الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 7، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن المقطع أن العلم يزيد بالإنفاق منه وينقص بالكتمان، مستدلاً بأحاديث نبوية في وعيد كاتم العلم، ويوضح أن البركة في العلم تتحقق بنشره مع الإخلاص والصبر والعمل به، مستعرضاً أقوال السلف في أن العلم يهتف بالعمل، وأثر المذاكرة والتكرار في تثبيت الحفظ وانتقاله من الذاكرة المؤقتة إلى الدائمة.
يذكر المقطع نصيحة الإمام البخاري بأن النهمة ومداومة النظر أنفع للحفظ من أي دواء، ثم يسرد أسباب حرمان العلم ومحق بركته كالبخل به والكبر وعدم العمل به وسوء الصحبة، ويختتم بوصف حلاوة العلم التي تذاق بالقلب، مستشهداً بأقوال السلف وابن تيمية وأبيات الزمخشري في لذة طلب العلم.
يسرد المقطع قصة الوزير ابن العميد الذي تمنى لو كان مكان العالم الطبراني حين غلب في المذاكرة العلمية، مبيناً أن حلاوة العلم تفوق حلاوة الرياسة والملك، ويؤكد أن طالب العلم الصادق يؤثر لذة التعلم والقرآن والحديث على ملذات الطعام والشراب والنوم واللهو، كما تدل عليه الأبيات المنقولة.
يختتم المتحدث كلامه بالصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله رب العالمين، مع الإقرار بأن العلم كله لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين: يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفا شدتا فلو قد ذقت من حلواه طعما لآثرت التعلم واجتهدت ولم يشغلك عنه هوا مطاع ولا دنيا بزخرفها فتنتا هذه الأبيات التي أوردها الناظم الإلبيري رحمه الله تعالى لا يزال يذكر فيها فوائد العلم وفضائل أهل العلم. فذكر رحمه الله تعالى أن من فوائد العلم وفضله على أهله أنه يزيد بكثرة الإنفاق منه، أي أنه كلما أنفقت من العلم زاد؛ لأن الله عز وجل يبارك في العلم النافع. وكلما بخل الشخص بالعلم فإنه ينقص ويقل، فتجد أن صاحبه ينسى أو ينسى كثيرا من العلم، وهكذا أيضا لا ينتفع به صاحبه كثيرا. وكما قيل: من كتم علما ولم ينشره ابتلاه الله بنسيانه.كذا قال بعض أهل العلم: من كتم علما ولم ينشره ابتلاه الله بنسيانه جزاء وفاقا. وأخرج الإمام أبو داود والترمذي وابن ماجه، وهكذا هو في مسند أحمد وغيرهم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سئل عن علم فكتمه، من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة». قال العلامة الألباني رحمه الله تعالى: حسن صحيح. وجاء عند الطبراني وغيره عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل آتاه الله علما فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار». وهكذا أيضا صحح هذا الحديث العلامة الألباني رحمه الله كما في صحيح الجامع وغيره. إذن بدل العلم يعتبر سببا لحصول البركة. وما هي البركة يا إخوان؟ ما هي البركة في الشيء يا أبا عبد الرحمن؟ البركة: الزيادة، أحسن، الخير، النفع والفائدة من الشيء. هذا كله من معاني البركة. وعرفها بعض أهل العلم فقال: هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء، ثبوت الخير الإلهي في الشيء. فالعلم إذا بدل فذلك يعتبر سببا لحصول البركة فيه، ولا سيما يا إخوان إذا صحب ذلك إخلاص. الإخلاص يا إخوان أمره عظيم جدا. إذا صحب ذلك إخلاص وصبر وعمل بهذا العلم. وكما ذكر بعض السلف، وهو إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، كما في «اختلاف العلم والعمل» للخطيب رحمه الله تعالى، قال: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به. وجاء عن علي بن أبي طالب، وهكذا جاء عن التابعي الجليل محمد بن المنكذر، وهكذا عن غيرهما كما في كتاب الخطيب السابق، قالوا: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل، وإلا ارتحل. وهكذا أيضا من أسباب حصول البركة في العلم مع بدله وتعليم الناس إياه أن يكثر من المذاكرة. مذاكرة العلم يا إخوان هذا من الأمور التي لا تمل. كان بعض السلف رحمة الله عليهم لربما يصلي هو وأخوه صلاة العشاء، فيجلسان من بعد العشاء يتذاكران إلى متى؟ ما يشعران إلا والمؤذن قد دخل يريد يؤذن لصلاة الفجر. ما شعروا بالوقت، لماذا؟ قلوب تعلقت بالعلم، ما يشعرون بمرور الساعات مع مذاكرة العلم، وعلو الهمة، وكثرة التكرار. كثرة التكرار، ولهذا يا إخوان يذكرون عن الشناقطة في بلاد موريتانيا أن من أسباب قوة حفظهم كثرة تكرارهم. أحيانا يكرر أحدهم المعلومة أو الآية أو الحديث أو المنظومة، يعني أكثر من مئتي مرة، مئتين وخمسين مرة، وهو يكررها يكررها حتى تدخل إلى ذاكرته المؤقتة، ومع التكرار تنتقل من الذاكرة المؤقتة إلى أين؟ إلى الذاكرة الدائمة. ولهذا العلماء يذكرون أن لدى الإنسان ذاكرتين: الأولى مؤقتة، أول ما تحفظ يدخل المحفوظ في هذه الذاكرة، فإن أهملته ذهب، وإن كررته فإنه يثبت فينتقل إلى الذاكرة المؤبدة، الذاكرة المؤبدة. جاء في تاريخ الإسلام للإمام الذهبي رحمه الله تعالى أن رجلا زعم أن البخاري رحمه الله تعالى كان يتناول دواء للحفظ، كان يتناول دواء للحفظ، هذا الدواء اسمه البلادر. البلادر دواء، رأوا البخاري قوي الحفظ، قالوا: من أين له هذا؟ هذا يتناول دواء واسمه البلادر. فسأله الإمام محمد بن أبي حاتم الرازي، سأل البخاري، قال له: هل من دواء يشربه الرجل فينتفع به للحفظ؟ يعني سؤال عجيب، ما جاء قال له: إيش من دواء أنت تستخدم؟ لا، قال له: هل يوجد هناك دواء يشربه الإنسان فينتفع به للحفظ؟ فقال البخاري: لا أعلم، لا أعلم. ثم أقبل عليه فقال: لا أعلم شيئا أنفع للحفظ من نهمة الرجل ومداومة النظر. من نهمة الرجل، ما هي النهمة؟ من هومان لا يشبعان: طالب علم من علم، وطالب دنيا من دنيا. من هو المنهوم يا أبا محمد؟ نعم، الذي يقبل على الشيء بشراهة وبرغبة عظيمة جدا. قال: ومداومة النظر، ومداومة النظر. وهكذا أيضا بالمقابل، فمن أسباب حرمان العلم ومحق بركة العلم أن الإنسان يبخل به، وينقص إن به كفا شدتا. يا فلان عندنا حلقة تعال بارك الله فيك وعلم إخوانك، علم أبنائك. فمشغول، ما عندي وقت. طيب يا فلان افتح لنا درسا، عندنا طلاب، عندنا من الطلاب من يريد درسا في باب كذا وكذا وأنت قد درست في هذا الباب. يقول: سأنظر، ويتهرب. وينقص إن به كفا شدتا. وهكذا مما أيضا يؤدي إلى حرمان العلم ومحق بركته مع البخل به: الكبر، والكبر يسمى بداء الجبابرة، الكبر يسمى داء الجبابرة. أيضا عدم العمل بالعلم، وهكذا كثرت الجدال الذي ليس من ورائه ثمة فائدة، وهكذا سوء الإنصاف وسوء الفهم. هذه كلها لربما تكون سببا في حرمان العلم ومحق بركته. زد على ذلكم عدم إلقاء السمع وترك الانتباه لما يلقى في الدرس، وهكذا عدم