شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 5

شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 5

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 5، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

فضائل العلم وآثاره في هداية القلب والبصيرة

يشرح المقطع الأبيات من منظومة الإمام الإلبيري التي تبرز فوائد العلم، ومنها إزالة الغشاوة عن القلب والبصر وهداية الضال إلى الصراط المستقيم. ويستشهد المحاضر بآيات قرآنية وأقوال السلف كالحسن البصري وابن القيم لتأكيد أن العلم حياة للقلوب ونور للأبصار.

معنى العشا وفضل العلم في رفع قدر صاحبه وجماله المعنوي

يفسر المقطع معنى العشا بأنه ضعف البصر ليلاً، ثم يوضح الأبيات التي تصف العلم كتاج في مجلس العالم وسبب لكسوته جمال العزة والاحترام. ويضرب المثل بالتابعي عطاء بن أبي رباح الذي نال مكانة علمية عليا رغم تشوه خلقه الظاهري.

فضل العلم ومكانة أهله في الدنيا والآخرة

يروي المقطع قصة الخليفة سليمان بن عبد الملك مع العالم عطاء بن أبي رباح لبيان ذل الطالب للعلم أمام العالم. وتذكر أقوال العلماء والشعراء أن العلم ينفع صاحبه حياً وميتاً ويبقى ذكره الطيب بعد موته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو علم ينتفع به».

