تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 27

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 27

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 27، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

اختلاف بني إسرائيل في عيسى ومحاولات قتل الأنبياء

انقسم بنو إسرائيل تجاه عيسى عليه السلام بين مؤمن به وكافر، حيث كفر اليهود به ورموا مريم بالفاحشة وسعوا لقتله كما فعلوا مع أنبياء سابقين. كما تعرض المقطع لمحاولة اليهود اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وسلم في غزوة بني النضير وكيف عصمه الله منهم.

إيمان الحواريين ورفع عيسى ونجاته من الصلب

ألهم الله الحواريين الإيمان بنصر عيسى وطاعته فاستجابوا لدعوته، ورفع الله عيسى إليه وطهره من كيد اليهود الذين شبه لهم رجل آخر فصلبوه ظنا أنه عيسى. وبين المقطع أن عيسى سيعود في آخر الزمان حاكما بالعدل تابعا لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

نزول عيسى في آخر الزمان ونصرة الله لأوليائه

يفصل المقطع أحداث نزول عيسى بن مريم حكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، مبينا أن المراد بالذين اتبعوه هم المؤمنون الحقيقيون الذين نصرهم الله على الكافرين. وأكد أن المسلمين هم أتباع عيسى الحق الذين مُكن لهم في الأرض بسنة الله في نصرة المتمسكين بدينه.

المرجع إلى الله والحكم بين المختلفين وختام الدرس

يقرر المقطع أن المرجع النهائي للبشر جميعا هو الله تعالى الذي يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون يوم القيامة. واختتم الدرس بالإشارة إلى الاكتفاء بهذا القدر من التفسير على أن يستكمل في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. فلا زلنا في تفسير بعض الآيات من سورة آل عمران، قصة مريم وما حصل لها، وكذلك قصة ابنها عيسى بن مريم عليه السلام. قال: فحينئذ، بعد ما قال: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ﴾، قالوا: هذا ما يدعو إليه جميع الرسل، عبادة الله وحده لا شريك له وطاعته، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه وصل إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى، فمنهم من آمن به واتبعه، ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة، كاليهود. عادى اليهود عيسى بن مريم، بخلاف النصارى فهم أتباعه. وأما اليهود فحاولوا أن يقتلوه، وقد قتلوا السيد الحصور لابن خالته نبي الله يحيى، وذبحوه عليه السلام. وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم، قال الله عز وجل لبني إسرائيل: ﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾، أن يقتلوا أنبياء الله عز وجل، وهذا جرم عظيم فعله اليهود. لهذا يذكرهم الله عز وجل في أكثر من آية بهذا الجرم الذي فعلوه، وأن هذا الداء سرى في اليهود، فهم قتلة الأنبياء وأعداء الأنبياء. ولهذا عادوا النبي عليه الصلاة والسلام، لكنهم ما استطاعوا أن يقتلوه، وإلا قد حاولوا. لما حصلت غزوة بني النظير، كان لما نقضوا العهد حاولوا أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام. فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتيهم في قضية، في قضية بني... أو بني غطفان وغيرهم، فجاءهم إلى بعض بيوتهم، إلى بيت ياسر بن أخطب، عم صفية بنت حيي وأخو حيي، فأرادوا أن يقتلوه عليه الصلاة والسلام، فتآمروا عليه. فكان ياسر يمنعهم، وكان حيي بن أخطب هو الذي يؤزهم على ذلك، فقال: لا يصعد أحدكم إلى سطح البيت فيرمي عليه حجراً فيقتله ونستريح منه. فلما همّوا بذلك أخبره الله، جاءه جبريل وأخبره بذلك، وخرج النبي عليه الصلاة والسلام سريعاً. ثم أرسل إلى بعض حلفاء بني النظير من الخزرج، وأرسل إلى سعد بن عبادة، ثم جاءهم بجيشه، أو بصحابته رضي الله عنهم، ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾، قطع الأشجار التي كانوا يحتمون حولها. فكانوا يريدون أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام كذلك، لكن منعهم الله عز وجل وحمى نبيه عليه الصلاة والسلام. هم قتلة الأنبياء، لهذا انقسموا على قسمين لما جاء عيسى: فمنهم من آمن به واتبعه، ومنهم من كفر به وكذبه، بل لم... بل إنهم رموا أمه بالفاحشة، مثل ما فعلت أيضاً الروافض، أخزاهم الله، رموا أيضاً أم المؤمنين عائشة. قال: فلما حسّ عيسى منهم الكفر، قال: والاتفاق على رد دعوته، حسّ من هؤلاء الذين كفروا به، قال ناذراً لبني إسرائيل، على مؤذّرته، ﴿ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ﴾، قال الحواريون: ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾. فناصر عيسى وهم الحواريون، والحواري هو النصير، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لكل نبي حواري، وحواري الزبير». قال: وهذا من منة الله عليهم وعلى عيسى، حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله. صاروا أصحاب عيسى وهم أنصاره، وحموه من اليهود، والله عز وجل أيضاً حماه، حتى أنهم لما تكالبوا عليه ليقتلوه، رفعه الله، وقتلوا رجلاً يشبه نبي الله عيسى، ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾. فالنصارى بجهلهم جعلوا هذا الصليب هو عيسى، مع أن رهبانهم يعلمون أن عيسى قد رفعه الله، ولم يقتله اليهود. وفنّد الله عز وجل هذه الشبهة التي كانوا يعتقدها اليهود والنصارى معاً، فنّدها ربنا جل وعلا في القرآن، وبيّن أنهم لم يقتلوا نبي الله عيسى، وإنما رفعه الله إليه جل وعلا، وإنما شبه لهم، أي قتلوا رجلاً يشبه عيسى، وظنوا أنه عيسى. والأمر الذي يحزن، أو الذي يؤسف، أن أنصار عيسى، أو أن حواري عيسى، أيضاً صدقوا هذا، صدقوا هذا الأمر، فعظموا الصليب. قال: وهذا من منة الله عليهم وعلى عيسى، حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله. ﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ ﴾، وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله. قالوا: ﴿ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾، أي لك بالوحدانية، أي أننا شهدنا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، ولدينك بالحق والصدق. وأما من حسّ عيسى منهم الكفر، وهم جمهور بني إسرائيل، فإنهم مكروا بعيسى، لكن الله عز وجل جعل له وجاهاً، كما تقدم عند أصحابي، جعل له وجاهاً عند أصحابي، بل حتى عند أعدائه. لكن اليهود امتازوا بالمكر، فهم يظهرون لنبي الله عيسى الإجلال والاحترام، لكنهم سرعان ما يمكرون به. لهذا ذكر الله عز وجل مكرهم: ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾. فاتفقوا على قتله وصلبه، وشبه لهم شبه عيسى، فقبضوا على من شبه لهم به. وقال الله لعيسى: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾، فرفعه الله إليه وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه ظانين أنه عيسى، وباءوا بالإثم العظيم. إن مكر الله عز وجل بهم: أرادوا أن يمكروا بعيسى ويحيطوا به، فأحاطوا برجل يشبهه وقتلوه وصلبوه، ونجى الله عز وجل نبيه عيسى. قالوا: سينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً، يقتل الخنزير ويكسر الصليب، ويتبع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. أن ينزل رجلاً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لكنه قائد من القوات، وأيضاً جاء إكراماً لهذا النبي الكريم، جعل الله عز وجل له أنه يقود هذه الأمة التي هي أفضل الأمم، فيكون قائداً بخير الخيرة، الناس في آخر الأمة. أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قائداً في ذلك الوقت، أي أقصد في حياته، لخيرة الأمة، الصحابة رضي الله عنهم. وعيسى أيضاً يقود أخيار هذه الأمة من آخرها، ممن... من آخر هذه الأمة، وليس لهم الشرف العظيم كما هو للصحابة، لكن لهم الأجر العظيم، ويقودهم عيسى بن مريم، وكذلك المهدي الذي ذكر في الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ويكسر الصليب، وقد جاء هذا في الحديث: «الصالحين يخرج، ينزل عيسى بن مريم حكماً عدلاً، يقتل الخنزير ويكسر الصليب، ويضع الجزية» أي على اليهود والنصارى، «ويتبع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم»، ويعلم الكاذبون غرورهم وخداعهم، وأنهم مغرورون مخدوعون، أي بما اعتقدوا أن عيسى قد مات، وأنه قد صلب من اليهود. وقول: ﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾، أي المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به، ونصرهم الله على من انحرف عن دينه. وهذا مصداق، وهذا معنى، قد... معنى أن الله عز وجل قد وفى به، فجعل النصارى فوق اليهود سنين كثيرة، والنصارى يذلون اليهود ويشردونهم ويقتلونهم، حتى أعطوهم الحبل الذي مدهم الله عز وجل منهم، فباؤوا بغضب من الله. وقال الله عز وجل أيضاً: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ﴾. لما وجدوا الفرصة في الناس، وضعف الناس، وضعف أديانهم، سواء كان من المسلمين أو من النصارى، فدخلوا في دين النصارى، ودخلوا أيضاً في دين الإسلام، وأفسدوا أيما إفساد، وصارت الجولة لهم. وإلا أذلهم الله عز وجل سنين كثيرة، منذ زمن... أو من بعد موت عيسى إلى زمن قريب، صاروا الذين يتصرفون في النصارى. ﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾، لكن هم دخلوا باسم النصارى، وليس باسم اليهود. أنه جعلوا هذه الفرقة... البرستنت، هذه الفرقة أصلاً يهودية، لكن دخلوا بدين النصارى، وفرقوا بين النصارى، وصارت البرستنت هي الحاكمة فيهم. والآن معناه في العالم الآن، المتصرف في العالم هي هذه الفرقة، وهي تعد من فرق النصارى، لكن أكثر... أكثر أصحابه، معناه من كان فيها هم اليهود، لكن بدين النصارى، وهذه مكر من مكر اليهود. قال: المراد بمن اتبعوا الطائفة التي آمنت به، ونصرهم الله على من انحرف عن دينه. ثم لما جاءت أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا هم أتباعه حقاً، فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، فأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾، وهذا وعد من الله عز وجل، وربنا سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد. فإذا قام أهل الإيمان بما أمرهم الله عز وجل من الإيمان به والعمل الصالح، فلا شك أن الاستخلاف يكون لهم. قال: ولكن حكمة الله عادلة، فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه، ونبذ شرعه، وتجرأ على معصيته، أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء، والله عزيز حكيم. وقوله جل وعلا: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾، أي ثم بيّن ما يفعل بهم، فذكر بعد ذلك أن جعلهم فريقين. فإن شاء الله تعالى نكتفي في هذا، ونكمل في درس لاحق. شكراً.