تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 29

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 29

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير السعدي لقصة عيسى ومريم ومقارنة خلق عيسى بآدم

يستعرض المقطع تفسير العلامة السعدي لآيات سورة آل عمران حول قصة مريم وعيسى، مبيناً عظمة القرآن في إخباره بتفاصيل غيبية وتكذيب ادعاء اليهود بقتل عيسى. ويركز على مقارنة خلق عيسى بآدم لإبطال حجة النصارى في ألوهية عيسى لمجرد ولادته المعجزة.

الرد على دعوى ألوهية عيسى بأمثلة الخلق المعجزة وقصة نصارى نجران

يستعرض المقطع خلق آدم بلا أب ولا أم، وحواء بلا أم، وعيسى بلا أب كدليل على قدرة الله المطلقة وإبطال دعوى النصارى بألوهية عيسى. ويسرد قصة وفد نصارى نجران وعنادهم رغم البراهين، ودعوة النبي للمباهلة.

مباهلة النبي مع نصارى نجران وآيات براءة عيسى يوم القيامة

عرض المقطع قصة مباهلة النبي صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران الذين امتنعوا لعلمهم بصدقه، فصالحهم على الجزية والمهادنة. ثم استعرض الآيات التي يسأل الله فيها عيسى يوم القيامة عن قول النصارى إنه إله، فيبرأ عيسى نفسه.

