعليق. قال رحمه الله تعالى: قوله: «فليكن أولا»، يجوز أن يقال: أول، وأول، قال: «فليكن أولا» منصوب على أنه خبر يكن مقدم، وشهادة اسمها مؤخر، ويجوز العكس، أي يجوز أن يكون أول اسمها، وشهادة خبرها، أي خبر يكن. قوله رحمه الله: وفيه دليل على أن توحيد العبادة هو أول واجب، لأنه أساس الملة وأصل دين الإسلام، وهذا الذي أجمع عليه السلف، بل أجمعت عليه الرسل، الدعوة إلى عبادة الله جل وعلا وحده، فأول واجب على العبادة هو توحيد الله جل وعلا وحده لا شريك له، وحده لا شريك له، لا كما يقول المتكلمون، كما ستأتي في كلام الشارح، قالوا: أما قول المتكلمين ومن اتبعهم: إن أول واجب معرفة الله بالنظر والاستدلال، فذلك أمر فطري، فطر الله عليه عباده، ولهذا كان مفتتح دعوة الرسل أممهم إلى توحيد العبادة: «أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، «أن لا تعبدوا إلا الله»، قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾، وقال تعالى: ﴿قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض﴾، قال العماد بن كثير رحمه الله تعالى: هذا يحتمل شيئين، أحدهما: أفي وجوده شك؟ أي أفي وجود الله جل وعلا شك؟ قال: فإن الفطر شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، وهو كما قال رحمه الله: أمر فطري أن الله جل وعلا موجود، وأنه رب العالمين جل وعلا، فهل يحتاج إلى دليل؟ يحتاج إلى برهان؟ الجواب: لا. قال: والمعنى الثاني: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك؟ وهو الخالق لجميع الموجودات، فلا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنون أنها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى. انتهى، قال الشارح رحمه الله: وهذا الاحتمال الثاني يتضمن الأول، بمعنى أن من أقر بتوحيد الألوهية فإنه يتضمن الإقرار بتوحيد الربوبية، أن من أقر بتوحيد الألوهية فإنه يتضمن إقراره بتوحيد الربوبية، وذلك لأن الإله الحق لا بد أن يكون نافعا ضارا مطلقا، لا بد أن يكون بيده الأمر، لا بد أن يكون الخالق الآمر المدبر، إلى غير ذلك من أمور الدال على استحقاقه للعبادة وحده لا شريك له، وأن من لم يكن بيده الأمر، ولم يكن خالقا ولا رازقا ولا مدبرا ولا نافعا ولا ضارا، فإنه لا يستحق شيئا من العبادة، كما أن من أقر بتوحيد الربوبية فإنه يلزمه إلزاما أن يقر بتوحيد الألوهية، وذلك أن من كان خالقا رازقا مدبرا وحده لا شريك له، فإنه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فالعلاقة بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية: من أقر بتوحيد الألوهية فإنه يتضمن الإقرار بتوحيد الربوبية، ومن أقر بتوحيد الربوبية فإنه يستلزم أن يقر بتوحيد الألوهية. قال رحمه الله تعالى: وروى أبو جعفر بن جرير بسنده عن عكرمة ومجاهد وعامر الشعبي: أنهم قالوا: ليس أحد إلا وهو يعلم أن الله خلقه وخلق السماوات والأرض، فهذا إيمانهم، أي ليس أحدا من الناس إلا يعلم هذا الأمر، ولكن منهم من كابر، ومنهم من خادع، ومنهم من انتكست فطرته، فقال بخلاف ذلك، وإلا فالكل يعلمون أن الله جل وعلا هو خالقهم وربهم وحده لا شريك له. فرعون زعم أنه رب العالمين، وأخبر الله جل وعلا أنه إنما قال ذلك جحدا وإنكارا لما علم أنه أن الرب جل وعلا هو الخالق وحده، قال الله جل وعلا عنه: ﴿فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾، وقال الله جل وعلا عن موسى: ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا﴾، فهو علم أن الله جل وعلا الخالق وحده لا شريك له، ولكنه عاند وجحد الحق المعلوم، وزعم أنه رب العالمين، تعالى الله جل وعلا عن قوله علوا كبيرا. وكذلك التنوينية من المجوس، فإنهم إن قالوا بالخالقين، فإنهم لا يقولون بأنهم متماثلين من كل وجه، بل يقرون ويقولون: بأن إله النور وإله الخير هو أعظم وأجل من إله الظلم، بل كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن طوائف منهم يزعمون: أن إله الظلم مخلوق لإله الخير، وإله النور، أن طوائف منهم، أي من المجوسية التنوينية، يزعمون: أن إله الظلم وإله الشر مخلوق لإله النور وإله الخير، وهذا مصير منهم إلى أن الخالق وحده هو الله جل وعلا لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: وعن عكرمة أيضا قال: تسألهم: من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، فذلك إيمانهم، وهم يعبدون غيره، أي يقرون بأن الله جل وعلا الخالق الرازق المدبر، ولكنهم يشركون بالله جل وعلا غيره، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾، يؤمنون بماذا؟ بأن الله هو الخالق، بأن الله هو الرازق، بأن الله هو المدبر، ولكنهم يشركون بالله جل وعلا غيره في العبادة، في العبادة. وهذه الآثار مذكورة عن مجاهد وعكرمة والشعبي، أثر عكرمة، وأثر مجاهد قابلة للاحتجاج، رواها الطبري كما ذكر وغيره، وأما أثر عامر الشعبي فإنه ضعيف، وأثر عكرمة الأخير كذلك حسن بشواهده، أي له طرق. قوله: وتقدم أن: لا إله إلا الله قد قيدت بالكتاب والسنة بقيود، انتقال منها: العلم واليقين والإخلاص والصدق والمحبة والقبول والإنقياد والكفر بما يعبد من دون الله، فهذه كما ترون قيود ثمانية: العلم واليقين والإخلاص والصدق والمحبة والقبول والإنقياد والكفر بما يعبد من دون الله. قال: فإن اجتمعت هذه القيود لمن قال: نفعت هذه الكلمة، وإن لم تجتمع هذه لم تنفعهم، الناس متفاوتون في العلم بها والعمل، فمنهم من ينفعه قولها، ومنهم من لا ينفعه، كما لا يخفى، وهذا الأخير نؤجله إلى درس بإذن الله جل وعلا. إلى هنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.