الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 91، ألقاها
يؤكد النص على وجوب الإيمان بجميع الرسل دون تفريق بينهم، ويعتبر الكفر ببعضهم كفرًا بالكل. هذا المبدأ مستمد من القرآن الكريم.
يرى أهل السنة والجماعة أن مرتكبي الكبائر لا يعتبرون كفارا، بل يخضعون لمشيئة الله. الكبائر هي ما ترتب عليها عقاب أو توعد بالنار.
تجوز الصلاة خلف من لم يعلم فسقه أو بدعته، وطاعة ولي الأمر واجبة في مواضع الاجتهاد. كما يجوز الدعاء بالمغفرة لمن مات من الأبرار والفجار.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الطحاوي رحمه الله: ونؤمن ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به. قال الشارح رحمه الله: الإشارة بذلك إلى ما تقدم مما يجب الإيمان به تفصيلا. وقوله: لا نفرق بين أحد من رسله، أي لا نفرق بينهم بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض، بل نؤمن بهم ونصدقهم كلهم. فإن من آمن ببعض وكفر ببعض كافر بالكل. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. الشاهد من الآية: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. قال الشارح رحمه الله: فإن المعنى الذي لأجله آمن من آمن به منهم موجود في الذي لم يؤمن به، وذلك الرسول الذي آمن به قد جاء بتصديق بقية المرسلين. فإذا لم يؤمن ببعض المرسلين كان كافرا بمن في زعمه أنه يؤمن به. الواجب على كل مسلم أن يؤمن بجميع الرسل، لأن من آمن ببعض وكفر ببعض فقد كفر بالكل، كما جاء في الآية المذكورة: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. فجعلهم الله جل وعلا كافرون، وأكد كفرهم بهذا المصدر: كافرون حقا. قال الشارح رحمه الله: فقوله: وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون، رد لقول الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار. لكن الخوارج تقول بتكفيرهم، والمعتزلة بخروجهم عن الإيمان. وأهل السنة والجماعة يقولون: من مات من أهل القبلة من أهل الإسلام من أهل التوحيد، وقد فعل بعض المعاصي وقارف بعض الذنوب، فإنه يموت عاصيا ولا يموت كافرا. فيكون عنده أصل الإيمان الذي به يدخله الله جل وعلا الجنة، إما حالا وإما مآلا. قال الشارح رحمه الله: واختلف العلماء في الكبائر على أقوال، فقيل: سبعة، وقيل: سبعة عشر، وقيل: ما اتفقت الشرائع على تحريمه. والأقرب فيها هو ما ذكر: ما يترتب عليها حد أو توعد عليها بالنار أو اللعنة أو الغضب. قال الشارح رحمه الله: وترجيح هذا القول من وجوه: أحدها أنه هو المأثور عن السلف. الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. فلا يستحق هذا الوعد الكريم من أوعد بغضب الله ولعنته وناره. قال الشارح رحمه الله: وقوله: وهم في مشيئة الله وحكمه إن شاء غفر لهم وعفى عنهم بفضله، فصل الله تعالى بين الشرك وغيره. لأن الشرك أكبر الكبائر، كما قال صلى الله عليه وسلم، وأخبر الله تعالى أن الشرك غير مغفور. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال الشارح رحمه الله: ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم. قال صلى الله عليه وسلم: «صلوا خلف كل بر وفاجر». رواه مقحول عن أبي هريرة رضي الله عنه. وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقافي. والحجاج كان من الأمراء الظلمة. قال الشارح رحمه الله: اعلم رحمك الله وإيانا أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقا باتفاق الأئمة. وليس من شرط الإئتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه. بل يصلي خلف المستور الحال. قال الشارح رحمه الله: وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر وإمام الصلاة والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد. وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك وتركوا رأيهم لرأيه. قال الشارح رحمه الله: وقوله: وعلى من مات منهم، أي ونرى الصلاة على من مات من الأبرار والفجار. وإن كان يستثنى من هذا العموم البغاة قطاع الطريق، وكذا قاتلوا نفسه. والشيخ إنما ساق هذا لبيان أن لا نترك الصلاة على من مات من أهل البدع والفجور. قال الشارح رحمه الله: فالتوحيد أصل الدين، والاستغفار له وللمؤمنين كماله. فالدعاء لهم بالمغفرة والرحمة وسائر الخيرات إما واجب وإما مستحب. وهو على نوعين: عام وخاص. أما العام فظاهر كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. وأما الدعاء الخاص فالصلاة على الميت. فما من مؤمن يموت إلا وقد أمر المؤمنون أن يصلوا عليه صلاة الجنازة، وهم مأمورون في صلاتهم عليه أن يدعو له. كما روى أبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء».