حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 7

حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 7

الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دور خديجة في مؤازرة النبي عند بدء الوحي

يوضح المقطع كيف كانت خديجة رضي الله عنها الناصر الأول للرسول صلى الله عليه وسلم في خلواته بغار حراء وبعد نزول الوحي، حيث طمأنته وأيدته بعقل راجح. ويستدل بحديث الأربع النساء الكاملات لتأكيد فضلها ومكانتها العظيمة التي أهلها الله بها لتكون معينًا لنبيه.

مكانة خديجة وحب النبي لها ودفاعه عنها

يبرز المقطع مكانة خديجة رضي الله عنها عند النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أحبها حباً عظيماً ودافع عنها أمام غيرة عائشة مذكراً بفضلها في نصرته وإيمانها به أول الناس. كما يروي بشارة جبريل لها ببيت في الجنة وسلام الله عليها، وهو شرف لم ينله أحد سواها.

بشارة خديجة ببيت في الجنة وحزن النبي لفراقها

يذكر المقطع بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها ببيت في الجنة من لؤلؤة مجوفة لا صخب فيه ولا نصب، وردّها الحكيم على سلام الله وجبريل بقولها: «الله هو السلام». كما يبيّن حزن النبي الشديد لوفاتها حتى سُمِّي عام وفاتها بعام الحزن، ومكانتها العظيمة في قلبه عليه الصلاة والسلام.

فضل خديجة بنت خويلد ومواقفها مع النبي

يتحدث المقطع عن فضل أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، التي آمنت بالنبي ﷺ وآزرته وبذلت نفسها ومالها في نصرته. ويشير إلى أنها امرأة عاقلة اختارها الله لنبيه، مع وعد باستكمال الحديث عنها في درس قادم.

  • 17 جمادى الآخرة 1446هـ - 18/12/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، فَلَزِلْنَا في شرح حديث بدء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد أخذنا بالأمس قول عائشة رضي الله عنها: «قال: ثم ينزع إلى أهله، فيرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها»، أو قال: «ثم ينزع إلى أهله فيتزود، فيرجع إلى خديجة ويتزود لمثلها». والمراد كما قلنا: أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يذهب إلى غار حراء يتعبد الليالي ذات العدد، أخذ معه طعامه وشرابه، ثم بعد ذلك يرجع إلى خديجة زوجته ويتزود بالطعام والشراب، ثم يذهب مرة أخرى، يذهب ويرجع إلى غار حراء يتحنث ويتعبد فيه. وكانت خديجة رضي الله عنها نعم الناصر لرسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، فكانت تخدمه، وكذلك كانت تؤيده وتعينه أيضًا على الحق وعلى الخير قبل النبوة، وكذلك بعد نبوته عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي مؤازرتها للنبي عليه الصلاة والسلام لما جاء وهو يرتجف، فضمته، وأيضًا أيدته، وأن الله عز وجل لا يخزيه أبدًا، وهو على الخير والصلاح. ثم ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، كما سيأتي. وهذا كله يدل على فضل هذه المرأة الصالحة التي اختارها الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام. وهذا أيضًا من التهيئة التي هيأ الله عز وجل بها رسوله صلى الله عليه وعليه وسلم، أن جعل له امرأة عاقلة من عقل النساء. كان النبي عليه الصلاة والسلام في البداية لما جاءه الملك كما سيأتي، رجف قلبه وخاف؛ لأنه لم يعتد شيئًا مثل هذا، فجاءت هذه المرأة وطمأنته، وقامت معه وأيدته، وهذا يدل على عقلها الراجح. ولهذا ثبت في حديث أبي هريرة وعائشة وغيرهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وعليه وسلم». يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء الأربع نساء قد كملت عقولهن، وإلا فالأغلب في النساء أنهن ناقصات عقل، لكن كمل الله عز وجل لبعض النساء، ومنهن هؤلاء الأربع، ومنهن خديجة رضي الله تعالى عنها؛ فإنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب بتجارتها، وكانت امرأة عندها مال، كان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب بتجارتها إلى الشام، ثم بعد ذلك تزوجها، فتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام. والمشهور في السيرة أنها كانت أكبر منه، لكن تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام وأحبها، حتى رزق حبها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين من حديث عائشة أنها قالت: «كنت لا أغار على أحد مثل ما أغار على خديجة، مع أنها قد ماتت، لكنها كانت تغار من كثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها، وكانت إذا دخلت أختها هالة بنت خويلد كان يتهلل ويذكر خديجة، وإذا جاءت امرأة من أهلها أو من أصحابها أو من جيرانها تجد أن النبي عليه الصلاة والسلام يفرح لذلك». لما جاءته تلك العجوز أكرمها النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت له عائشة: «بهذا يا رسول الله الإقبال على امرأة عجوز كهذه؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «هذه المرأة كانت تأتينا أيام خديجة، وإن من الإيمان حسن العهد، أن حسن الجوار، حسن العهد، أن يتعاهد الإنسان من كان له فضل عليه، وله فضل على أهله». فلذلك عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «ما كنت أغار على أحد مثلما أغار على خديجة، حتى قلت للنبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم: ما لك وهذه المرأة الشمطاء قد عفى عليها الزمن، وأبدلك الله عز وجل خيرًا منها؟» قالت: فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، ورأيت الغضب في وجهه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إني رزقت حبها، إني رزقت حبها»، معنى ذلك: أن الله عز وجل جعل حبها في قلبي. فقال: «إني رزقت حبها». وجاء في رواية يصححها الشيخ الألباني أنه قال عليه الصلاة والسلام لعائشة: «آمنت بي إذ كفر بي الناس، وآوتني إذ تركني الناس، وواستني بمالها ونفسها، وواستني بمالها ونفسها»، رضي الله تعالى عنها. ولهذا لأنها كانت لها السبق في الإسلام، وهي أول من أسلم من النساء مع النبي عليه الصلاة والسلام، بل بعض أهل العلم يقول: إنها هي أول من أسلم مطلقًا؛ لأنها هي أول من جاءها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يخبر أحدًا بهذه الرسالة أو بما حصل له، وإنما أخبَرَ خديجة رضي الله تعالى عنها. وقد جاء في فضلها حديث عظيم أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «بينا أنا في حراء إذ جاءني جبريل، فقال: يا محمد، هذه خديجة قد أتت ومعها إناء فيه طعام وشراب، فإذا هي أتتك فأقرئها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب». فجاء جبريل عليه الصلاة والسلام، فقال: «هذه خديجة، وهي جاءت ومعها إناء فيه طعام وشراب، فأقرئها السلام من الله ومني». فأقرأها السلام من الله عز وجل، قال: «ومني، وبشرها بأن الله عز وجل جعل لها بيتًا في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب». فهذا الفضل العظيم لم يحصل لأحد أبدًا، لم يأتِ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأحد: إن الله عز وجل يسلم عليه إلا لخديجة. صحيح قال لأبي: «إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة»، هذا قاله: «إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك»، فقال أبي: «علي وسماني الله؟» قال: «نعم»، فبكى أبي رضي الله عنه لهذا الفضل العظيم، أن يحوز العبد عناية الله جل وعلا ورضى الله جل وعلا وهو في الدنيا. فهذه خديجة رضي الله عنها، بلغها جبريل، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم جبريل سلام الله لها، قال: «فأقرئها سلام الله عز وجل، ومني أيضًا السلام». فقالت رضي الله تعالى عنها: «الله هو السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك السلام، وعليك السلام». هكذا أجابت رضي الله تعالى عنها، ورده، وهو رد امرأة عاقلة وامرأة فاهمة؛ فهي لم تقل: السلام على الله، لأن الله عز وجل هو السلام، الله عز وجل هو السلام، فقالت: «إن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك السلام»، أي على النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: «وبشرها ببيت من قصب». والبيت من قصب: أي من لؤلؤة مجوفة، لؤلؤة، هذا اللؤلؤ المعروف الذي ينزل من البحر، هذه لؤلؤة مجوفة، بيت كامل من لؤلؤة مجوفة. قال: «لا صخب فيه ولا نصب». الصخب: أي اختلاط الأسواق، أي أنها بيت هادئ، وفيه أعظم راحة، فيه من النعيم المقيم، وفيه من الراحة التامة حتى راحة من الأسواق، من اختلاط الأسواق والإزعاج، ليس عندها إزعاج. وهذا يدل على أن كلما ابتعد الإنسان من اللغط ومن الصخب كان أفضل له، أريح. فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: في بيت خديجة، بشرها بأن الله عز وجل جعل لها بيتًا في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. والنصب: هو التعب، لأن الإنسان إذا أراد أن يبني بيتًا يتعب في بنائه، وكذلك أيضًا يتعب في تصليحه، يتعب أيضًا أحيانًا في ما يفسد منه وما يعطل، لكن هذا البيت ليس فيه أبدًا شيء من التعب، لا يفسد أبدًا، بل بيت فيه الكمال والتمام. وهذا كما قلنا كله من فضل هذه المرأة رضي الله تعالى عنها. ولما افتقدها النبي عليه الصلاة والسلام حزن عليها حزنًا كبيرًا، لم يحزن النبي صلى الله عليه وسلم على مثلها، وكذلك لما توفي عمه حمزة بن عبد المطلب، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن توفي عمه حمزة رضي الله تعالى عنه: «والله لا أحزن على أحد مثلك بعدها». وقد حزن على خديجة أيضًا حزنًا شديدًا، أي قبل أن يموت حمزة، لأن خديجة على كلام أكثر أهل السير أنها ماتت قبل حمزة، بأيام، قيل بثلاثة أيام، وقيل بأكثر. فحزن النبي عليه الصلاة والسلام، حتى سُمِّيَ ذلك العام بعام الحزن، سُمِّيَ ذلك العام بعام الحزن. فحزن النبي عليه الصلاة والسلام لفراق هذه المرأة العاقلة التي كان يحبها عليه الصلاة والسلام. فهذا فضل هذه المرأة التي أيدت النبي عليه الصلاة والسلام وآمنت به وآزرته، وفدت نفسها، أو فدت النبي عليه الصلاة والسلام بنفسها ومالها. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام في فضل هذه المرأة، أم المؤمنين خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية، بنت أسد من قريش. فهذه المرأة العاقلة التي اختارها الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، وإن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والإعانة، والحمد لله رب العالمين، وإياكم الله خيرًا.