الحفظ. عدم الحفظ يا إخوان من أسباب حرمان كثير من العلم، عدم الحفظ وعدم التكرار. وهكذا كتمه وعدم نشره وتعليمه. وزد على ذلكم مصاحبة الكسالى والخاملين وأصحاب الهمم الوضيعة. فمن جالس جانس، والصاحب ساحب. وأصدق من هذا: المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل. قال رحمه الله تعالى: قال فلو قد ذقت من حلواه طعما لآثرت التعلم واجتهدت. وحلواه أي: تام الحلاوة. تام الحلاوة. والعلم يا إخوان له حلاوة، وهذه الحلاوة تذاق، لكن بماذا تذاق؟ هل كالحلوى تذاق باللسان؟ هذا لبنية وهذا هريس. ها باللسان؟ أحسن: بالقلب. العلم له حلاوة تذاق بالقلب. ومن ذاقها يا إخوان لم يتوقف عن السير الحثيث في نيله وتحصيله، وهو يعتبر لذة عقلية يذوقها المتعلم بعد إدراك قدر من العلم، قدر من العلم. فمن ذاق حلاوة العلم لم يعدل به شيئا، لم يعدل به شيئا. ولهذا جاء عن إبراهيم بن أدهم وغيره من السلف كانوا يقولون: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، أي من اللذة والراحة والسعادة، لجالدون عليه بالسيوف، لجالدون عليه بالسيوف. كان بعض أهل العلم من السلف يقول: إنه لتمر بي أوقات، يعني يشعر فيها من الراحة والسعادة واللذة، يقول: لو لم يكن، أو لو كان لأهل الجنة مثل ما نحن فيه الآن، لكان ذاك عيش طيب. لو لم يكن لأهل الجنة إلا مثل هذه الراحة، قال: لكان ذاك عيش طيب. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كان يقول: إن في الدنيا جنة، إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها... من يكمل... لش رجعت عنده أحصنت. قال: إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. أي جنة هذه في الدنيا؟ أهي جنة الأموال والأشجار والثمار والأزهار؟ أبدا، هي جنة الطاعة، جنة العلم، ولذة مجالس العلم، لذة مجالس العلم. وما أجمل يا إخوان أبيات الزمخشري. والزمخشري: جار الله محمود الزمخشري، إمام في اللغة وغيرها، لكنه ماذا؟ من يكمل؟ لكنه معتزلي، والمعتزلة من أهل البدع، وكان يدخل البدع في اللغة، وهكذا في تفسيره المعروف تفسير الكشاف. لكن أبيات جميلة، كان شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى كثيرا ما يتمثل بها ويحفظ طلابه إياها. قال الزمخشري: سهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصلي غانية وطول عناقي وتمايلي طربا لحل عويصة والعويصة: المقصود بها الأمر الصعب الشائك. قال: وتمايلي طربا، أي فرحا، لماذا؟ لحل عويصة. أشهى وأحلى من مدامة ساقي والمدامة: الخمر، من سقيا الخمر. قال: وصرير أقلامي على أوراقها والصرير: هو صوت القلم إذا كتب به. قال: وصرير أقلامي على أوراقها أحلى من الدكاء والعشاق والدكاء: لعلهم يريدون دك الطيب وسحقه سحقا جيدا، فقد ذكر بعض أهل العربية نحو ذلك. قال: وآلذ من نقر الفتاة لدفها نقري لألقي الرمل عن أوراقي أأبيت سهران الدجا وتبيته وتبيته نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي لا يستويان يا إخوان، فمن جد وجد، ومن زرع حصد. وذكر الإمام الخطيب في تاريخ دمشق، وهكذا ذكر في ترجمة الإمام الطبراني لابن منده، ذكر الإمام أبو الحسن بن فارس، ذكر قصة عجيبة يا إخوان تدل على أن لذة العلم أعظم من لذة المال ولذة الرئاسة والملك والسلطان وغيرها. قال الإمام أبو الحسن بن