الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 9، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع أبياتاً للإلبيري تحذر العالم من الاغترار بكثرة العلم وتذكر أن الله سيسأله عن العمل به والنية. ويستدل بأحاديث نبوية تؤكد أن العبد يُسأل يوم القيامة عن علمه وماذا عمل به، وأن القرآن حجة له أو عليه.
يحذر المقطع من طلب العلم لغير وجه الله مستدلاً بحديث الثلاثة الذين يسعر بهم النار، ويبين أن حقيقة العلم هي تقوى الله وخشيته في السر والعلانية. ويؤكد أن جهاد النية وتصحيحها من أعظم أنواع الجهاد، مستشهداً بسفيان الثوري وآيات تجعل الخشية علامة العالم الحقيقي.
يحذر المقطع من طلب العلم لأغراض دنيوية كالمباهاة، مستشهداً بحديث ابن عمر وكلام ابن مسعود وقصة عالم رفض الحضور الجماهيري خوف الفتنة. ويؤكد أن العبرة بالبركة والنفع لا بالكثرة، وأن الملائكة والجن يحضرون مجالس العلم الصادقة، مستدلاً بأبيات للإلبيري تجعل تقوى الله رأس العلم الحقيقي.
يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم. وتكون هذه الخاتمة دعاءً ختامياً للمجلس العلمي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا. أما بعد: نعم، من يقر يا إخوان معنا ثلاث أبيات للإلبيري رحمه الله تعالى، أولها: «ولا ألهاك عنه أنيق روضٍ ولا خدرٌ بربه كلفتا، فقوت الروح أرواح المعاني، وليس بأن طعمتا وأن شربتا، فواضبه وخذ بالجد فيه، فإن أعطاكه الله انتفعتا». قال رحمه الله تعالى: «وإن أعطيت فيه طول باعٍ»، وفي بعضها: «طويل باعٍ، وقال الناس إنك قد علمتا، فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخٍ علمتا، فهل عملتا؟ فرأس العلم تقوى الله حقا، وليس بأن يقال لقد رأستا أو رؤستا». نعم، «ورأستا»، وليس بأن يقال: «لقد رأستا». هذه الأبيات أيها الأحبة في الله فيها آداب لأهل العلم، سواء كانوا من المعلمين أو كانوا من المتعلمين. وذكر رحمه الله تعالى: قال: «وإن أعطيت فيه طول باعٍ». طول باعٍ يعني: يُقال للشخص: هو طويل الباع، أي كريم، ويقال أيضا: قادر. والباع الأصل أنه ماذا؟ يعني: ما بين طرفي يدي الإنسان إذا بسطهما، هذا يُقال له: باع. وكيف الذراع؟ هذا ذراع. والشبر يا محمد؟ نعم، هذا الشبر. أحسنتم. طيب، وأراد رحمه الله تعالى هنا أن يبين أنه وإن حصل، وإن حصلت فيه أي في العلم تحصيلا واسعا، ونلت من العلم نصيبا كبيرا، وأصبح الناس يذكرونك بالعلم والسبق في العلم، فإياك ثم إياك أن تغتر بما نلت. إياك أن تغتر بما نلت، فإن الله عز وجل سائلك عن هذا العلم: هل عملت به؟ وهكذا، هل استعملته فيما يرضي الله وفيما ينفع الخلق؟ وهكذا يسألك الله عز وجل عن نيتك في طلب العلم، عن نيتك في طلب العلم. ولهذا قال في البيت الثاني: «فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخٍ». والتوبيخ هو: اللوم والتأنيب والتعيير والتهديد، كل ذلك يدخل تحت التوبيخ. فيقال: سؤال توبيخ، ما هو هذا السؤال؟ علمت، فهل عملت؟ فهل عملت؟ ولهذا يا إخوان، النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع». إذن سؤال يحتاج منا جميعا أن نعد له جوابا، ولا بد أن يكون الجواب صوابا، إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا. ذكر منها عليه الصلاة والسلام: «عن علمه ماذا عمل به». والحديث عند الترمذي وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. في حديث أبي مالك الأشعري في صحيح مسلم رحمه الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصبر ضياء، والصدقة برهان، والقرآن حجة لك أو عليك». انظروا يا إخوان: «والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». نسأل الله العافية والسلام. يا إخوان، «والقرآن حجة لك أو عليك». وهكذا أيضا مر معنا في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، في قصة الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. أخبر عليه الصلاة والسلام أن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد، فأتي به، فعرفه الله نعمته، إلى آخره. قال: «ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه الله عز وجل نعمه، فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكن تعلمت العلم ليقال: عالم». للأسف يا إخوان، كم من يطلب العلم إلا من رحم الله عز وجل! لربما النوايا تتفلت وتتغير، ولربما اختلطت، ولربما اختلطت. قال: «كذبت، ولكن تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل» أي في الدنيا. «قال: ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، حتى ألقي في النار». وهذه الأحاديث وأمثالها يا إخوان مما ترتجف منه فرائص طلاب العلم، بل والعلماء، بل والعلماء. فمن منا يأمن؟ من منا يأمن مكر الله عز وجل؟ لكن هذا يعتبر من أبلغ وأعظم الجهاد، هو جهاد النية. سفيان الثوري يذكر أنه يدخل في الصلاة بنية طيبة، فما هي إلا لحظات وتتغير عليه النية، يأتي الشيطان ويصرفه، فيجاهد نفسه على تصحيح النية، على تصحيح النية. قال رحمه الله تعالى: قال: «فرأس العلم تقوى الله حقا، وليس بأن يقال لقد رأست». وهنا يبين يا إخوان أن أساس العلم حقيقة هو تقوى الله عز وجل، هو تقوى الله عز وجل. {واتقوا الله ويعلمكم الله}، {واتقوا الله ويعلمكم الله}. وأساس العلم هي خشية الله عز وجل في السر والعلانية، ومراقبة، ومراقبة الله عز وجل. قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فالعلم يا إخوان خوف وخشية ومراقبة لله عز وجل. ورحم الله الإمام الجليل أبا عبد الله سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى، إذ يقول: «إنما فضل العالم على غيره لأنه يتقي ربه، لأنه يتقي ربه». بل ربنا عز وجل يقول: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. تأمل في هذه الأوصاف تجد الخوف والخشية والمراقبة، وماذا؟ الرغبة فيما عند الله عز وجل. ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾. ماذا بعدها؟ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فالعلم يا إخوان أمره عظيم جدا، وليس العلم يا إخوان بأن يتطلع الشخص إلى أن يذكر في المجالس، ويرفع على المنابر، ويشار إليه بالبنان، يُشار إليه بالبنان: أنه العالم المشهور، والطالب المبرز، والحافظ، والبليغ، إلى غير ذلك. ففي حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود وابن ماجه وغيرهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من أعراض الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة». ومعنى «عرف الجنة» أي: ريحها. وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه وغيره بإسناد حسنه جماعة من أهل العلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم ليجاري به السفهاء، أو يباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار، فهو في النار». وماذا؟ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ذات يوم رأى، رأى ناسا يمشون خلفه، رأى ناسا يمشون خلفه، يمشي والناس حوله يمشون، فزجرهم عن ذلك، وقال: «هذه مذلة للتابع، وفتنة للمتبوع، فتنة للمتبوع». يمشي والناس حوله، ماذا سيطرأ على قلبه وفي نفسه إلا التعاظم والترفع وغير ذلك؟ وهذا مما ينبغي على أهل العلم أن يبتعدوا عنه. ذكروا عن بعض العلماء في أرض الحرمين، وأظنه العلامة الغديان رحمه الله تعالى، حين أن كان بيئة الطائف، وتعرف أهل الرياض في أيام الشتاء يأتوا إلى الطائف، فأعلنت له محاضرة في جدة، في مدينة جدة، فأتى إلى المسجد، أتى إلى المسجد، وجد سيارات حول المسجد. إيش هذا؟ دخل المسجد، وجد ناسا كثيرا في المسجد، فسأل من معه: قال: «إيش مع هؤلاء؟ إيش معهم؟ سيارات، برعوا ناس في المسجد». قال: «يا شيخ، هؤلاء كلهم أتوا لحضور محاضرتك، لحضور محاضرتك». قال: «نعوذ بالله من الفتنة، نعوذ بالله من الفتنة»، إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى. نحن اليوم طلاب العلم، لربما إذا فتح الواحد درسا ولم يحضر إلا اثنان ثلاثة، واحد قد يقع في نفسه يقول: إيش، إيش في، أنا إيش ما يحضر عشرين ثلاثين أربعين؟ لماذا لا يمتلئ المسجد؟ إيش في، ناقص أنا؟ فهذا ابتلاء من الله عز وجل. ليست العبرة يا إخوان بالكثرة، وإنما العبرة بيئة البركة، بيئة النفع والفائدة. قد يحضر المئة ولا ينتفع إلا الواحد والاثنان، وقد يحضر ثلاثة وكلهم ماذا؟ ينتفع بذلك. كان بعض كبار العلماء في أرض الحرمين يفتح درسا، فيبدأ أحيانا وليس في المسجد إلا ماذا؟ مؤذن وقليل من الناس جدا. فرحمه بعض الحضور وأشفق عليه، قالوا: «يا شيخ، أنت تبذل هذا الوقت وليس هناك حضور كثير». قال: «لكن انظر إلى من حضر هذا المجلس من ملائكة الله، كم من الملائكة من يحضرون ويبحثون عن مثل هذه المجالس؟ لا تنظر إلى الناس، الجن قد يسخرهم الله لك، جن يأتون ويجلسون ويحفظون معك الحديث، ولولا الحياء ولولا الحياء والإحراج لسمع بعضهم يتقدمون يحفظون الحديث، لكن بجانبك من الجن من قد حفظوا الحديث ويريد أحدهم أن يسمع، كم من الملائكة من حضروا هذه المجالس؟ فبماذا؟». فهذا من الأمور التي ينبغي يا إخوان أن نستشعرها، وماذا؟ أن نستشعرها. فأخذنا هذه الليلة ثلاثة أبيات للإلبيري رحمه الله تعالى: «وإن أعطيت فيه طول باعٍ، وقال الناس إنك قد علمت، فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخٍ، علمت فهل عملت؟ فرأس العلم تقوى الله حقا، وليس بأن يقال لقد رأست». طيب، نكتفي بهذا، ونسأل المولى عز وجل أن يرزقنا علما نافعا وعملا صالحا يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.