شرح قرة عيون الموحدين 67

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 67، ألقاها

مفهوم التوكل وأهميته في التوحيد

التوكل على الله عبادة جليلة يجب إخلاصها لله وحده، ويرتبط بالتوحيد ارتباطًا وثيقًا. تحقيق التوكل يؤدي إلى تحقيق التوحيد وزيادة العبادة لله.

أقسام التوكل والشرك في التوكل

التوكل يصنف إلى أقسام مختلفة، حيث يمكن أن يكون شركًا أكبر أو أصغر حسب الاعتماد على الأسباب. تقديم المعمول في الآيات يفيد الحصر والتوكل على الله شرط في الإيمان.

التوكل في حياة المؤمن والتعامل مع الشدائد

التوكل على الله يحمي المؤمن من كيد الكائدين وحقد الحاقدين، ويكفيه الله شرهم. قول حسبنا الله ونعم الوكيل عند الشدائد من أسباب النصر والحماية.

  • 28 جمادى الآخرة 1434هـ - 08/05/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب عليهم رحمة الله تعالى جميعا: قال قوله: باب قول الله تعالى ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾. قوله: باب قوله، أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾. قال أبو السعادات: يقال توكل بالأمر إذا ضمن القيام به. قال الشارح رحمه الله: وأراد المصنف بهذه الترجمة بالآية بيان أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله، لأنه من أجمع أنواع العبادة الباطنة. فإن تقديم المعمول يفيد الحصر، فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله كما في هذه الآية. ومنه نعلم مناسبة ذكر هذه الآية وتبويب الشيخ رحمه الله تعالى بها في كتاب التوحيد، وهو أن التوكل -كما ذكر رحمه الله تعالى- من أجل عبادات القلوب، وبها يكمل للعبد أعمال القلب الناتجة عن التوكل من محبة وخوف ورجاء وطمع ورهبة وإنابة لله رب العالمين جل وعلا. لأن العبد كلما وثق بالله رب العالمين جل وعلا اعتمد عليه، وكلما اعتمد على ربه جل وعلا شعر بحاجته وفقره إلى ربه جل وعلا ومولاه، فكان ذلك سببا داعيا له لأن يزاد محبة وتعظيما وإجلالا ورجاء وخوفا لله رب العالمين جل وعلا. فدل هذا على أن التوكل عبادة عظيمة، إذا قام بها العبد قام معه سائر أعمال القلوب، وإذا انتفت انتفت. لأن العبد -كما سمعتم- كلما كان واثقا بالله جل وعلا كانت هذه الثقة من أعظم الدواعي لمعرفة ربه جل وعلا، لمعرفة عظمة الرب جل وعلا وجلال الرب جل وعلا، وأن الرب جل وعلا هو المتصرف وحده في الأمور، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وهذا أمر، وأمر آخر يكون ذلك كذلك سببا لأن يزاد العبد عبادة لربه جل وعلا وخضوعا وتذللا، لأنه يعلم أن ربه جل وعلا هو المتصرف في كل شيء، بيده كل شيء سبحانه وتعالى. وإذا كان أمر كذلك فهو المستحق للعبادة وحده، هو المستحق للعبادة وحده وللإنابة إليه وحده ولتضرع إليه وحده، إلى غير ذلك من أنواع العبادات، سواء كانت عبادة القلوب أو كانت عبادة الجوارح الظاهرة. وقوله رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، كما ذكر الشارح رحمه الله في تبويب الشيخ رحمه الله تعالى بهذه الترجمة، بيان أن التوكل فريضة وعبادة جليلة يجب أن تكون لله رب العالمين جل وعلا. وأن من صرف هذا التوكل لغير الله جل وعلا، فتضرع إلى غير الله جل وعلا واعتمد ووثق بغير الله جل وعلا ممن لا يقدر على شيء مما اعتمد عليه ذلك العبد، أن ذلك من قبيل الشرك الأكبر والعياذ بالله. كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في الكلام على أقسام التوكل. ومنه نعلم أيضا مناسبة ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب بعد الباب الذي قبله، وهو قوله رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، والباب الذي قبله. وذلك أن التوكل عمل من أعمال القلوب، هذا أمر، وأمر ثاني أن العبد كلما كان متوكلا على الله جل وعلا حق التوكل فإنه لا يلتفت إلى شيء سوى الله جل وعلا، فلا يحب إلا الله جل وعلا، ولا يعظم إلا الله جل وعلا، ولا يخش إلا الله جل وعلا. لماذا؟ لأنه يعلم علم يقين بأن الله جل وعلا كافيه، وأن الله جل وعلا مغنيه، وأن الله جل وعلا مؤيده وناصره، فهو واثق بالله جل وعلا بتوكله على الله جل وعلا. فكان هذا التوكل سببا لأن لا يخش إلا الله جل وعلا، وأن لا يحب إلا الله جل وعلا أي محبة العبادة. فمنه يظهر المناسبة كذلك بين الأبواب، وهذا الباب بين الأبواب السابقة. قال رحمه الله تعالى: قال وأراد المصنف بهذه الترجمة بالآية بيانا أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله، أي فريضة أي عبادة وهي من أجل العبادات وأعظمها. بل قال من العلماء رحمهم الله تعالى: أن مدار التوحيد على تمام التوكل والعبادة، مستدلا بقول الله جل وعلا ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ في أم القرآن في سورة الفاتحة. بعد أن قرأ أو يقرأ العبد ما يقرأ: الحمد لله رب العالمين، وهو حمد لله، الرحمن الرحيم، وهو سناء لله، مالك يوم الدين، وهو كذلك إخبار عن أن الله جل وعلا هو المتصرف في الكون وحده جل وعلا، ثم قال: مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين. فلا عبادة إلا باستعانة، وهي حقيقة التوكل، أن يعلم العبد أن الله جل وعلا مؤيده وناصره ومعينه وكافيه، فيتوكل على الله جل وعلا بذلك. وبذلك التوكل يتحقق معه التوحيد الذي هو حقيقته غاية الحب والخضوع لله رب العالمين جل وعلا مع التعظيم والإجلال لله رب العالمين جل وعلا، فيكون محققا للعبادة التي أمره الله جل وعلا بها إذا حقق التوكل. وأما إذا اختل التوكل فإنه لا يحقق العبادة أبدا، لأنه قد التفت قلبه إلى غير الله جل وعلا. وإذا التفت قلبه إلى غير الله جل وعلا فيكون قد وقع منه من الشرك بحسب ذلك الالتفات إلى غير الله جل وعلا. إذن هناك ارتباط وثيق بين التوكل والتوحيد، بل كما ذكر من ذكر من أهل العلم رحمهم الله تعالى، ومنهم العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: أن منزلة التوكل بالنسبة للتوحيد كمنزلة الجسد للرأس، فلا يقوم توحيد إلا بتوكل. يقول: منزلة التوكل لتوحيد الله جل وعلا لتوحيد العبادة كمنزلة الجسد مع الرأس، لا يقوم التوحيد إلا على ساقه، أي على التوكل، إذا لم يكن هناك توكل لا يكون توحيد أبدا، وإذا نقص نقص التوحيد نقص التوحيد. لذا قال رحمه الله: "لأنه من أجمع أنواع العبادة الباطنة". لماذا؟ لأنه يدخل في جميع أنواع العبادة، لأن العبد كلما علم أن ربه جل وعلا كافيه وناصره وحسيبه ازداد ربه جل وعلا له حبا وتعظيما وخشية. صار يخشى الله جل وعلا، صار معظما لله جل وعلا، صار منيبا لله جل وعلا، صار عابدا لله رب العالمين جل وعلا كما أراد الله جل وعلا منه ذلك. قال رحمه الله: فإن تقديم المعمول يفيد الحصر، أي في قوله: ﴿وعلى الله فتوكلوا﴾، والقاعدة عند علماء المعاني أن تقديم ما حقه التأخير -وهو الجار والمجرور هاهنا في قوله: ﴿وعلى الله فتوكلوا﴾- عندهم أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، يفيد الحصر. لذا قال الله جل وعلا -كما هو ظاهر- ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، فالآية أي: إن كنتم مؤمنين فتوكلوا على الله، ومفهومه: إن لم تكونوا مؤمنين فلا تتوكلوا على الله. ومفهومه: أن من لم يتوكل على الله جل وعلا فليس بمؤمن، فليس بمؤمن. قال رحمه الله تعالى: فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله كما في هذه الآية، أي أصل التوكل إذا وجد يوجد معه أصل التوحيد، وإذا انتفى انتفى، وكلما كمل التوكل كمل التوحيد بأنواعه الثلاثة، أي توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات. قال رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد: "التوكل عمل القلب". قوله: "التوكل عمل القلب"، وهذا إشارة من الإمام أحمد رحمه الله تعالى إلى أن التوكل على الله جل وعلا هو المعين لبقية الأعمال، وهو المثمر لبقية أعمال القلب. كلما كان العبد متوكلا على الله جل وعلا وحقق ذلك التوكل، كلما أثمر ذلك أعمالا جليلة من أعمال القلوب. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: في الآية المترجم بها: "فجعل التوكل على الله شرطا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه"، أي أن الإيمان يوجد بوجوده وينتفي بانتفائه، ويكمل بكماله وينقص بنقصانه. قال شيخ الإسلام: "وما رجى أحد مخلوقا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، فإنه شرك"، قال: "ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطف الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق". قال رحمه الله: "والتوكل قسمان". وهذا من كلام الشارح، أحدهما وهما أخوذ من كلام الشيخ سليمان بن عبد الله صاحب التيسير، قال: "والتوكل قسمان"، أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم من الطواغيت، فهذا شرك أكبر، لا يغفره الله إلا بالتوبة، فهذا شرك أكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. أي إذا توكل العبد على غير الله جل وعلا في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله جل وعلا، كأن يتوكل على مخلوق في إحياء الموتى أو في إماتة الأحياء أو في ذر الأرزاق أو في منع الأرزاق أو في علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وما شابه ذلك من الأمور من التصرف الكوني من المدد والولد والرزق وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا. من توكل على غير الله جل وعلا بهذا المعنى فقد وقع في الشرك الأكبر، لأنه أولا توكل على غير الله جل وعلا، والله جل وعلا يقول: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، ومفهوم -كما تقدم- أن من توكل على غير الله جل وعلا فليس بمؤمن. هذا أمر، والأمر الثاني: أنه اعتقد في غير الله جل وعلا أنه يقدر على شيء مما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، وهذا كذلك شرك، وهذا كذلك شرك أكبر. الأمر الثالث: أنه اعتمد والتجأ وفوض أمره إلى غير الله جل وعلا في شيء لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، وهذا كذلك شرك أكبر والعياذ بالله. قال: "وأما التوكل على الأحياء الحاضرين". وهذا القسم الثاني من التوكل، قال: "وأما التوكل على الأحياء الحاضرين والسلطان ونحوهم فيما أقدرهم الله عليه من رزق أو دفع أذى ونحو ذلك، فهو نوع شرك أصغر". لماذا هو نوع شرك أصغر؟ لأن حقيقته التوكل في الأسباب الظاهرة، فهؤلاء توكلوا على أسباب ظاهرة. وكما هو معلوم: أن من اعتمد على الأسباب فقد وقع في الشرك، وهذا النوع من الشرك هو من نوع الشرك الأصغر، لأنه اعتمد على السبب، والسبب إنما يفعل لأنه سبب، ولأن الشريعة جعلته سببا، فهو يزاول السبب متبعا للشريعة مع كون قلبه متعلقا بالله جل وعلا. أما إن زاول السبب واعتمد عليه ووثق به والتفت إليه، فهذا نوع شرك أصغر كما مثل. قال: "وأما التوكل على أحياء الحاضرين يتوكل على حي في جلب نوع من النفع أو في دفع شيء من الضر مما يقدر عليه، لكن مع الاعتماد هذا هو الشرك الأصغر". يعتمد على السبب، وكذلك السلطان ونحوهم فيما ونحوهم فيما أقدرهم الله عليهم الرزق. وكذلك -كما يذكر علماء رحمهم الله تعالى- في هذه الأزمان: الوظائف، من توظف وعمل في الوظيفة واعتمد على هذه الوظيفة في جلب الرزق، جعلها سببا واعتمد على ذلك السبب، هذا نوع شرك أصغر، هذا نوع شرك أصغر. أما إن عمل بها عملا بالأسباب مع أنه يعتقد أن الله جل وعلا هو الرزاق وحده جل وعلا، وهو الذي هيئ هذه الأسباب، فهو الذي خلق السبب وخلق المسبب وحده سبحانه وتعالى، فهو يزاول الأسباب ويعتمد على ربه جل وعلا، هذا توحيد. أما إن زاول السبب واعتمد على السبب فهذا شرك أصغر. مثال آخر: كمن يشرب الدواء مثلا، يشرب الدواء ويعتقد أن هذا الدواء هو الشفاء، يعتمد عليه في حصول الشفاء على السبب على الدواء، هذا كذلك نوع شرك أصغر. لكن لو أن إنسانا شرب الدواء على أنه سبب للشفاء، وأن الله جل وعلا هو الشاف وحده، هذا توحيد. فنفرق بين هذا وبين هذا على ما سيأتي معنا. قال الذي يليه: "والمباح أن يوكل شخصا بالنيابة عنه في التصرف فيما له التصرف فيه من أمور دنياه كالبيع والشراء والإجارة والطلاق والعتاق وغير ذلك، فهذا جائز بإجماع". لكن لا يقول: "توكلت عليه"، بل يقول: "وكلته". فإنه لو وكله فلابد أن يتوكل في ذلك على الله سبحانه، لابد أن يتوكل في ذلك على الله