تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 25

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 25

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بشارة الملائكة لمريم بميلاد عيسى وكرامته

تبشر الملائكة مريم بولدها عيسى عليه السلام بوصفه كلمة من الله وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين. وتؤكد مكانته العالية وكرامته على الخلق ومعجزة كلامه في المهد آيةً ورحمةً للناس.

معجزات تكلم الرضع في المهد وتأييد الأنبياء

يسرد النص مواقف تكلم فيها الرضع معجزين كصبي أصحاب الأخدود وابن ماشطة فرعون لتأييد الحق وبراءة أمهاتهم. ويبين أن تكليم عيسى في المهد وكهلاً آية على نبوته وبلوغه سن الأربعين.

براءة مريم بالوحي وقدرة الله على الخلق بلا سبب

يوضح المقطع كيف برّأ الله مريم من اتهام قومها بمعجزة كلام عيسى في المهد. ويستعرض حكمة ولادة عيسى بلا أب كمثال على قدرة الله المطلقة في الخلق بمجرد الأمر "كن فيكون" مشبهاً بخلق آدم.

عيسى كلمة الله المخلوقة لا إله معبود

يؤكد المتحدث أن عيسى عليه السلام وُجد بأمر الله "كن فيكون" فهو كلمة من كلمات الله المخلوقة وليس الله ذاته. ويوضح الفرق الجوهري بين كونه كلمة الله وبين كونه إلهاً معبوداً مختتماً بالتوكل على الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فلازلنا في تفسير الآيات من سورة مريم، لا من سورة آل عمران. وقفنا عند قول الله جل وعلا: ﴿ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ [آل عمران: 45]. فقال: «فأنت يا أيها الرسول لم تحضر تلك الحالة». فقال: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾. قال: أي له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين. أن جعل له وجاهة ومكانة عند الخلق يعظمونه ويجلونه، إلا اليهود أخزاهم الله، فكانوا يمكرون به حتى أرادوا قتله عليه السلام، لكن نجاه الله عز وجل من مكرهم، ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ [النساء: 157]. قال رحمه الله: «الذين هم أقرب»، وهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلق إلى الله وأعلىهم درجة. وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، أن الله عز وجل جعله من المقربين، وهي أعلى الدرجات. أعلى درجات أهل الجنة هم المقربون، ثم أهل أصحاب اليمين. قال: «وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه يكلم الناس في المهد، فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق». وهذه آية جعلها الله عز وجل في أناس معينين أو محددين، عمن تكلموا في المهد. جاء في الحديث أنهم أربعة: منهم حديث جريج لما تكلم الصبي، وعيسى بن مريم، وكذلك ذاك الصبي الذي كان في حضن امرأته، فمروا عليه بامرأة يقولون إنها زنت وهي لم تزن، فقالت: «ها أم هذا الغلام، اللهم لا تجعل ابني مثلها». فقال: فترك ثديها وقال: «اللهم اجعلني مثلها». ثم مر رجل فارس على خيل ذو شارة، فقالت هذه المرأة: «اللهم اجعل ابني مثله». ففك ثديها وقال: «اللهم لا تجعلني مثله». ثم أخبرت أن تلك المرأة كانت ضعيفة، وكان يتهمونها وهي لم تفعل، كانت امرأة صالحة، وأما هذا صاحب الخيل فكان رجلًا جبارًا متكبرًا. وأيضًا مما جاء في النصوص ممن تكلم في المهد: أصحاب الأخدود، لما قتل الغلام وآمن الناس، حفر لهم ذلك الملك حفرًا، أخدودًا فيه نار، وقال: «من لم يرجع أسقطوه في هذه النار»، كما ذكر ربنا جل وعلا. فكانوا يتساقطون، حتى جاءت امرأة ومعها صبي في حضنها، فتلكأت لأجل الصبي، فقال لها الصبي: «يا أماه، إنك على الحق». فتكلم أيضًا هذا