التعليق على كتاب التوحيد 30

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 30، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث نذر النحر ببوانة وحكم الوفاء بالنذر في غير مواضع الشرك

يشرح الشيخ حديث ثابت بن الضحاك عن رجل نذر نحر إبل ببوانة، واستقصاء النبي ﷺ لوجود أوثان أو أعياد جاهلية قبل الأمر بالوفاء. يستفاد أن الوفاء يتعلق بذبح الإبل لا بتخصيص المكان.

أحكام النذر: اشتراط المكان ونذر المعصية وما لا يملك وحكم إنشاء النذر

يبين المقطع أن الوفاء بالنذر واجب لكن تعيين مكان غير فاضل ليس بلازم، ولا يجوز الوفاء بنذر معصية أو شرك ولا بنذر ما لا يملك. كما يوضح أن إنشاء النذر مكروه ويحرم إن كان على وجه المقايضة مع الله.

النهي عن الوفاء بالنذر في الأماكن المخصصة لغير الله أو أعياد الجاهلية

يوضح الشيخ أن النبي ﷺ نهى عن الذبح في مواضع كانت تُذبح فيها للأصنام أو تُعقد فيها أعياد المشركين، حتى لو قصد الناذر الذبح لله، لأن ذلك يشبه أعمالهم ويوهم التعظيم لغير الله.