فارس رحمه الله تعالى: سمعت الأستاذ ابن العميد، وابن العميد هذا قال عنه الذهبي في تاريخ الإسلام: الكاتب، وزير الملك ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي. قال: كان آية في الترسل والإنشاد، وكان متفلسفا متهما برأي الأوائل، أي من المعتزلة، حتى كان يسمى الجاحظ الثاني. والشاهد من هذا قال أبو الحسن بن فارس: قال سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذة من الرياسة والوزارة التي أنا فيها، قال: حتى شهدت مذاكرة سليمان بن أيوب بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجعابي بحضرتي، مذاكرة بين جبلين من جبال العلم بحضرته. قال: فكان الطبراني يغلب الجعابي بكثرة حفظه، وكان الجعابي يغلب الطبراني بفطنته وذكاء أهل بغداد، وذكاء أهل بغداد. قال: حتى ارتفعت أصواتهما، ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه، يغلب صاحبه. فقال الجعابي، الجعابي صاحب إيش؟ صاحب الذكاء والفطنة. فقال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، هذه يريدها إيش؟ الضربة القاضية على الطبراني. قال: عندي حديث ليس في الدنيا عند أحد إلا عندي. فقال له الطبراني: هاتيها. فقال: حدثنا أبو خليفة، قال: حدثنا سليمان بن أيوب، وحدث بي الحديث. فقال الطبراني: أخبرنا سليمان بن أيوب، يعني من سليمان بن أيوب هذا؟ تدري من هو؟ قال: أنا سليمان بن أيوب. قال: وأبو خليفة سمعه مني، أبو خليفة الذي تحدث عنه سمعه مني. قال: فاسمع مني حتى يعلو إسنادك، حتى يعلو إسنادك. قال: فإنك تروي عن أبي خليفة عني. قال: فخجل الجعابي وغلبه الطبراني. الشاهد يا إخوان سيأتي. قال ابن العميد: قال فوددت في مكاني أن الوزارة والرياسة ليتها لم تكن لي، وكنت الطبراني، وكنت الطبراني، وفرحت مثل الفرح الذي فرح الطبراني لأجل الحديث، لأجل الحديث. إذن يا إخوان، لذة العلم لذة عظيمة جدا لا تعادلها لذة من لذات الدنيا. وقوله: ولم يشغلك عنه هوى مطاع ولا دنيا بزخرفها فتنت، أي لم يشغل، أي لم يشغلك عن هذا العلم الأهواء والدنيا بزخارفها. قال: فإن هذه الأمور وإن كانت تشغل عامة الناس، تشغل عامة الناس، إلا... إلا أن أهل العلم الذين ذاقوا طعم العلم وحلاوته، فماذا؟ فهم يؤثرون لذة العلم على غيرها من لذات الدنيا الأخرى. ولهذا يا إخوان، كم يشعر طالب العلم براحة حين أن يجلس ويراجع القرآن، حين أن يراجع الأحاديث، حين أن يسمع المتون، حين أن يجلس في درس، واستعد وتهيأ لهذا الدرس بكتابه ودفتره وقلمه، وحضر لي الدرس واستعد له. كم يا إخوان هي اللذة التي لربما يؤثرها على لذة المطعم والمشرب، أو لذة النزهة وماذا؟ المرح واللعب، بل ولربما على لذة النوم. سهري، كما قال الزمخشري: قال سهري لتنقيح العلوم ألذ لي. إذن هي يا إخوان لذة عظيمة ينبغي على طالب العلم أن يحرص عليها، وأن يجعلها سببا لنهمته العظيمة في جمع العلم وتحصيل العلم. كم أخذنا الليلة؟ كم أخذنا الليلة من غير أن ينظر أحد؟ يا أنس، كم أخذنا؟ ثلاثة أحاديث، عفوا ثلاثة أبيات: يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص به كفا شدتا فلو قد ذقت من حلواه طعما لآثرت التعلم واجتهدت ولم يشغلك عنه هوا مطاع ولا دنيا بزخرفها فتنت نكتفي بهذا ونواصل في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.