سبحانه، سواء كان في الفعل الذي يفعله أو في الفعل الذي وكل فيه غيره. فإذا ننتبه لهذا الأمر: التوكل على ثلاثة أقسام على ما ذكره الشارح رحمه الله تعالى ها هنا. يكون على ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يتوكل على غير الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، فالتوكل على الأموات والغائبين في الرزق والمدد والنصر وما شابه ذلك، هذا شرك أكبر بالله جل وعلا كما تقدم. النوع الثاني: أن يتوكل على الأسباب الظاهرة، أسباب ظاهرة جعلها الله جل وعلا أسبابا، كما ذكر: كأن يتوكل على الأحياء الحاضرين والسلطان ونحوهم فيما أقدرهم الله عليه من الرزق أو دفع أذى أو ما شابه ذلك. يكون إنسان يخشى من عدو فيلتجئ إلى ماذا؟ إلى سلطان، إلى من يحميه؟ مع اعتماده على ذلك الذي يحميه، هذا لا يجوز، هذا نوع شرك أصغر. ومنه ما ذكر من الصور الأخرى. النوع الثالث: أن يوكل إنسانا في إدارة عمل ما، في إدارة عمل ما، يوكل إنسانا: أن يشتري لهم شيئا، أن يبيع لهم شيئا، أن يفعل لهم شيئا، وما شابه ذلك. لكن مع هذا التوكل -وهو كما سمعتم مباح- لكن ينتبه لأمرين: الأمر الأول: أنه يفعل السبب وقلبه متعلق بالله رب العالمين جل وعلا في كل ما يفعله هو أو من أنابه. الأمر الثاني: لا يقول: "توكلت عليك"، ولكن يقول: "وكلتك". فرق بين اللفظين، فرق بين أن يقول إنسان لإنسان: "يا فلان وكلتك في شراء كذا وكذا لي من السوق"، أو في فعل كذا وكذا لي، أو ما شابه ذلك. وبين أن يقول له: "توكلت عليك في شراء كذا وكذا"، أو في بيع كذا وكذا، أو في فعل كذا وكذا، أو ما شابه ذلك. قوله: "توكلت عليك في فعل كذا وكذا"، نص غير واحد من أهل العلم على أن هذا من الشرك اللفظي، أن قول إنسان لغير الله جل وعلا: "توكلت عليك"، أن هذا نوع من الشرك اللفظي من الشرك الأصغر. وإن كان بعض أهل العلم نازع في ذلك، لكن الصواب مع من قال ذلك، أي أن لفظ التوكل لا يقال إلا لله رب العالمين جل وعلا، لفظ التوكل لا يقال إلا لله رب العالمين جل وعلا. فمن قال لغير الله جل وعلا: "توكلت عليه"، فقد وقع منه شرك لفظي، وهو من نوع الشرك الأصغر. قال رحمه الله تعالى قوله: وقول الله تعالى ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الآية﴾. قال ابن عباس في الآية: "المنافقون لا يدخل في قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾، فأدوا فرائضه". رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، والأثر ضعيف من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، وفيه ضعف على الراجح. وقال السدي في قوله: ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾: "هو الرجل يريد أن يظلم أو قال: يهم بالمعصية، فيقال له: اتق الله، فيوجل قلبه". رواه ابن أبي شيبة وابن جرير، وهذا أثر صحيح. قوله: ﴿وإذا تليت عليه آيات زادتهم إيمانا﴾، استدل الصحابة والتابعون ومن تبعهم من أهل السنة بهذه الآية ونظائرها على زيادة الإيمان ونقصانه، أي أن الإيمان يزيد وينقص، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، من أن الإيمان قول وعمل يزيد بطاعة الرحمن وينقص بطاعة الشيطان. قال رحمه الله تعالى قوله: ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾: أن يعتمدون عليه ويفوضون إليه أمورهم، فلا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه، وهو من أعظم الأسباب في حصول المطالب الدنيوية والأخروية. وفي الآية وصف المؤمنين حقا بثلاث مقامات من مقامات الإحسان تستلزم حصول أعمال الإيمان الواجبة والمستحبة. أي في قول الله جل وعلا: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾، هذه الأولى، ﴿وإذا تليت عليهم آيات زادتهم إيمانا﴾، هذه الثالثة، ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾، خصال ثلاث من خصال الإيمان. قال رحمه الله تعالى قوله: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾. قال ابن القيم: "أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك، فلا يحتاجون معه إلى