الصبي وهو في المهد. وأيضًا مما صح عند بعض أهل العلم، وصحح أيضًا: أن ماشطة فرعون، أو ماشطة ابنة فرعون، لما وضع فرعون أبناءها في ماء حار وغلى بهم الماء، ثم أراد أن يضعها، وكان معها هذا الصبي، فكأنها ترددت، فقال لها الصبي: «يا أماه، اصبري، فإنك على الحق». هذا من الآيات التي يؤيد الله عز وجل بها أولياءه، حتى يجعل الصبي يتكلم. وظاهر أن هذا الذي صح عن النبي عليه الصلاة والسلام فيمن تكلم في المهد. وأما شاهد يوسف فلم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان صغيرًا، وإن كان قد ذكره جماعة من أهل التفسير أنه كان صغيرًا في حضن أمه، لكنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «ومن تمام هذه البشارة أنه يكلم الناس في المهد، فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم كهلًا، أي في حال كهولته». وهذا تكليم النبوة، المراد تكليم هنا تكليم النبوة. يكلم الناس في المهد وكهلًا، فتكليمه للناس آية من آيات الله عز وجل، مجعله يتكلم وهو في المهد. وتكليمه كهلًا المراد به النبوة، لأن النبوة لا يجعلها الله عز وجل إلا إذا صار الإنسان كهلًا، أنه بلغ أربعين سنة، كما حصل للنبي عليه الصلاة والسلام، لأنه كما يقول العلماء: إنه لا تكتمل خلايا الإنسان إلا إذا بلغ أربعين سنة. قال: «في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد». فكلامه في المهد فيه آيات البراهين على صدقه ونبوته، وبراءة أمه مما يظن بها من الظنون السيئة. ﴿ قَالُوا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴾ [مريم: 28]. أنا حكم بالظهر، مع أن هذه المرأة هم يعلمون أنها منذ صغرها، منذ أن نشأت وهي تتعبد في بيت المقدس، معنى ليس من أهل السوق، وليس أيضًا معروفة بشيء من هذا. لكن لما حملت وجاءت بطفل، أساءوا بها الظن. وهذا قد لا أستطيع، أو لا تستطيع إقناعهم أنها لم تفعل شيئًا، لكن الله عز وجل جعل هذا الصبي الصغير يتكلم حتى يقتنعوا بذلك. قال: «وكلام في كهولته فيه نفعه العظيم للخلْق، وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحي وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو من الصالحين الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره، وجوارحهم بطاعته وخدمته. هذا هو الصلاح: صلاح القلب، وصلاح الجوارح، وصلاح أيضًا القول. أنا قد كمل الله عز وجل فيه الصلاح». قال: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ [آل عمران: 47]. قال: «وهذا من الأمور المستغربة، أنا تعجبت: كيف يكون لها ولد وهي لم يمسسها بشر؟». قال: ﴿ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 47]. أي ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير، وأنه لا ممانع لإرادته، فهو مسبب الأسباب جل وعلا، لكنه قد يجعل الشيء بدون سبب. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 59]. أي إن أردتم أن تستغربوا، أو إذا استغربتم من خلق عيسى بدون أب، فاستغربوا كذلك في خلق آدم، أنه لم يكن له أب ولا أم، فخلقه من تراب، كما خلق، أو خلق عيسى من تراب كما خلق آدم، فحالته كحالة آدم عليه السلام. ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 47]. أنا هذا تحت تصرف الله عز وجل وتحت قضائه جل وعلا، ولا يكون شيء إلا بقوله سبحانه وتعالى وبأمره. فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. فكان عيسى بكلمة الله، كان عيسى بكلمة الله، وليس هو كلمة الله، هو كلمة الله، أي أنه صار بكلمة الله، قال: كن فيكون. أي كان عيسى عليه السلام. طيب، إن شاء الله تعالى نكتبه هذا، والله تعالى أعلم.