حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 8

حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 8

الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بدء الوحي ونزول جبريل في صورة دحية الكلبي

ابتدأ الوحي في غار حراء حيث جاء جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة بشرية على هيئة دحية الكلبي، ولم يره النبي على صورته الحقيقية إلا مرتين فقط عند سدرة المنتهى وفي السماء كما دلت عليه النصوص.

رؤية النبي لجبريل على صورته الحقيقية وزيادة أجنحته

رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته الحقيقية مرتين كانت له ستمائة جناح سد الأفق، وازداد فضله بذلك على سائر الملائكة، وأصابه من هول الرؤية ما أصابه مما يدل على عظم خلقه.

استحالة رؤية الله في الدنيا وأحوال ظهور الملائكة

الأصل أن الملائكة لا تُرى في صورتها الحقيقية إلا عند الموت والقيامة، ولا يرى الله أحد في الدنيا يقظة، ومن ادعى رؤية الله أو جبريل أو النبي يقظة فهو من تلبيس الشيطان، وإنما تكون الرؤيا الصادقة في المنام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في درس مضى ما جاء في حديث بدء الوحي، كما قد عرفتم أننا في دروس في فوائد ومسائل وأحكام في هذا الحديث العظيم. فذكرت -أو ذكرت- عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام يأتي إلى غار حراء يتحنث، وهو التعبد الليالي ذوات العدد، ثم يرجع فينزع إلى أهله، ويرجع إلى خديجة فتزوده مثلها، فيتزود من الطعام والشراب. في الدرس الذي مضى ذكرنا فضل خديجة رضي الله تعالى عنها وما أعد الله عز وجل لها في الجنة، وكيف كانت تؤازر النبي عليه الصلاة والسلام، وسيأتي إن شاء الله تعالى أيضًا في هذا الحديث. وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حُزن عليها لما ماتت، ومات بعدها بأيام. قلنا: حمزة، من باب الخطأ وسبق اللسان، وإنما هو أبو طالب، عمه أبو طالب، الذي مات بعد خديجة رضي الله تعالى عنها. وأما حمزة فمات في أحد، قتل شهيدًا رضي الله تعالى عنه. ثم إن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «فجاءه الحق وهو في الغار». وجاء في رواية: «فجاءه الحق» أو «فجاءه الملك وهو في الغار». فجاءه أي: فاجأه، وجاءه وهو في الغار يتعبد. وهذا الملك لا شك أنه جبريل كما صرح بذلك النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هل جاء في صورته الحقيقية أم أنه جاء في صورة بشر؟ ظاهر الحديث أنه جاء في صورة بشر، أي: صورة رجل. وقد كان أكثر ما يأتي جبريل عليه الصلاة والسلام للنبي عليه الصلاة والسلام بصورة صحابي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو دحية الكلبي. كان جبريل يأتي على صورته، حتى أن بعض الصحابة الذين رأوه يقولون: كان دحية الكلبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان دحية رجلًا جميلًا، جميل الوجه، ولهذا كان جبريل يأتي على صورته. فالظاهر أنه جاء على صورة بشر، وهذا أكثر ما كان جبريل يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يأت على صورته الحقيقية، أو لم يره النبي صلى الله عليه وسلم على صورته الحقيقية إلا مرتين: مرة في الدنيا أو مرة في العرض، ومرة في السماء. ولهذا جاء في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: 13-15]، فهذا الذي رآه هو جبريل عليه السلام، وليس أنه رأى الله. ولهذا لما قال عروة لعائشة رضي الله عنها: «هل رأى الله نبينا عليه الصلاة والسلام؟» قالت: «يا ابن أختي، لقد قفّ شعري مما قلت، أن هذا الكلام لا يقوله أحد، لا أحد يرى الله». قالت: «لقد قفّ شعري لما قلت، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾». قالت: «ذاك جبريل، رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل مرتين». هكذا تقول عائشة كما في صحيح مسلم: «رأى النبي عليه الصلاة والسلام جبريل على صورته مرتين». فمرة، وكذلك جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، عن زر بن حبيش، أنه سئل عن هذه الآية، قال: «هذا جبريل، رأاه النبي عليه الصلاة والسلام عند سدرة المنتهى». حدثني بذلك ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أي: زر بن حبيش يقول: حدثني بذلك ابن مسعود. فالذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى هو جبريل عليه السلام. ولما جاء في الوحي أو في الغار، فلم يرَ جبريل على صورته الحقيقية. لكن قالت عائشة رضي الله عنها أنه رآه مرتين: عند سدرة المنتهى، ورآه في مكة بين السماء والأرض. جاء في بعض الروايات أنه في أجياد، رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل، والنبي عليه الصلاة والسلام طلب من جبريل أن يريه صورته الحقيقية، فرآه، فجع النبي صلى الله عليه وسلم من هول هذه الصورة، ورأى ملكًا له ستمائة جناح، قد سد الأفق. معنى الأفق: هذا الذي ينظر إليه. معنى سده: ما في مجال ينظر الإنسان إليه، لعظمة جبريل عليه السلام. ورآه النبي عليه الصلاة والسلام مرة في الأرض في مكة، ورآه مرة أخرى عند سدرة المنتهى كما أخبر الله عز وجل. والملائكة، الصحيح أنه من كلام أهل العلم وما دلت عليه الأدلة، أن