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أخذنا في الدرس الماضي بيتين من منظومة الإمام أبي إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى: «أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت إلى علم تكون به إماما مطاعا إن نهيت وإن أمرت». قال الناظم رحمه الله تعالى، أي الإمام أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى: «ويجلو ما بعينك من غشاها ويهديك الطريق إذا ضللت وتحمل منه في ناديك تاجا ويكسوك الجمال إذا عريت ينالك نفعه ما دمت حيا ويبقى ذكره لك إن ذهبت هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مقاتل من أردت وكنز لا تخاف عليه لصا خفيف الحمل يوجد حيث كنت يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفا شدت». وهذه الأبيات فيها بيان بعض فضائل العلم وفوائد العلم، وركز رحمه الله تعالى على ما يكون سببا لصلاح حال المتعلم. إذا كان البيتان اللذان سبقَا: «أبا بكر دعوتك لو أجبت» إلى آخره، فيهما مكانة المتعلم عند الناس وشرفه، فإن في هذه الأبيات بيان لما يصلح من حال هذا المتعلم. فذكر رحمه الله تعالى: «ويجلو ما بعينك من غشاها ويهديك الطريق إذا ضللت». وفي بعض النسخ: «ويهديك السبيل إذا ضللت»، والسبيل هو الطريق، وقيل: السبيل هو ما وضح من الطريق. وهنا بيان رحمه الله تعالى أن من فوائد هذا العلم أنه يجلو غشاء عينك، وضعف بصرك، وضعف بصيرتك. والإنسان يا إخوان لا يكون مبصرا حقيقة إلا بالعلم، وهو بدون العلم يعتبر أعمى لا يبصر، ليس أعمى حسا وإنما أعمى معنى، أي أن بصيرته تكون لربما غير موجودة أو ضعيفة. ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾. فبالعلم يا إخوان حياة القلوب من العمى، وهكذا أيضا بالعلم نور الأبصار من الظلم، وهكذا أيضا فيه قوة البدن من الضعف، وهكذا هداية العقول من الحيرة والضلال. فالعلم يزيل ما على العين من غشاوة وغطاء، ويدله على الصراط المستقيم. ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «لولا العلم لصار الناس مثل البهائم». وفي بعضها: «لولا العلماء». والإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «إعلام الموقعين» يعزوه إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى. فقوله: «ويجلو ما بعينك من غشاها»، الغشاء هو الغطاء والستر الذي يكون على عين هذا الإنسان، كما قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾. الختم يكون على القلب والسمع، بينما البصر تكون عليه غشاوة، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وهكذا قوله عز وجل: ﴿وَطُبِعَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجُعِلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةٌ﴾. وقوله: «ويجلو» أي يكشف ويزيل ويوضح، ﴿مَا بِعَيْنِكَ مِن غِشَاوَتِهَا﴾، «ويهديك الطريق إذا ضللت». جاء في بعض نسخ المنظومة: «ويجلو ما بعينك من عشاها»، كما في نسخة ديوان الإلبيري رحمه الله تعالى. والمراد بالعشا ليس وجبة العشا، وإنما عشا العين. وهو ما هو العشا؟ متى يقال للشخص: أنت أعشا؟ إذا كان... رمد. طيب، أحسنت. نعم يا با حمزة: إذا كان مثل وقت العشاء. طيب، أحسنت. نعم يا با محمد، أحسنت، قاربت وأجبت. يعني الأعشا الذي يرى في النهار ولا يرى في الليل. فالعشا هو ضعف البصر ليلا، ضعف البصر ليلا. «ويجلو ما بعينك من غشاها» أو «من عشاها»، «ويهديك الطريق إذا ضللت». «وتحمل منه في ناديك تاجا ويكسوك الجمال إذا عريت». وفي بعضها: «إذا اغتربت»، وفي بعضها: «إذا اعتريت»، وفي بعض النسخ: «إذا اغتربت». وقوله: «وتحمل منه» أي من العلم، «في ناديك تاجا». والنادي يا إخوان هو المنتدى، وهو مكان مهيأ لجلوس القوم فيه. والغالب أن الذين يجلسون في نادي يكون... يعني يتفقوا في صنعه أو يتفقوا في طبقهم. على سبيل المثال: النجارون غالبا يجتمعوا مع بعض، والمزارعون مع بعض، والمدرسون مع بعض، وهكذا. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾. كل أناس مشربهم. ونادي الرجل قالوا: أهله وعشيرته. ولهذا جاء في التنزيل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي أبو جهل يدعو عشيرته وقومه وأهل مجلسه، ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. قال: «وتحمل منه في ناديك تاجا». والتاج يا إخوان كما هو معروف: ما يوضع على رؤوس الملوك من الذهب والجوهر، وجمعه تيجان، وهكذا أيضا يجمع على أتواج. «ويكسوك الجمال إذا عريت». وقلنا في بعض النسخ: «ويكسوك الجمال إذا اغتربت». أي أنت تحمل منه في مجلسك إكراما ورفعة واحتراما وتعظيما، وغير ذلك مما يتحقق للعالم الرباني. العالم يا إخوان يجعل الله له في قلوب الناس الاحترام والتقدير والإجلال، فالعلم يرفع قدر صاحبه، كما مر معنا في الأبيات الماضية. قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. ومما ينسب إلى الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، كما في ديوانه: «ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن السهدى أدلاء وقيمة المرء ما قد كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء فز بعلم لا تبغي به بدلا الناس موتى وأهل العلم أحياء». وقوله: «ويكسوك الجمال» أي يكسوك جمال العزة، ولو لم يكن هذا العالم أو المتعلم... ولو لم يكن جميل الشكل والصورة، فإن العلم يكسوه جمالا، هو جمال العزة والتعظيم والاحترام لدى الناس. وقد ذكروا عن التابعي الجليل، بل هو يعتبر سيد التابعين: عطاء بن أبي رباح. كان أسود، وأفطس، والأفطس: هو الذي خفضت قصبة أنفه، وكان أنفه... قالوا: كأنه باقي الله أنفه، أفطح. ودميم الخلقة أيضا. قالوا: كان أشل، وكان أعرج، وكان أعور. قالوا: ثم عمي بعد ذلك. هذه ست صفات كلها مذمومة في عطاء بن أبي رباح رضي الله أو رحمه الله تعالى. لكنه طلب العلم حتى صار عالم زمانه، فكان في أيام بني أمية ينادى في المشاعر ومع المناسك: «لا يفتي في الناس أحد إلا... إلا عطاء»، «من أحد يفتي إلا... إلا عطاء». وذكر إبراهيم الحربي رحمه الله تعالى أن الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك جاء هو وابناه، عنده اثنان من الأبناء، إلى عطاء بن أبي رباح، فوجدوا عطاء يصلي، فجلس الخليفة ومعه أبناؤه. فلما صلى عطاء، ما زال يسألونه عن مسائل الحج، عن مسائل الحج. وماذا فعل عطاء؟ حول إليهم ظهره. أعطى الخليفة ظهره. ثم قال سليمان بن عبد الملك لابنيه: «قوما»، فقاما. فلما خرجوا قال لهما الخليفة سليمان بن عبد الملك: «لا تنيا في طلب العلم»، أي لا تتكاسلا في طلب العلم، «فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود». قال: «فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود». كان الأعمش رحمه الله يقول: «لو كنت بقالا ما في حد سيشتري منه»، لقدرني الناس لذمامة خلقه. لكن لما كان عنده الحديث والعلم، تزاحم عليه المحدثون، وكان يلقب بيئة المصحف. ورحم الله الشافعي إذ كان يقول: «اصبر على مر الجفاء من معلم فإن رسوب العلم في نفراته ومن لم يذق مر التعلم ساعة تجرع كأس الجهل طول حياته». «ومن فاته التعليم وقت شبابه»... من يكمل يا إخوان؟ «ومن فاته التعليم وقت شبابه، وقت شبابه... نعم، فكبر عليه أربعا لوفاته». ثم قال: «وذات الفتى والله بالعلم والتقى إذا لم يكون فلاعتبار لذاته، فلاعتبار لذاته». قال الإلبيري رحمه الله تعالى: «ينالك نفعه ما دمت حيا ويبقى ذكره لك إن ذهبت». وهذا يا إخوان من فوائد العلم: أنك تنتفع به في حياتك، وهكذا أيضا تنتفع به أيضا بعد مماتك، لأن الناس ينتفعون به، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»، وذكر منها: «أو علم ينتفع به»، «أو علم ينتفع به». فيبقى الثناء العطر والذكر الجميل لهذا العالم ولو بعد موته. وانظروا يا إخوان إلى سير وتراجم العلماء السابقين، وهكذا من مات من المعاصرين يذكرون بالجميل ويترحم عليهم، وهكذا أيضا يستفيد الناس من علومهم. فالناس موتى وأهل العلم أحياء، وأهل العلم أحياء. ومما يذكر عن شاعري النيل، شاعري مصر، الشاعر أحمد شوقي، قال أبياتا جميلة نستفيد منها، طالب العلم، وإن كان هو يرثي زعيما من زعماء مصر الذين ماتوا، فقال: «ذقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني قال فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني فالذكر للإنسان عمر ثاني». وهذا كله وغيره كثير يعتبر... يعتبر مما يدل على فضل العلم ومكانة أهله في الدنيا، وهكذا أيضا في الآخرة. إذن أخذنا كم بيتا الليلة؟ أخذنا كم بيتا؟ آيابا سعد، ثلاثة أبيات: «ويجلو ما بعينك من غشاها ويهديك الطريق إذا ضللت وتحمل منه في ناديك تاجا ويكسوك الجمال إذا عريت ينالك نفعه ما دمت حيا ويبقى ذكره لك إن ذهبت». ويأتي الحديث حول ثلاثة الأبيات الأخرى في مجلس لاحق. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر