التعليق على كتاب التوحيد 115

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 115، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح باب ذمة الله ووصية الأمراء في الجهاد

يشرح المقطع معنى الذمة لغةً وشرعاً، وربط الوفاء بالعهد بتحقيق التوحيد مستدلاً بآية ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾. ثم يستعرض حديث بريدة في وصية النبي صلى الله عليه وسلم للأمراء بتقوى الله وحسن السيرة، والنهي عن إعطاء ذمة الله وذمة رسوله للمحاصرين، والاكتفاء بذمة النفس وأصحابها.

أحكام القتال وآداب الحرب ودعوة المشركين

يبين المقطع أن القتال قد يشرع ضد غير الكفار كالفئة الباغية ومانعي الزكاة، مع النهي عن الغلول والغدر والتمثيل وقتل غير المقاتلين. كما يوضح المراحل الثلاث لدعوة المشركين قبل القتال: الدعوة إلى الإسلام، ثم الهجرة إلى دار الإسلام، فإن أبوا ف لهم حكم أعراب المسلمين ولا سهم لهم في الغنيمة إلا إن جاهدوا.

أحكام دعوة الكفار والجزية والعهود والفرق بين الذمتين

يشرح المقطع مراحل التعامل مع غير المسلمين: الدعوة للإسلام، ثم طلب الجزية مع الصغار، فإن أبوا جاز قتالهم. ويبين تحريم إعطاء "ذمة الله وذمة نبيه" لأهل الحصون المحاصرين، والاستعاضة بذمة القائد وأصحابه لكون نقضها أهون. كما يوضح الفرق بين الحكم بحكم الله المقطوع به وحكم المجتهدين القابل للخطأ، وجواز اجتهاد الحاكم بعد انقطاع الوحي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه". المراد بالذمة هنا: العهد. وسُمِّي العهد بذلك لأنه يلتزم به ذلك المتعاهد، كما يلتزم صاحب الدين بدينه الذي هو في ذمته، فسُمِّي العهد ذمة. ووجه إرادة هذا الباب ومناسبته في كتاب التوحيد: أن عدم الوفاء في الذمة والعهد هذا تنقص لله سبحانه وتعالى. من تعهد بالله على أمر ما ثم نكث وخالف ذمة الله، فهذا مخل بالتوحيد، مثل الذي يحلف بالله يتهاون بالحلف وربما يكذب، كما مر معنا في الباب الذي قبل هذا، فهذا كذلك مخل بالتوحيد، وهذا قريب منه. فعدم الوفاء بعهد الله تنقص لله عز وجل، والتنقص لله سبحانه وتعالى مخل بالتوحيد. هذا هو وجه إرادة هذا الباب في كتاب التوحيد. ثم قال: وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. فقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾، الإيفاء: إعطاء الشيء تاما. ويقال: أوفى له إيفاء، أن تعطي الشيء تاما كاملا. ومنه إيفاء المكيال والميزان، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾، بمعنى: إعطاء الشيء المستحق لغيره كاملا تاما من غير نقص. فأمر الله عز وجل بالوفاء بعهد الله، أي: بذمة الله سبحانه وتعالى. وسُمِّيَ الله ما يلتزمه المسلم بعهده، لأن المسلم يعظم الله سبحانه وتعالى، فإذا أراد أن يوثق شيئا وثقه بعهد الله سبحانه وتعالى، بعهد الله عز وجل. ولذلك قال: ﴿إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾، يعني: إذا صدر منكم العهد بالله عز وجل، فإنه لا يليق بكم أن تدعوا الوفاء، بل يجب عليكم الوفاء. ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، والنقض هو ضد الوفاء بالعهد، وهذا من باب التأكيد. فقوله: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ هو بمعنى: ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾، فأتي بهذا من باب التأكيد. ونقض الشيء: حل إحكامه. وشُبِّه هنا العهد بالعقدة، لأنه عقد بين المتعاهدين، فهو كالشيء المحكم. العقدة المحكمة التي تربط ربطا محكما، فسُمِّي بالإحكام. وقوله: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، أي: تثبيته، ثبتّم هذا الشيء فلا تنقضوه. وقوله: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾، أي: أن الإنسان إذا عاهد غيره وقال: أعاهدك بالله، أعاهدك بالله، فهذا معنى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾، كأنك تقول: كفى بالله شهيدا وكفيلا، فأنا سأقوم بما عاهدتك عليه. فإذا نقض العهد، فهذا فيه تنقص لله عز وجل الذي عاهدت به. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾، ختم الآية بالعلم من باب التهديد، من باب التهديد عن نقض العهد. ومناسبة ذكر هذه الآية في هذا الباب واضحة في قوله: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾. فإذا هذا مطابق للباب: "ما جاء في ذمة الله"، يعني: في عهد الله، فهذه الآية مطابقة تماما للباب. وقال: وعن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا. فقال: "اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال، أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم. ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا، فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم. فإن هم أبوا، فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه. وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا". رواه مسلم. هذا الحديث يخبر فيه النبي عليه الصلاة والسلام، أو بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أميرا، يعني: في سبيل الله، فالأمير هو الذي يقود هذا الجيش، وهو الذي يتأمر عليهم بأمر الله، وهو الذي يصل بهم، وهو الذي يحمل رايتهم. فإذا أمر أميرا على جيش أو سرية، الجيش: ما زاد على أربعمائة مقاتل أو مجاهد، والسرية: ما دون ذلك. فإذا أمر، سواء كان على جيش أو على سرية، أوصاه قبل أن يغادر هذا الأمير، أوصاه النبي عليه الصلاة والسلام وصية الإمام الأعظم لمن دونه من الأمراء، أمراء الجيوش. فأوصاه في خاصته، والوصية معلومة، وهي ما يلقيه الموصي لصاحب هذه الوصية من العهد بالشيء إلى غيره على وجه الاهتمام به. فأوصاه في خاصته، يعني: في نفسه أولا، بتقوى الله، أن يتقي الله، وذلك في العمل بطاعة الله وترك ما يغضب الله. ثم: ومن معه من المسلمين خيرا، أوصاه كذلك بالمسلمين الذين تحت يده، فلا يشق عليهم، ولا كذلك يأمرهم بما يخالف الشرع، فيأمرهم بأمر الله ويسر عليهم. فقال: يعني هذه هي الوصية، بعدما يأمره بتقوى الله، وبعد أن يأمره بتقوى الله في المسلمين، يقول لهذا الأمير: "اغزوا بسم الله"، يعني: اغزوا وجاهدوا في سبيل الله بسم الله. يحتمل أنه أراد أن يعلمهم أن يكونوا دائما مستعينين بالله، يعني: اغزوا وأنتم معلقون قلوبكم بالله عز وجل، مستعينين به، لا بكثرتكم، ولا بقوتكم، ولا كذلك عتادكم، ولا بشيء من ذلك، وإنما بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى. هذا احتمال. ويحتمل أنه أراد أن يفتتح الغزو بسم الله، أن يفتتح الغزو بسم الله، يعني: لما تبدأ في الغزو قل: بسم الله. هذا هو المراد. احتمل هذا وهذا. وقوله: "في سبيل الله"، هذا فيه تنبيه على حسن النية والقصد، وأن يكون الجهاد لإعلاء كلمة الله، لا يكون الجهاد من أجل حمية، ولا من أجل دنيا، ولا من أجل شهرة ورياء، وإنما قاتل من أجل الله. ولذلك قال له: "في سبيل الله". ثم قال: "قاتلوا من كفر بالله"، يعني: قاتلوا الكفار الذين هذا هو وصفهم. وليس معناه أنه لا يقاتل إلا الكافر، وإنما هذا وصف غالب. فقد يقاتل غير الكافر، بل من المسلم، كالفئة الباغية، أو مانعي الزكاة، وقد قاتلهم أبو بكر، ولا يجب من ذلك كفرهم، ونحو ذلك. فالتكفيريون ربما يستدلون، وقصد المرجئة ربما يستدلون بذلك على أن القتال لا يكون إلا للكفار، أما المسلم فلا يقاتل لأنه لا يسلب عنه الإيمان، هكذا يزعمون. وهذا رد عليهم، فيقاتل أيضا غير الكفار، يقاتل غير الكفار، من خرج على إمام المسلمين من الخوارج، وإن لم يكونوا كفارا، يقاتلون. يقاتلون أيضا. فهذا وصف غالب، أن القتال يكون للكفار، وقد يكون لغير الكفار. قال: "اغزوا"، وهذا تأكيد. "ولا تغلوا"، والغلول: أن يكتم شيئا من الغنيمة ويختص به، يعني: قبل أن تجمع. معلوم أن المسلمين إذا قاتلوا الكفار، وهذه الغنيمة ما أخذه المسلمون بعد قتال الكفار وبعد جهاد الكفار، هذا تسمى غنيمة. فإذا وجدت شيئا لا تأخذه لنفسك، أولا يجمع كاملا ثم يقسمه أمير الجيش، يقسمه على المجاهدين. فمن أخذ شيئا وأخفاه وكتمه، فهذا يسمى غالا. وقال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، يأتي بهذا الذي أخذه فيحرق به، والعياذ بالله. هذا هو معنى: لا تغل. "ولا تغدروا"، والغدر هو الخيانة. الغدر هو الخيانة. وهذا هو الشاهد من الحديث، وهذا هو الشاهد من الحديث. يعني: إذا عاهدنا، فإنه يحرم الغدر، يحرم الغدر. هذا إذا عاهدنا، لا نغدر، ولا ننقض العهد، ولا ننقض العهد. وذكر العلماء أن هذا إذا كان بيننا وبينهم عهد، أما إذا لم نعاهد، فليس لنا أن نغدر، لأن الحرب خدعة، تمام: الحرب خدعة. لكن إذا عاهدت الكافر والمشرك، فلا يجوز لك أن تغدر. والحالات ثلاث لنا مع المشركين، ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن لا يكون بيننا وبينهم عهد، فيجب هنا قتالهم، طبعا بعد الدعوة إلى الإسلام كما سيأتي. الحالة الثانية: أن يكون بيننا وبينهم عهد محفوظ، وهم مستقيمون عليه، وهم مستقيمون عليه، فهذا لا يجوز لنا أن نغدر، لا يجوز لنا أن نغدر، لأن العهد لا يزال بيننا وبينهم، وهم ما نقضوه، وما نخاف أن ينقضوه، وهم مستقيمون عليه، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾. الحالة الثالثة: مع المشركين، أننا بيننا وبينهم عهد، لكن نخاف أن ينبذوا هذا العهد، وأن ينقضوا هذا العهد. فهنا نطلب منهم نقض هذا العهد، خلاص: ما في بيننا وبينكم عهد، لأن تخاف أن يغدروا بكم قبل أن تغدر بهم، وأنت توفي بالعهد، فلا تغدر بهم ابتداء، طالما بينك وبينهم عهد. لكن إذا خفت تنقض، أولا العهد، هذا في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. هذه ثلاث حالات، هذه ثلاث حالات مع المشركين. فقوله هنا في الحديث: "ولا تغدروا"، إذا كان بينكم وبينهم عهد، تمام، إذا كان بينكم وبينهم عهد، وهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. وأما قوله: "ولا تمثل"، التمثيل: هو قطع الأعضاء على سبيل التشويه، على سبيل التشويه، فهذا يسمى تمثيل، هذا يسمى تمثيل. فنهاهم عن التمثيل بالمشركين. لكن هل العلم ذكروا حالات جواز فيها؟ والصحيح أنه لا بأس، وذلك إذا مثل الكفار بالمسلمين، فتمكن المسلمون من بعض الكفار، فقال أهل العلم: نعم يجوز، بقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾. لأن عدم التمثيل بهم فيه ضعف للمسلمين، وعدم نكاية للكافرين، فأجاز بعض أهل العلم إذا كانت هذه الأمور متحققة، فيه نكاية بالكفار، وفيه كذلك أن المشركين والكفار هم الذين بدأوا بذلك، والله تعالى أعلم. قال: "ولا تقتلوا وليدا"، ومعنى وليدا: يعني صغيرا، لا تقتلوا صغيرا، لأنه ليس مقاتل، ليس مقاتل، فلعله يسلم، ولا خوف عليه، يعني: لا خوف منه على الإسلام، لأنه لا يقاتل ولا يعينهم. واستثنوا الوليد، أو الكبير، والمرأة، إذا كانت تقاتل معهم وتعين معهم، فيجوز قتلها. ولذلك جاءت بعض الروايات: "ولا تقتلوا راهبا"، يعني: يتعبد في صومعته، ما يقاتل معهم، ولا شيخا كبيرا، ولا شيخا كبيرا، لأنها ولا ربما يسلمون، ولا يعني ضرر على الإسلام منهم، ولا ضرر على الإسلام منهم. وهذا فيه أن القتل ليس لأجل أن يسلموا، ليس لأجل أن يسلموا، ولكنه لحماية الإسلام، لحماية الإسلام. ولذلك ذكرنا أن الوليد، أو المرأة، أو كبير، إذا كان يقاتل، فإنه يقتل، فإنه يقتل، لأنه يخاف عليه من النكاية بالمسلمين، من النكاية بالمسلمين. ثم قال: "وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال، قبل أن تقاتلهم، لا يكون القتل مباشرة، ولكن أولا كما سيأتي بدعوتهم". قال: "أو خلال"، خصال، الخلال بمعنى واحد. قال: "فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم"، أي واحد قبلوها، فاقبل، نعم. وهذا من سماحة الإسلام، وعدم إكراه على الإسلام إلا بقناعة، كما سيأتي. وهذا معنى قال الله عز وجل: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. قال: "فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم". ثم ادعوهم إلى الإسلام، هذا الأولى، أولا الدعوة إلى الإسلام، لعلهم يسلمون، وهذه الغاية من الجهاد، لماذا يجاهد المسلمون؟ لتكون كلمة الله العليا، ليدخل الناس في دين الله. فإذا تحقق هذا الشيء، الحمد لله، هذه الغاية والهدف الأعظم. طيب، فأولا تدعوهم إلى الإسلام. ولذلك قال: "ثم ادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم". ثم ادعوهم إلى التحول من دارهم، يعني: إذا أجابوك للإسلام، ثم ادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين. وهذا كأنهم، والله أعلم، الذين قوتلوا، أهل بادية، أهل بادية، فكيف يتعلمون الإسلام وهم في هذه البادية؟ فيؤمرون أن يذهبوا إلى المدن حتى يتعلموا دينهم، حتى يتعلموا دينهم. فهذا معنى قوله: "ثم ادعوهم إلى التحول"، يعني: الانتقال من دارهم، يعني: من البادية، إلى دار المهاجرين. هل معنى دار المهاجرين: إلى المدينة، أو أي بلد فيها العلم من بلاد الإسلام؟ الذي يظهر أنه أي بلد، وليس المراد بالمدينة فحسب. قال: "وأخبرهم أنهم إذا فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين"، يعني: إن هاجروا بعدما أسلموا، هاجروا إلى بلاد العلم، فلهم مثل ما للمهاجرين من الفيء والغنيمة ونحو ذلك. قال: "فإن أبوا أن يتحولوا منها"، قالوا: لا، نحن ما سنتحول، نسلم ونبقى في باديتنا. قال: "فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين". يعني: إذا بقوا في باديتهم، يعاملون معاملة الإعراب، معاملة الأعراب، عفوا، بفتح الهمزة، معاملة الأعراب. ومعاملة الأعراب أنهم ما لهم مثل ما للمهاجرين، فلا يعطون من الغنيمة، ولا يعطون من الفيء، ولا يعطون من الفيء. فهذا هو المراد. ولذلك قال: "يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء"، ومعنى حكم الله: يعني حكم الإسلام، "إلا أن يجاهدوا مع المسلمين". فيقول لهم: في الغنيمة والفيء، إذا جاهدوا وهم في باديتهم، ما هاجروا وخرجوا إلى بلاد المهاجرين، لكنهم خرجوا في الجهاد في سبيل الله، فهنا لهم من الفيء والغنيمة. قال: "فإن هم أبوا"، يعني: أبوا الإسلام، أبوا الإسلام. "فاسألهم الجزية"، يعني: اطلب منهم الجزية، اطلب منهم الجزية. والجزية: هو مال مدفوع من غير المسلم عوضا عن حمايته وإقامته بدار الإسلام، تسمى ماذا؟ جزية. كما قال الله عز وجل: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. فإذا ما أرادوا الإسلام، يدعون إلى الجزية، يدفعوا جزية، وتبقوا في بلادكم، هذه باعتبارها بلاد إسلام، ليست بلاد كفر، بلاد إسلام، تدفعوا لنا الجزية، وتبقوا في دياركم، وتكونون أذلاء. ومعنى أذلة: يعني ليس لكم ظهور ولا عز، بل حتى ذكر بعضهم أنهم في حال دفعهم للجزية يؤخرون في الوقوف، زيادة في الذلة، زيادة في الذلة. هذا هو معنى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. قال: "فإن هم أجابوك"، يعني: إلى الجزية، "فاقبل منهم، وكف عنهم"، خلاص، تركهم. "فإن هم أبوا"، ما أرادوا الإسلام، وما أرادوا دفع الجزية، "فاستعن بالله وقاتلهم"، خلاص، تبدأ الآن المقاتلة، فيقتل مقاتلتهم، ويسبى نساؤهم، وينتصر عليهم. وهذا فيه، كما تقدم، أن الإسلام لا يدعو مباشرة إلى القتال، وإنما أولا إلى الدعوة إلى الإسلام، ثم إلى دفع الجزية، فإن أبوا هذا وذاك، قتلوا بعد ذلك، قتلوا بعد ذلك. قال: "وإذا حاصرت أهل حصن"، والمحاصرة هي، كما ذكر العلماء، التضييق. أي: إذا جئتم إلى حصن، والحصن هو كل ما يتحصن به، سواء كان قصرا، أو حوشا، أو بيتا، كل ما يتحصن به يسمى حصن. فإذا جئت إلى حصن، والعدو بداخله، العدو بداخله، فحاصرتهم، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، قالوا: خلاص، أعطينا عهد الله وعهد نبيه، أن لا تفعلوا بنا كذا وكذا. فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ "فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه"، لأن ذمة الله وذمة نبيه ليست بالأمر الهين، فإذا خولف ذلك العهد، فأنا فيه منقص للعزيزي - يقصد: تنقص للعزة -. وهذا فيه شاهد آخر، فيه شاهد آخر للترجمة، للترجمة. لماذا؟ لأن قد يخفر وينقض بعض المسلمين هذا العهد، فيقعوا في المحظور، يقعون في المحظور. ولذلك قال: "ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك"، قل لهم: لا، لا أعطيكم ذمة الله وذمة رسوله، إنما أعطيكم ذمتي، أو ذمة أصحابي، يعني: عهد أصحابي، لأنهم بشر، وأهون، لو نقض أحد هذه الذمة، أهون من أن ينقضوا ذمة الله وذمة رسوله عليه الصلاة والسلام. ولذلك قال: "ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا"، يعني: تنقضوا، "ذممكم وذمة أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه". وهذا واضح. ثم قال: "وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوا أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم". هنا لماذا؟ ما ذكر. طيب، قولوا هنا: "وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوا أن تنزلهم على حكم الله"، يعني: قالوا لك: احكم فينا بحكم الله، نحن ما سنقاتلكم، ولكن احكم فينا بحكم الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنزلهم"، كلهم لا، ما سأحكم فيكم بحكم الله. لماذا؟ لأنه قد يخطئ حكم الله، صح، هذا الوالي أو هذا الحاكم قد يخطئ، يجتهد فيخطئ في حكم الله، والخطأ في حكم الله فيه ربما تناقض، إذا علم المشركون أنه يخالف حكم الله فيما بعد، صح. فلذلك لا ينزلهم على حكم الله. ولذا قال: "فلا تنزلهم، ولكن أنزلهم على حكمك"، قل لهم: لا، أنا سأحكم فيكم، أنا سأحكم فيكم بحكمي. ولذا قال: "فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا". إذا قلت: أنا سأحكم فيكم بحكم الله، ما يدريك؟ لعلك ما تصيب فيهم حكم الله. لكن ذكر العلماء أن هذه المسألة كانت في وقت التنزيل، لأن الوحي لا يزال ينزل، فنهي الأمير أن يحكم فيهم بحكم الله. لكن بعد التنزيل، يعني: بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، أجاز العلماء أن يحكم فيهم الأمير بحكم الله، لأنه يعتبر مجتهدا، والمجتهد بين الأجر والأجرين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد"، فله أجر واحد. فذكر العلماء هذا، أن هذا في زمن التنزيل، أن نهي عن الإنزال على حكم الله، أما بعد التنزيل فيجوز ذلك، ويكون هذا من الاجتهاد الذي فيه الحاكم بين الأجر والأجرين. قال: فيه مسائل. وعرفنا وجه الشاهد من هذا الحديث في قوله: "ولا تغدروا"، وفي قوله كذلك: "لا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه". قال: بيان المسألة الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه، وذمة المسلمين، يعني: أن ذمة الله وذمة نبيه أعظم، وأما ذمة المسلمين فهي أهون. هذا هو الفرق. الثاني: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا، وهذا في قوله: ماذا؟ في قوله: "ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك"، مع أن خفر الذمة، ولو كان من الأمير ومن أصحابه، فيه مفسدة، وليس فيه مفسدة، فيه مفسدة، لكنها أقل ضررا من مفسدة نقض عهد الله وعهد رسوله، أقل. فهذا معنى قول: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا. وهذا فيه القاعدة المعروفة لدى الأصوليين: تقديم المفسدة الدنيا على المفسدة العظمى، على المفسدة العظمى، وما يسمى بأخف الضررين. الثالثة: قوله: "اغزوا باسم الله في سبيل الله"، قلنا: هذا فيه الاستعانة بالله، وفيه كذلك الإخلاص في الغزو. الرابعة: قوله: "قاتلوا من كفر بالله"، يعني: قتال الكفار. الخامسة: قوله: "استعن بالله وقاتلهم"، هذا فيه كذلك التشجيع على قتالهم. السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء، فحكم الله يكون في أمر واضح من الكتاب والسنة، وأما حكم العلماء فهو قابل للخطأ والصواب، أما حكم الله فلا خطأ فيه. السابعة: في جواز أن الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا، لأنه قال: ماذا؟ قال له: ﴿لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللَّهِ أَمْ لَا﴾، فإنك لا تدري، فهو مجتهد. فأخذ المؤلف هذا من هذا، في جواز أن الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أي وافق حكم الله أم لا. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمه نانسي قنقر. ترجمه نانسي قنقر.