الأصل أن الملائكة لا يراهم أحد، لا يراهم أحد أبدًا، إلا ما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه رأى جبريل. وأما ما يقوله بعض أهل التصوف أو غيرهم أنهم يرون جبريل، بل بعضهم يتجرأ ويقول أنه يرى الله، قضي لا ملامة، ومنهم من يقول يرى النبي عليه الصلاة والسلام، قضي، وكل هذا كذب وخيالات تلعب بهم الشياطين. لا أحد يرى الله عز وجل في هذه الدنيا. فهذا نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، وقد بلغ ما بلغ من أعظم رتبة عند ربه جل وعلا، وأصعده الله عز وجل حتى سمع صريف الأقلام، فقيل له عليه الصلاة والسلام: «ورأيت ربك يا رسول الله؟» قال: «نور، أنى أرى». وجاء في رواية: «رأيت نورًا». أنا ما يستطيع ولا يتحمل جسم الإنسان رؤية الله جل وعلا. النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى جبريل أصابه الإغماء، أو كاد يغشى عليه عليه الصلاة والسلام، لما رأى جبريل، فكيف سيرى الله عز وجل؟ فلهذا لا أحد يرى الله سبحانه وتعالى إلا في المنام، رآه النبي عليه الصلاة والسلام، رآه بعض الصالحين. أما يقظة فهذا كذب. بل كان بعض من كان هنا ممن يعد أنه من أولياء الله وأنه كذا، كان يقول: «أنا أجتمع مع النبي عليه الصلاة والسلام في كل ليلة»، يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة. ما قالها أبو بكر الصديق وهو أفضل هذه الأمة، لم يقل أنه يجتمع بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولا قالها عمر، ولا قالها أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلي وسلم. وتجرأ هؤلاء يقولون مثل هذا الكلام، وهذا كله من تهويل الشيطان ولعبه على هؤلاء. وإلا لا بشر الله، ولا الملائكة، ولا أيضًا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام ممكن يرونه. ثبت أنهم رأوا جبريل لكن بصورة بشر، لما جاء وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أركان الدين، سأله عن الإسلام وعن الإيمان، رأوا رجلًا. قال عمر رضي الله عنه: «شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد». ورآه أيضًا ابن عباس، رأى رجلًا عند النبي عليه الصلاة والسلام، ورأى بعض الصحابة جبريل على صورة دحية، وهكذا. لكن يرونه في غير صورة، أما في الصورة الحقيقية فإن الملائكة لا يرون، لأنهم خلقوا من نور، وأيضًا غيضهم الله عز وجل على الإنسان، ولهذا ما يراهم الإنسان إلا إذا كان في وقت هلاكه ووقت موته. فكما جاء في الحديث: «أنه يتيه الملك إذا حضرت، إذا حضر رجل الموت جاءه الملائكة، فجلسوا منه مد البصر، فجلسوا منه مد البصر». ففي بعضها العلم يقول: أي أنه يراهم. وقد جاءت آثار كثيرة أنه أن الميت قبل أن يموت يرى الملائكة، يرى ملائكة الرحمة، والفاجر يرى ملائكة العذاب. وأيضًا ربنا جل وعلا قد قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 21-22]. فإذا رأوا الملائكة فهذا هو عذابهم، هلاكهم. فما يرون الملائكة إلا إذا تيقنوا هلاكهم. وأما يوم القيامة فالملائكة يدخلون على الجنة من كل باب كما ذكر الله عز وجل. أما في الدنيا فلم يثبت أن أحدًا رأى ملكًا إلا النبي عليه الصلاة والسلام، رأى جبريل في صورته مرتين، رأى جبريل في صورته مرتين. وبعض العلم يقول أيضًا ثلاثًا، لأنه جاء في بعض الحديث في الوحي، في حديث بدء الوحي، لكنه مراسيل لم تثبت. أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار تلقاه جبريل على كرسي، جالس بين السماء والأرض. صحيح هذا جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث جابر، لكن لم يذكر أنه على صورته، وإنما قال: «لما فرغت من غار حراء»، وجاء في رواية، رواية الزهري عن نبي سلم عن جابر، أنه قال: «ثم فتر الوحي»، بعدما ذكر لقي جبريل له في غار حراء، قال: «ثم فتر الوحي، ثم إني بَيْنَا أمشي، قال: فإذا صوت يناديني: يا محمد، قال: فالتفت عن يميني فلم أرى أحدًا، فالتفت عن يساري فلم أرى أحدًا، ولا عن أمامي، ولا عن خلفي، قال: ثم التفت في السماء، فرأيت الملك الذي جاءني في حراء، وهو جالس على كرسي بين السماء والأرض، قال: ففزعت حتى هويت إلى الأرض»، عليه الصلاة والسلام، قال: «حتى هويت على الأرض، قال: ثم جئت خديجة، فقلت: دثروني، دثروني، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 1-4]، إلى آخر ما ذكر ربنا جل وعلا. فلهذا خلاصة ما يذكر في هذا المقام: أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرَ جبريل بصورته في الغار، وإنما جاءه على صورة بشر، وإنما رآه عند سدرة المنتهى يقينًا، وكذلك رآه في مكة لما طلب منه أن يراه، فأراه جبريل صورته، وهو قد سد الأفق، وله ستمائة جناح. وهذا قد يكون خُلق لجبريل عليه السلام، أن الله عز وجل جعل له ستمائة جناح، وإلا أكثر الملائكة لهم من جناحين وثلاثة وأربع، كما ذكر الله عز وجل في سورة فاطر: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: 1]. أنا ذكر الله عز وجل أن بعضهم يزيدهم، وهذا جبريل هو أفضل الملائكة، جبريل أفضل الملائكة عند الله عز وجل، فلهذا زاده حتى صارت أجنحته ستمائة جناح، كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام، هو نكتفي به، والله تعالى أعلم.