أحد". وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو المتعين في هذه الآية، وهو المتعين في هذه الآية، إذ أن الحسب كالتوكل لا يطلق إلا في حق الله جل وعلا، فلا يقال: أن معنى الآية: "يا أيها النبي حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين". هذا ليس بصواب، بل الصواب ما ذكره العلامة ابن القيم، وقبله شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، من أن الآية معناها: "يا أيها النبي حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين". لأن الحسب كالتوكل لا يقال ولا يكون إلا لله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى قوله: وقول الله تعالى ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾. قال ابن القيم وغيره: "أي كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدو، ولا يضره إلا أذى لابد منه كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ به مراده فلا يكون أبدا". قال بعض السلف: "جعل الله لكل عمل جزاء من نفسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته"، فقال: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، أي كافيه. فلم يقل: "فله كذا وكذا من الأجر" كما قال في الأعمال، بل جعل الله سبحانه نفسه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه. قال: "فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السماوات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجا وكفاه ونصره". انتهى. وهذا يبين لنا عظمة ومكانة التوكل على الله جل وعلا، وأن الإنسان كلما حقق التوكل لم يضره كيد كائد ولا حقد حاقد ولا حسد حاسد، بيده الله جل وعلا يكفيه وحده جل وعلا وينصره وحده سبحانه وتعالى. أليس الله بكافي عبده؟ ويخوفونك بالذين من دونه؟ فالله جل وعلا هو الذي يكفيه، وهو الذي ينصره، وهو الذي يحفظه، وهو الذي يدفع عنه سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. وفي هذا -كما سمعتم- بيان عظمة التوكل على الله جل وعلا، وأنها من العبادات العظيمة الجليلة، من قام بها قامت به بإذن الله رب العالمين جل وعلا. بمعنى أن من قام بالتوكل حق التوكل كان ذلك التوكل سببا من أسباب حفظ الله جل وعلا وكلاءته له ونصره، من أسباب حفظ الله ونصره وكلاءته ورزقه ومدده لعبده ذلك بتوكله على الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى قوله: عن ابن عباس قال: "قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا﴾ الآية". رواه البخاري. قوله: "حسبنا الله"، تقدم معناه في قوله. قوله: "ونعم الوكيل"، أي نعم من توكل عليه المتوكلون، ومخصوص "نعم" محذوف، تقديره: "نعم الوكيل الله". قوله: "قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار". قال تعالى: ﴿قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين﴾، ﴿قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾. توكل إبراهيم على ربه جل وعلا، فلم يضره كيد الكائدين ولا مكر الماكرين، بل كفاه الله جل وعلا ونصره وسلمه وحفظه بحفظه جل وعلا، وبسبب توكله على الله رب العالمين جل وعلا. قال قوله: "وقال محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا﴾"، وقالوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل". وذلك بعد منصر في قريش والأحزاب من أحد، فمر بهم ركب من عبد القيس، فقال أبو سفيان: "أين تريدون؟" قالوا: "نريد المدينة". قال: "هل أنتم مبلغون عني محمدا الرسالة؟" قالوا: "نعم". قال: "فإذا وافيتموه فأخبروه أننا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم". فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، أي مكان يقال له حمراء الأسد قريبا من المدينة، قال: فأخبره بالذين قال أبو سفيان، فقال: "حسبنا الله ونعم الوكيل". والحديث لا يصح، لكن الآية -كما ترون- تدل على هذا المعنى، وإن كان التفصيل لم يصح. وفي الحديث: "إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل"، وهذا كذلك لا يصح. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على