ختم الدرس وتطبيق الحديث على الترجمة والمسائل الفرعية

أكد الشيخ مطابقة الحديث للترجمة المتعلقة بالنهي عن الذبح في الأماكن المخصصة لغير الله، وأرجأ تفصيل المسائل الفرعية إلى الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، صلى الله عليه وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» قالوا: لا. قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». رواه أبو داود، وإسناده على شرط البخاري ومسلم، والحديث صحيح، صححه العلامة الألباني وغيره من أهل العلم. ومعنى هذا الحديث: سأل هذا الصحابي ثابت بن الضحاك النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة. كأن السائل رجل آخر ليس هو ثابت بن الضحاك، لأنه قال: «نذر رجل». هذا قول ثابت بن الضحاك: أن ينحر إبلا ببوانة، يعني يذبح إبلا، والإبل اسم جنس لا واحد له ولا مفرد له من لفظه، وإنما من معناه، فمفرد إبل: بعير. ويريد أنه يريد أن يذبح إبلا، يعني ليس واحدا، مجموعة، ببوانة. وبوانة: اسم موضع بالقرب من المدينة، يقال له بوانة. والنذر معناه: إلزام العبد نفسه بشيء لم يلزمه الشرع، كأن يقول: علي نذر أن أذبح كذا وكذا من الإبل، أو كذا وكذا من الغنم. فالنذر في اللغة هو الإلزام والعهد، وفي الاصطلاح: إلزام العبد نفسه لما لم يلزمه الشرع. فهذا ألزم نفسه أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل يجوز لي ذلك، أن أنحر هذه الإبل في هذا الموضع؟ فاستفصل منه النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه فائدة: أن المستفتي ينبغي أن يستفصل من السائل إذا سأله سؤالا يريد الجواب، لا يتعجل في الإجابة، وإنما يحيط بالمسألة. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لهذا الرجل، لأنه خص هذا الموضع بأن يذبح فيه: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» والوثن هو ما عبد من غير الله، سواء كان على صورة أو ليس على صورة، بخلاف الصنم؛ والصنم: ما عبد من دون الله ويكون على صورة، صورة إنسان، صورة مثلا حيوان. أما الوثن فهو مطلق، سواء كان بصورة أو بغير صورة. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد»، لأن القبر ليس على صورة، فسماه النبي عليه الصلاة والسلام وثنا. فقال: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» أوثان الجاهلية: الجاهلية تطلق على ما قبل الإسلام، يعني: هل كان في زمن الجاهلية يوجد فيه وثن يعبده أهل الجاهلية، يدعونه من دون الله، أو يذبحون له من دون الله؟ فقالوا: لا. قوله: «قالوا» هذا دليل على أن المجلس فيه جماعة من الناس، فيه جماعة من الناس، فهم يعلمون هذا المكان، وهم أهل ذلك البلد، فقالوا: لا يا رسول الله، ما فيه وثن يعبد في زمن الجاهلية. فسأل النبي عليه الصلاة والسلام سؤالا آخر، فقال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» يعني: وإن لم يكن فيه وثن، لكن هل يعتاد أهل الجاهلية الاجتماع في هذا المكان؟ ومعنى العيد: العيد هو ما يعود ويتكرر، مثلا: هل يجعلون له في السنة مثلا يوما يجتمعون فيه، أو أسبوعا يجتمعون فيه، ويفرحون ويمرحون في هذا اليوم؟ هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ فقال الحاضرون: لا، ليس فيها عيد من أعيادهم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوفِ بنذرك». إذن الآن انتفى أي مانع من موانع عدم الوفاء بالنذر. هذا المكان ليس هو شعار ومظهر من مظاهر الشرك، ولا من مظاهر الجاهلية، الحمد لله، فهو مكان مثل غيره من الأماكن. فلذلك قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أوفِ بنذرك». «أوفِ» فعل أمر هنا مبني على حذف حرف العلة، ما هو حرف العلة؟ الياء، والكسر دليل عليه. طيب، هل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أوفِ بنذرك» بأصل النحر، أو بالوفاء في هذا المكان، وجوب الوفاء في هذا المكان؟ عرفتم المسألة. يعني: قوله الآن عليه الصلاة والسلام لهذا الرجل: «أوفِ بنذرك»، هل معناه: اذبح هذه الإبل كما نذرت، أو معناه: يجب عليك أن تنحر وأن تذبح في هذا المكان؟ الجواب: أن «أوفِ بنذرك» وجوب النحر، لا وجوب المكان. وهذا فيه مسألة: وهي أن الناذر إذا نذر أن يفعل هذا النذر في مكان ما، وهذا المكان ليست له فضيلة، يعني ليس هو إحدى المساجد الثلاثة، لأن المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، فيها فضيلة. طيب، فيها فضيلة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». فشد الرحال للعبادة والطاعة ما يكون إلا في هذه الثلاثة. طيب، غيرها من الأماكن: إنسان قال: نذرت أن أذبح شاة في تبالة. تبالة، وإيش فيها؟ تبالة يعني مكان عادي، واضح، مش واجب أنك تذبح. لكن لو أردت أن تذبح، وتبالة هذه ليس فيها وثن، ولا عيد من أعياد أهل الجاهلية، وأهل الشرك، وعباد القبور، يجوز لك أن تفي بنذرك، سواء كان في تبالة أو في غير تبالة. لكن أصل النحر يجب: إذا نذرت وقلت: علي نذر أن أذبح شاة، تمام، أن أذبح شاة في شبوة، تمام، أو أن أذبح شاة في الشحر، هذه مناطق ما فيها فضيلة. لكن لو قلت: نذرت أن أذبح شاة في الحرم، في المسجد الحرام، هذا يجب عليك أن تذهب إلى المسجد الحرام، لماذا؟ لفضيلة المكان. فأنتم هذه المسألة الآن: فقال العلماء: قوله «أوفِ بنذرك» يعني الذبح واجب، لكن تعيين المكان ليس بواجب. تعيين المكان ليس بواجب، فلك أن تذبح في هذا المكان، ولك أن تذبح في غيره. وأما قوله: «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله»، ومعنى «لا وفاء»: يعني لا يجوز أن تفي بنذر معصية. نذر المعصية: مثلا قلت: علي نذر أن أذبح كبشا عند قبر المحضار، أو عند قبر العيدروس، فهذا نذر معصية، بل نذر شرك، لا يجوز الوفاء به. لو قلت: علي نذر أن لا آكل اللحم، أو أن لا أدخل بيت فلان من الناس وهو غريب لك، أو إلى غير ذلك من غير سبب شرعي، فهذا نذر معصية، لا وفاء، ما يجوز لك، لا تقول: لا، أنا خلاص قد نذرت، لا بد أن أفعل هذا، لا، لا وفاء لنذر في معصية الله. واضح. وأما قوله: «ولا فيما لا يملك ابن آدم»، يعني: نذر أن يذبح مئة من الإبل وهو ما عنده مئة من الإبل، أو نذر أن يتصدق بمليون وهو ما عنده مليون، هذا ما يملك، «ولا فيما لا يملك ابن آدم». فلا تنذر إلا بشيء تملكه وتستطيعه، تملكه وتستطيعه، هذا هو المراد. وهنا مسألة: ما حكم النذر؟ ما حكم النذر؟ نعم، الوفاء به واجب. انتبه: لكن إنشاء النذر، يعني: إنسان دائما يقول: نذرت أن مثلا أصوم ثلاثة أيام، أو نذرت أن أذبح، أو نذرت أن أتصدق، هذا ما حكمه؟ ها، نعم، مكروه. هذا النذر مكروه، بعضهم ذهب إلى تحريمه، تمام، ذهب إلى تحريمه. لكن المسألة فيها تفصيل: إذا كان النذر نذر مقايضة، ومعنى مقايضة: أنت مريض، قلت: لو شفاني الله كذا، سأصوم ثلاثة أيام، أو: لو شفاني الله كذا، سأتصدق بمئة ألف للفقراء والمساكين. قال العلماء: هذا النذر حرام، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «إنما يستخرج به من البخيل». يعني: النذر هذا دليل البخل، وأنك تعامل الله عز وجل بالمقابل والمقايضة: إن فعلت لي، أنا سأفعل، وإن لم تفعل لي، ما سأفعله، هذا سوء أدب مع الله. فذهب بعض العلماء إلى تحريمه. ومع هذا، من أنشأه ووقع فيه يجب عليه الوفاء، لقول الله عز وجل: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. أنت إذا ألزمت نفسك يجب عليك أن تفي بهذا النذر، أن تفي بهذا النذر. وهكذا النذر الآخر: الصحيح أنه مكروه. إنسان ينشئ نذرا ولو لم يكن بمقايضة، يقول مثلا: نذرت أن أصوم ثلاثة أيام، نذرت هذا السنة أن أحج، أو أن أعتمر، أو أن أتصدق، بدون مقايضة ومقابلة، فهنا الصحيح أنه مكروه. لماذا؟ لأنه كما تقدم قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «إنما يستخرج به من البخيل»، «إنما يستخرج به من البخيل». ثم فيه مفاسد: منها مثلا قد يلزم الإنسان نفسه ثم يبحث على مخارج، يقول مثلا: نذرت أنا أصوم شهرا، فإذا به يقول: أنا مشتاق علي، أنا كذا، يبدأ يبحث على مخارج، أو يقول: نذرت أنا أتصدق بألف أو ألفين، ثم يقول: وهذه كثير، وكيف، وهذا كذا، يبدأ. لماذا أنت تلزم نفسك؟ فلذلك ذهب أهل العلم إلى كراهة ذلك. وهناك مباحث أخرى تتعلق بمسألة النذر نؤجلها في الباب الذي بعد هذا، لأن الباب الذي بعد هذا: باب من الشرك النذر لغير الله. طيب، ما وجه الشاهد من إيراد هذا الحديث في باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله؟ وجه الشاهد في قوله عليه الصلاة والسلام لهذا الإنسان الذي نذر أن يذبح إبلا ببوانة: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» إذن هذا الرجل الآن نذر أن يذبح هذا الإبل لله، أو لغير الله؟ لله. نذر أن يذبح هذا الإبل لله، أليس كذلك؟ بلى. طيب، النبي عليه الصلاة والسلام سأله: «هل كان فيها وثن؟» يعني: في بوانة هذا، من أوثان الجاهلية يعبد. إذن إذا كان فيها وثن، هل يجوز له أن يذبح في هذا المكان؟ لا يجوز. إذن الحديث مطابق تماما للترجمة: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله. لو مثلا الآن قال إنسان: أنا سأذبح لله، تمام، أي مثلا نذر: نذرت أن أذبح كبشا، لكن سأذبح عند الشيخ فضل، عند المقبرة هنا، أو عند العيدروس، أو عند... أنا ما أذبح للولي هذا، لا، ما سأذبح لهذا الولي، أنا سأذبح لله، لكن بس اخترت هذا المكان. وقال له: لا يجوز هذا، لماذا لا يجوز؟ لأن هذا المكان يعبد فيه غير الله، واضح، يذبح فيه لغير الله، فلا يجوز ذلك. نعم، كبش... يعني هذا القيد، هذا القيد ليس يعني شيء مباح، إن ذبح لكن ما يشترط أن يكون... أن يكون بنفس الوصف، لا يشترط هذا، مثل ما قال: أنا نذرت أن أذبح في مكان كذا، وهذا المكان ليس له فضيلة، كما تقدم. وهكذا وصف الأوصاف: أنا ستصدق بكبش أبيض، أيش فائدة الوصف هذا الأبيض؟ مثل ما أذبح في مكان كذا، أيش فائدة الوصف؟ تمام، إن ذبحت يجوز لك من حيث الإباحة، لكن إن لم تجد يجب عليك أن تذبح أصل الكبش، سواء كان أسود أو أبيض أو أحمر، أو أصل الكبش، هذا الواجب عليك، أما الباقي فهو من باب الإباحة. وانتبه إلى قوله: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» أو هذا فيه رد على البعض، مثلا يقول لك: أنا سأذبح مثلا في مكان كذا، هذا المكان مثلا كان فيه حصاة، تمام، أو هذا المكان يجتمع فيه أهل الزيارات الشركية قبل أن يذهبوا إلى قبرهم، أو إلى ضريحهم، يجتمعون فيه، ويعتادون أن يجتمعوا في هذا المكان، وإن لم يذبحوا في هذا المكان، وإن لم يوجد هناك صنم أو وثن في هذا المكان، لا يجوز لك أن تتقرب بالذبح في هذا المكان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» يعني: وإن لم يذبحوا فيه، لأن السؤال الأول: «هل كان فيه وثن؟» قال: لا. طيب، ما فيه وثن، لكن هل فيه اجتماع لهم يجتمعون، وإن لم يكن فيه وثن؟ فلما قالوا: لا، قال: «أوفِ بالنذر». لو قالوا: نعم، هم يجتمعون، يجتمعون في مكان كذا، وسنويا يفعلون هذه الزيارة، أو هذا الاجتماع، لكان الجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم ماذا؟ لا، لا تفي بهذا النذر. فمن هذا الآن، فإذن هذا الحديث أفاد أمرين، أو أفاد أمرين: الأمر الأول: النهي عن الوفاء بالنذر في المكان الذي يعبد فيه غير الله، والثاني: النهي عن الوفاء بالنذر في المكان الذي يعتاد أهل الجاهلية، وأهل الزيارات الشركية، أن يجتمعوا فيه. مثلا عندك على سبيل المثال في زيارة الهود اللي تقام في حضرموت، هم جعلوا لها أياما مثل أيام الحج: اليوم الثامن من شعبان، اليوم التاسع من شعبان. طيب، اليوم الثامن يجتمعون في مكان يسموه الحصاة، أو شيء كذا. لو إنسان قال: أنا نذرت أن أذبح في هذا المكان، مكان فقط يجتمعون فيه، أما القبر هو داخل، لكن في اليوم الثامن يجتمعون في هذا المكان، أنا بس أريد أن أذبح في هذا المكان. وقال له: لا، لا تذبح في هذا المكان، لأن هذا فيه عيد من أعياد أهل الجاهلية. عرفتم هذا الآن؟ ففرق بين المكان الذي يذبح فيه لغير الله، والمكان الذي لا يذبح فيه لغير الله، لكن لهم عيد دائما يجتمعون فيه، لأنه قلنا: العيد بمعنى ماذا؟ بمعنى التكرار والعود. ولذلك سميت عيد الفطر وعيد الأضحى أعيادا، لأنها تتكرر، لأنها تتكرر كل سنة، وسميت الجمعة عيدا لأنها تتكرر، عيد الأسبوع. واضح هذا الآن. فإذن هذا الحديث مطابق تماما للترجمة، طابق تماما للترجمة: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، أو يجتمع فيه أهل الجاهلية في عيد من أعيادهم. هذا يضاف أيضا في هذا الباب، أو في هذه الترجمة. المسائل نتركها إن شاء الله إلى الدرس القادم. إلى هنا، والله أعلم.