قصتا زيد بن عمرو وسلمان الفارسي وحال النصرانية في عصرهما

يتناول المقطع قصتي زيد بن عمرو بن نفيل وسلمان الفارسي، مشيراً إلى أنهما كانا على النصرانية في زمن حُرِّف فيه الدين، ولم يبقَ على الحق إلا قلة. ويختتم بالتأكيد على استكمال الحديث في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله: عند قول الله جل وعلا: ﴿ ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾، قال: أي هذا القرآن العظيم الذي فيه نبأ الأولين والآخرين والأنبياء والمرسلين، هو آيات الله البينات، وهو الذي يذكر العباد كل ما يحتاجونه، وهو الحكيم المحكم، صادق الأخبار، حسن الكلام. فهذا يخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن هذا الذي يتلوه من هذه القصص العظيمة، قصة مريم وابنها عيسى، هذه من الآيات العظيمة التي تبين عظمة هذا القرآن، وتبين كذلك أنه منزل من عند الله؛ لأن هذه الأمور لا يعرفها حتى بني إسرائيل، اختلطت عليهم، وحتى النصارى الذين يعظمون عيسى فهم يظنون أن عيسى قد قتله اليهود، وليس كذلك، وإنما شبه لهم. وذكر بعض من في قصص بني إسرائيل على ما أخذوا من القرآن: أن عيسى لما أخذه اليهود، ودلهم عليه رجل يقال له: يهودا، فإن الله عز وجل رفع عيسى، وجعل هذا الرجل الذي دل عليه على صورته، فقاموا قتلوه وصلبوه، ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ﴾، فلهذا فهذا من عظمة الله عز وجل، وعظمة أيضا كتابه، أنه أخبر نبيه عليه الصلاة والسلام بدقائق هذه الأمور التي لا يعلمها حتى كثيرا من بني إسرائيل. فقال الله عز وجل: ﴿ ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴾، أن هذا الذي في القرآن، وهذا الذي في كتاب الله عز وجل الذي نتلوه عليك من القصص غيرها ومن الإخبار، فهو آية من آيات الله جل وعلا. قال: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُل تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ﴾. قال: لما ذكر قصة مريم وعيسى ونبأهما الحق، وأنه عبد أنعم الله عليه، وأن من زعم أن فيه شيء من الله فقد كذب على الله، وكذب جميع أنبيائه، وكذب عيسى عليه السلام، فإن الشبهة التي عرضت لمن اتخذه إلها شبهة باطلة، فلو كان لها وجه صحيح لكان آدم أحق منه؛ فإنه خلق من دون أم ولا أب. يعني: لماذا هؤلاء يقولون أن عيسى ابن الله؟ وآدم أحق بهذا، هم يقولون هذا لأنه ولد من غير أب، فقالوا: إنه ابن الله. وربنا جل وعلا ذكر لهم آدم، فهو خلق من غير أم ولا أب، فهو أحق أن يقال فيه مثل ما قالوا، لكن هذا دليل على أن الله عز وجل جعل من خلقه من ليس له أب وأم، من خلقه، خلق من دون أب وأم، وهو خلق من خلق الله. وكذلك أيضا من خلق الله من خلق من غير أم وهي حواء، وكذلك أيضا معنى خرجت حواء من ضلع آدم فهي أيضا من غير أب وأم، ويقال: من غير أم؛ على أنها خرجت من آدم. وكذلك أيضا عيسى بن مريم خلقه الله عز وجل من غير أب، فهذا يدل على قدرة الله عز وجل العظيمة في خلقه، وكذلك يدل على أنه كيف يدعى لله عز وجل ولد؟ ومن خلقه من ليس له أب وأم، فكيف بالله عز وجل؟ فل لهذا قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾، فهذا فيه إبطال دعوى النصارى بأن عيسى ابن الله. قال: ومع ذلك فاتفق البشر كلهم على أنه عبد من عباد الله، فدعوى إلهية عيسى بكونه خلق من أم بلا أب، دعوى من أبطل الدعاوى. وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، أن عيسى كما قال عن نفسه: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ﴾. وكان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران، وهذه القصة في الصحيحين، وقد تصلبوا على باطلهم بعدما أقام عليهم النبي صلى الله عليه وسلم البراهين بأن عيسى عبد الله ورسوله، حيث زعموا إلهيته، ووصلت به وبهم الحال إلى أن أمره الله تعالى أن يباهلهم؛ فإنه قد اتضح لهم الحق، ولكن العناد والتعصب منعاهم منه. فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المباهلة، بأن يحضر هو وأهله وأبناؤه، وهم يحضرون بأهلهم وأبنائهم، ثم يدعون الله تعالى أن ينزل عقوبته ولعنته على الكاذبين. وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنهم في قرارة أنفسهم يعلمون أنهم كذبة، لكن الدنيا هي التي تجعلهم يعاندون؛ لأنهم يتحصلون على الأموال. قال: كذا، فلو قالوا بأن عيسى ليس ابن الله لتركهم هؤلاء النصارى، مثل ما فعل هرقل. فإن هرقل علم أن هذا نبي أرسله الله، وأيقن بذلك، لكن لما قال لأصحابه: «أردتم الهدى؟ أردتم السعادة؟ فاتبعوا هذا النبي واتركوا دينكم»، حاصوا حيصة الحمر، انقلبوا يريدون أن يخرجوا من الأبواب، ووجدوا الأبواب مغلقة، فقال لهم: «إنما أردت أن أمتحنكم في دينكم». فلما رأى أنهم لا يتبعونه، أخذته الدنيا، وإلا فهو يعلم أنه نبي، حتى قال: «لو كنت عنده لغسلت قدميه». وهذا إنما يبين أنه علم أنه نبي من أنبياء الله، لأن هرقل كان من أحبار... أقصد من رهبان النصارى وقسسهم، كان قسيسا، فل لهذا عارف أن النبي صلى الله عليه وسلم نبي من أنبياء الله عز وجل، لكن لما رأى أن قومه سيترقونه، فإنه أراد الدنيا. بخلاف النجاشي، فإن النجاشي أسلم، وإن لم يجهر بإسلامه، لكنه آمن بالله عز وجل، وصرح بأن عيسى إنما هو نبي من أنبياء الله، مثل ما قال في القرآن. فل لهذا فهؤلاء كانوا من القسس والرهبان، من رهبان نصارى نجران، فأرادوا أن لا يرجعوا حتى لا يتركهم الناس، فباهلهم النبي عليه الصلاة والسلام، هذه المباهلة. فقال الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾، أي: في عيسى أنه ابن الله، أي: قال: ابن الله، فحاجه، ﴿ فَقُل تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾، أي: نقول: لعنة الله على الكاذب منا. قال: فتشاوروا، هل يجيبونه إلى ذلك؟ فاتفق رأيهم أن لا يجيبوا؛ لأنهم عرفوا أنه نبي الله حقا، وأنهم إن باهلوه هلكوا هم وأولادهم وأهلوهم، وصالحوه، وبدلوا له الجزية، وطلبوا منه الموادعة والمهادنة، فأجابهم صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يحرجهم؛ لأنه حصل المقصود من وضوح الحق، فانقادوا للإسلام، لكنهم لم يسلموا، لكن دفعوا الجزية، وطلبوا المهادنة والموادعة، طلبوا هدنة، وأيضا صلح. قال: لأنه حصل المقصود من وضوح الحق، وتبين عنادهم حيث صمموا على الامتناع على المباهلة، وذلك يبرهن على أنهم كانوا ظالمين، ولأن الحق واضح. لهذا قال: ﴿ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾، الحق هنا خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذا الحق من ربك، فلا تكن من الممترين، لا تكن من الشاكين في ذلك أبدا. ولم يشك النبي عليه الصلاة والسلام، لكن باب التأكيد، تأكيد الأمر، أنه مهما اجتمع هؤلاء النصارى على كلمتهم أن عيسى ابن الله، فهم كذبة، وهم أيضا كذلك على باطل، وأن عيسى عبد من عباد الله جل وعلا. وقد ذكر الله عز وجل كلامه في هذا، ومن شدة انتشار هذا الشرك في النصارى، حتى أن الله عز وجل أراد أن يوبخ هؤلاء، فقال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾. فهذه الآيات العظيمة، بين الله عز وجل بسؤاله عيسى بن مريم: هل أنت قلت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ فأراد أن عيسى هو الذي يجيب عليهم، يجيب عليهم؛ لأنهم كذبة. وسبحان الله، هذا المذهب انطوى على جميع النصارى، إلا من رحم الله منهم، ومن بقي على الإسلام، وهم قليل جدا. ولهذا تجد في قصة زيد بن عمرو بن نفيل، وفي قصة سلمان الفارسي، تجد أنهم نصارى في ذلك الوقت، إلا أنهم حرفوا وبدل، إلا أناس قليلون من أهل الصدر، حتى كان أحدهم يقول لسلمان: «ما ستجد هذا الدين، أي: هذا المنهج الذي أمشي عليه، إلا عند رجل في كذا وكذا». أنا مع أن النصارى كانوا كثير، ولهم الغلبة في ذلك الوقت، لكنهم كلهم، أكثرهم يقولون: إن عيسى ابن الله، فسرى فيهم الباطل، والعياذ بالله. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، نكمل في درس قادم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر