الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المؤلف أن قصص القرآن هي الحق الخالي من الباطل، مبيناً تحريف النصارى لقصة عيسى بادعاء صلبه وألوهيته، بينما القرآن يوضح أنه لم يُقتل بل رُفع إليه. ويشير إلى أن تعظيم الصليب يعكس جهلهم بحقيقة الرسالة.
يشرح المقطع معاني اسمي الله العزيز والحكيم الدالين على كمال القدرة والحكمة، وينبه إلى جهل النصارى بتعظيم الصليب. كما يبرز إعراض أهل الكتاب عن الحق وفساد علمائهم بأكل أموال الناس بالباطل.
يوضح كيف حرف علماء اليهود أحكام التوراة مقابل المال وكذبوا على الله، مما كشف القرآن حقيقتهم. ولما سمع الحبر عبد الله بن سلام كلام النبي وآياته، آمن وشهد بالشهادتين بينما أصر المفسدون على الكفر.
كان كعب بن الأشرف يعلم أن محمداً رسول الله، لكنه رفض الإيمان لحبه للفساد والجاه والمال، فاختار البقاء على كفره. وقد بين الله حال المتولين عن الحق بقوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه أما بعد. قال المؤلف رحمه الله: للعلامة السعدي: «ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾» [آل عمران: 62]، أي: الذي لا ريب فيه. أن القصص، أي: هذا ما يذكر في القرآن من قصص الأنبياء وأخبارهم، هذا هو القصص الحق الذي لا فيه شيء من الباطل أبداً، ولا فيه شيء من تزوير الحقائق، مثل ما يحصل في القصص التي يذكرها كثير من القصاص، وكثير من الأخباريين، فيذكرون قصصاً فيها شيء من الكذب والغلو، وكذلك غيرها من الأمور التي تعتري تلك القصص. أما قصص القرآن فهي قصص حق، وفيها العبرة والعظة، وفيها كذلك ذكر أهل الحق وما هم عليه من ذلك الحق. وأيضاً فيه بيان ودلالة لنبوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، في ذكر تفاصيل بعض القصص التي لا يعرفها إلا القليل، أو لا يعرفها أحد، قد انطمست هذه الأخبار حتى بدلت بغيرها، مثل ما حصل في قصة عيسى عليه السلام، فإنها بدلت في قصصه بأشياء أخرى، حتى يثبت النصارى أن عيسى ابن الله، فغيروا في القصص، وأتوا بقصص من عندهم كلها كذب، لأجل أن يثبتوا هذا الذي اعتقدوه. لكن الله عز وجل ذكر حقيقة هذا الأمر، وبين لهم في كتبهم، وكذلك في القرآن. ولأن التوراة المحرفة، وأول أقصد الإنجيل المحرف، ليس فيه أن عيسى نبي الله، وإلا ففي الإنجيل غير المحرف يذكر الله عز وجل ذلك، لكن أولا طمسوه وبدلوه بعبارة «ابن الله»، وقالوا: «الابن»، وقالوا: «الروح روح القدس»، مثل هذه العبارات، غيروا كلام الله عز وجل. فلذلك فهذه القصص التي يذكرها الله عز وجل فيها الخير العظيم، والحقيقة التي يجب على المسلم، بل على كل أحد، يعرفها. ومن ذلك ما حصل في قصة عيسى من التغيير، بل أن الله عز وجل ذكر في هذه القصة أنه لم يقتله، أي: لم يقتله اليهود، وإنما رفعه الله، وهذا الذي صلب ليس عيسى، بخلاف ما تقوله النصارى، وعظموا الصليب حتى صار شعاراً لهم، وهذا لجهلهم، كيف يعظمون شيئاً فعلته اليهود، وأيضاً فعلوه بنبيهم؟ وهذا يدل على جهلهم الفاضح، عظموا هذا الصليب مع أنه رمز لما فعله اليهود بنبيهم زعموا، وإلا فهم لم يصلبوا عيسى بن مريم عليه السلام، وإنما صلبوا رجلاً يشبهه، ولكن شبه لهم. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [آل عمران: 62]، قال: وإن الله لهو العزيز الذي قهر بقدرته وقوته جميع الموجودات، وأذعنت له سكان الأرض والسماوات، فهو عزيز جل وعلا لقوته وقهره، وعزيز لعظمة جنابه جل وعلا، وعزيز كذلك سبحانه وتعالى لما أنعم جل وعلا على عباده، فهو يعز سبحانه لعظمته ولكبريائه، وكذلك أيضاً لجنابه العظيم سبحانه وتعالى، فهو عزيز جل وعلا. قالوا: مع ذلك فهو الحكيم، أي: عزه وقوته وقهره ليس بدون حكمة، بل بحكمة عظيمة، ووضع الأشياء في مواضعها. قالوا: مع ذلك فهو الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، فهو الحكيم جل وعلا مع عزته، وعزيز سبحانه وتعالى مع حكمته جل وعلا. والاسم إذا قرن بغيره صار معناه أعظم وأكثر عظمة، فالعزيز كما قلنا جاء بعزة القدرة والقوة، وعزة المنعة والجناب، وكذلك أيضاً يتصف بالحكمة، فهو كمال في كمال. وأيضاً هنا المؤلف رحمه الله كأنه مر على قول الله جل وعلا: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: 63]، فلم يفسر هذه الآية. وفي هذه الآية يخبر الله عز وجل، أو يأمر عباده المسلمين وأهل الإيمان، أن تولي هؤلاء النصارى واليهود عن هذا الأمر، وعن هذا القصص الذي ذكره الله عز وجل، فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين، أي: إنما أرادوا أن يفسدوا في دين الله، مثل ما أفسدوا في دين اليهود، وأفسدوا في دين النصارى. فاليهود أفسدوا في دينهم، هناك أناس كانوا يفسدون في دين اليهود منهم، وأيضاً من النصارى أناس أفسدوا في دينهم، وأخذهم هذا، أو الذي سول لهم هذه الأمور، هو اتباع الدنيا وإرادة المال. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34]. انظر إلى هذا الوصف الذي ذكره الله عز وجل في علماء اليهود والنصارى: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾، أن يفسدون في أديانهم، ويغيرون في الأحكام لأجل أن الدنيا يأتيهم. الرجل فيقول مثلاً: «أحكم كذا وكذا»، أو «فعلت كذا وكذا»، فيقول: «لا شيء عليك»، المهم أنه يعطيهم المال، فحتى غيروا أحكام الله جل وعلا، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون، فحرفوا التوراة، وكذلك تآكلوا بفتاويهم على أنها من عند الله. فلذلك لما ظهر الله عز وجل حقيقتهم في القرآن، وبعدما ذكر قصة عيسى عليه الصلاة والسلام، فقال: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾، أي: عن هذا القصص الحق، وعن هذه الحقيقة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾، فهم ما أرادوا إلا الإفساد، وإلا لو كانوا أرادوا الحق فهذا الحق الذي عليه النور، وعليه أيضاً الوضوح. ولهذا لما سمع كثير من أحبار اليهود الذين على صدر آمنوا، فهذا عبد الله، فإن الله... فهذا الحبر الذي بشره النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة، عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فإنه لما سمع كلام النبي عليه الصلاة والسلام دخل قلبه، وجاء يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض الأمور التي لا يعلمها إلا قليل من اليهود من أحبار يهود، فقال: «إني سائلك عن شيء لا يعلمه إلا نبي»، أو «رجل أو رجلين»، فقال: «سل عما بدا لك»، فسأله عن الولد، وعن غيرها من العسل، فلما أجاب النبي عليه الصلاة والسلام، شهد عبد الله بن سلام بالشهادتين، وشهد بشهادة لا إله إلا الله، وشهد للنبي عليه الصلاة والسلام بالرسالة، لأنه علم أن هذه الأشياء لا يأتي بها رجل تربى عند العرب، أو نشأ في البادية، أو نشأ عند ناس لا يعلمون هذه الكتب، ولا يعلمون مثل هذه الأشياء، فكيف سيأتي بمثل هذه الأشياء في سؤال لا يعلمه إلا نبي، أو رجل أو رجلين، كما قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه؟ فلذلك أسلم، وهو كان من كبار أحبار يهود، وكذلك أسلم غيره من الأحبار ممن أراد الحق وعرف الحقيقة. وأما الذين أرادوا الإفساد فإنهم لم يسلموا، بل بقوا وهم يعلمون أنه على حق. ولهذا كان كعب بن الأشرف، عم أم المؤمنين صفية، كان يهودياً، وهو أخو حيي بن أخطب، كان يقول: «والله إني لا أعلم أن هذا نبي»، لكنه لم يؤمن ولم ينقاد، لأنه أراد معنى حب الفساد، وهو معنى شراء الذم بالدنيا، فأرادوا الجاه وأرادوا المال، فبقوا على ما هم عليه. فقال الله عز وجل: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. هذا ما يذكر، والله تعالى أعلم. شكراً.