الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل المتحدث الدرس بحمد الله تعالى والثناء عليه بصفته رب العالمين، متبعين سنة الخطب والدروس. يؤكد هذا الافتتاح على أهمية البدء بالبسملة والحمد في كل مجلس علمي.
يشرح المقطع حديث بدء الوحي حيث جاء جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء وأمره بالقراءة ثلاث مرات مع ضمات شديدة، فنزلت أوائل سورة العلق. يدل بدء الوحي بالقراءة على مكانة العلم والتعلم في الإسلام، وأن النبي الأمي اختير ليبدأ دينه بالعلم.
يؤكد المقطع أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، مستدلاً بآيات قرآنية صريحة، وأن هذه الأمية معجزة تدل على صدق نبوته. يرد على من يفسر الأمية بأنها نسبة للأمة أو يزعم أنه تعلم القراءة والكتابة لاحقاً، مبيناً أن هذا قول مبتدع لم يقل به السلف.
يناقش المقطع قول الإمام الباجي إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب مستدلاً بصلح الحديبية، ويرد عليه علماء الأندلس مؤكدين أن النبي أمي لا يكتب ولا يقرأ، وأن المراد بـ «كتب» في الحديث أنه أمر علياً بالكتابة. يستدلون بقوله «ما أنا بقارئ» وحديث «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب»، محذرين من استغلال الروافض لهذه الشبهة لتأييد مزاعم اليهود.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فَلازلنا في شرح حديث بدء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخذنا في الدرس الذي مضى الملك، أو صفة الملك، أو ما يتعلق بالملك الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام في غار حراء، وهو جبريل عليه السلام. فقالت عائشة رضي الله عنها: «ففجأه الحق، فجاءه الحق، أو جاءه الحق فجاءه الملك». قال: فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فأخذني فضمني ضمة شديدة حتى بلغ مني الجهد». ويقال: الجهد، ويقال: الجهد، كلاهما صحيح. فقال: «حتى بلغ مني الجهد»، على أنه ضمّة شديدة. ثم قال له: «اقرأ». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بقارئ». قال: «فضمني ضمة ثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ». فقلت: «ما أنا بقارئ»، أي: أنا لا أقرأ، وهذا هو الصحيح في معنى هذه العبارة. قال: «ثم ضمني أيضًا ضمة ثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾». فهذا الموقف العظيم الذي حصل لنبينا الكريم عليه الصلاة والسلام موقف عظيم جدًا؛ جاءه الملك فضمه ضمة شديدة، وقيل: إن هذا لحكمة منه؛ ليرى النبي صلى الله عليه وسلم شدة هذا الأمر الذي سيلقيه عليه، وقيل غير ذلك. وجاء جبريل ففجأه، أي: باغته، لكن كما ذكرنا قبل: أن الله عز وجل قد هيّأ لنبيه عليه الصلاة والسلام مثل هذا الأمر بأمور سبقت من الرؤيا، وكذلك التعبد والتحنّث. وأيضًا كانت هذه الرؤيا كما جاء في سيرة ابن إسحاق: أنه كان يرى هذا الملك، كان يراه على صورة بشر، كان يراه في المنام، فلذلك لما رآه عرفه، كأنه قد رآه من قبل. فلذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه هذا الملك لم يكن مثلًا لم يستطع الكلام، بل تكلم، كان يقول: «ما أنا بقار»، يقول: «ما أنا بقار»، أي: أنا لا أقرأ. فقال له: «اقرأ». وهذا استدل به العلماء على أن بدء وحي النبي عليه الصلاة والسلام بدأ بالعلم، بدأ بالقراءة؛ لأن القراءة هي مفتاح العلم، القراءة هي مفتاح العلم، كما أن السؤال أيضًا من مفاتيح العلم. فلذلك بدأ بالقراءة، ولأن الإنسان إنما يتعلم إما بالتلقي وإما بالقراءة، فالقراءة أسلوب من أساليب العلم وتلقي العلم. بل الذي يتعلم ثم يقرأ تجد أنه يتعلم أكثر من غيره، ويطلع أكثر من غيره بالقراءة. فلذلك كانت القراءة ذات أهمية عظيمة في العلم. فقال له: «اقرأ»، والله عز وجل يعلم أن نبيه عليه الصلاة والسلام لا يقرأ، كان أميًا. لكن الله عز وجل كما قال الحافظ ابن حجر وغيره: أنه أراد أن يظهر أثر هذا الدين، وأنه يبدأ بالعلم. ولهذا ذكر أكثر المفسرين من السلف والخلف أن هذه الآيات هي أول ما نزل من القرآن، أول ما نزل من القرآن هذه الآيات: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. وذكر بعض السلف أن أول آيات: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، لكن الصحيح أن هذه الآيات أول ما نزل؛ لأنها أول ما نطق بها جبريل لنبينا عليه الصلاة والسلام، وهو أول ما جاءه، لم يأتِه قبل ذلك إلا في ذلك الوقت. فقال له: «اقرأ». قال: «ما أنا بقارئ». وقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أنا بقارئ»، الصحيح: أي: أنا لا أقرأ، أنا نفي أنه لا يقرأ، ومعنى ذلك أنه أمي. لأن النبي عليه الصلاة والسلام نشأ على الأمية، ما كان يكتب ولا يقرأ. وهذا هو الذي ذكره الله عز وجل عن نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾، فسماه الله عز وجل أميًا: «النبي الأمي». وأيضًا كذلك في آيات كثيرة ذكر الله عز وجل أنه ما كان يكتب، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾، وقال أيضًا سبحانه وتعالى في نفي الكتاب عن النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾، يعني: لو كنت تكتب وتقرأ لارتاب المبطلون. وقال: «هذا القرآن جاء به محمد صلى الله عليه وسلم»، لكن ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾، ما كنت تقرأ شيئًا من كتب، ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. فلذلك، عباد الله، هذا كله يدل على أن نبينا عليه الصلاة والسلام ما كان يكتب ولا كان يقرأ المكتوب، ما كان يكتب ولا يقرأ المكتوب، فهو أمي عليه الصلاة والسلام. وهذا ليس فيه شيء، وليس فيه تنقص له، صلوات الله وسلامه عليه، بل هذه معجزة وآية من آيات الله عز وجل أن يأتي هذا الكتاب العظيم، وهذا الدين العظيم الذي فيه هذه الآيات الكثيرة، وأيضًا الحكمة العظيمة والأحاديث المتكاثرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام وهو أمي. فهذا وهو أمي، فهذا يعتبر أنه آية من آيات الله عز وجل؛ لأنه لو كان يكتب ويقرأ لم تكن تلك الآية، كما ذكر الله عز وجل، بل لحصل الارتياب من هؤلاء الكفار. ولهذا لم يستطيعوا أن يقولوا: إن هذا كتبه محمد. أحيانًا يقولون: «أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلًا»، هناك من يملي عليه هذه الآيات ويكتبونها له، ليست من الله. وأحيانًا يقولون: «إنما يعلمه بشر». وأحيانًا يقولون: معناه أن صاحب اليمامة هو الذي يعلمه، يريدون مسيلمة الكذاب. وإذا قيل لهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَانِ﴾، قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَانُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، يريدون أن الرحمن هو صاحب اليمامة، وغيرها مما قاله أولو الألباب. لكن لم يقولوا: إن هذا كتبه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما يقولون: إن هناك من يكتب له، وإن هناك من يجعل له مثل هذه الكتب. فلذلك؛ لأنهم يعرفونه أنه ما كان يكتب، ما كان يكتب ولا يقرأ المكتوب، فهو أمي عليه الصلاة والسلام. لكن ظهرت في هذه الأزمان من ينكر أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمي، حتى فسروا الأمي كما... هناك رسالة دائمًا تأتي في طوايا وسائل التواصل الاجتماعي، يقول فيها: إن الأمي ليس من الذي لا يقرأ ولا يكتب، وإنما الأمي من الأمم، من الأمة، فأمّي أي: صاحب أمة، هكذا قالوا. وهذا تفسير غريب لم يكن يعرفه الناس من قبل، ولم يعرفه السلف رحمهم الله. فلذلك فالأمي هذا... وأيضًا بعض الناس يقولون - وهو قول بعض المالكية أيضًا -: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان أميًّا في البداية، ثم صار متعلّمًا معلّمًا، وزالت عنه صفة الأمية. هذا قاله بعض المالكية كما قلنا. وهذه حصلت هناك قصة لا بأس أن نذكرها في زمن من الأزمان، في منطقة الأندلس بالذات. كان عالم، أو كان عالم من علماء المغرب والأندلس يسمى الباجي، أبو الوليد الباجي. وهذا رجل من علماء المغرب، وقد درس في المشرق سبعة عشر سنة، ثم ذهب إلى المغرب. حصلت قضية أنه ذكر في كتابة، في كتابة النبي عليه الصلاة والسلام وقراءته، فذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكتب وكان يقرأ. وذكر رواية في الحديبية: لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل بن عمرو: «لو كنا نعلم أنك رسول الله لما قاتلناك، لو كنا نعلم أنك رسول الله لما قاتلناك، لكن اكتب: محمد بن عبد الله». فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي: «امحُ يا علي، واكتب: محمد بن عبد الله». فقال علي: «والله لا أمحوها». قال علي: «والله لا أمحوها». في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعلي: «أين هي؟»، يعني: أين «رسول الله»؟ وهذا يدل على أنه ما كان يكتب ولا يقرأ. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي: «أين هي؟» فأراه إياها، فمحاها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه عليه الصلاة والسلام. جاءت رواية: أنه كتب بعدما محاها، كتب: «محمد بن عبد الله»، كتب بنفسه. معنى: كتب «محمد بن عبد الله». لكن حملها العلماء: قوله «كتب» أي: أمر عليًّا أن يكتب. لكن هذا الرجل، وهو الإمام أبو الوليد الباجي، قال: هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب. فقام كثير من علماء الأندلس وأنكروا عليه هذا الأمر، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يكتب أبدًا. وإنما صحت هذه العبارة: أنه كتب، المراد به أنه أمر عليًّا أن يكتب. وقال بعض أهل العلم: إن صحت هذه العبارة أنه كتب «محمد بن عبد الله»، هذا يدل على أنه أعطاه الله عز وجل هذا الأمر حتى كتب، أو أنه كان يعلم صورة اسمه، كان يعلم صورة اسمه فكتبه على هذه الصورة. وهذا يحصل، يحصل من الأمي أنه يعرف مثلًا صورة كتابة فيكتبها على ما يعرفها. فلذلك، كما قلنا: لا دلالة في شيء من الآيات، ولا حديث، على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يوصف بهذا الوصف. فهذا وصفه الله عز وجل به، وهو كما قلنا معجزة. الروافض الآن ينشرون مثل هذه الأشياء، يقولون: النبي ليس أميًّا، بل كان يكتب، بل كان يقرأ، بل كان كذا. وهذا قد يكون دسيسة من عندهم حتى يؤيدوا اليهود على ما يقولون. وأن هذا الكتاب جاء به محمد. اليهود من المتأخرين كانوا يقولون: إن هذا الكتاب جاء به محمد وهو الذي كتبه. لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يكتب، فكيف يكتب مثل هذا الكتاب العظيم؟ فلذلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما قال: «ما أنا بقارئ»، أي: أنا لا أقرأ ما هو مكتوب، لا أقرأ المكتوب، وأيضًا لا يكتب. وهذا هو صفة الأمي. فلذلك فصفة الأمية ثابتة في حق النبي عليه الصلاة والسلام. قال: إن أمة... كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر: «إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب»، أو قال: «لا نقرأ ولا نحسب». «إنا أمة أمية، لا نحسب، لا نقرأ ولا نحسب». فلذلك، عباد الله، يدلنا كما قلنا على أن هذا الوصف للنبي عليه الصلاة والسلام. فقوله: «ما أنا بقارئ»، أي: لست ممن يقرأ ما كُتب. فهذا إن شاء الله ما يذكر في هذا المقام، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. والحمد لله رب العالمين.