الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الإيمان بالبعث بعد الموت يوم القيامة هو ركن من أركان الإيمان، وقد ذكر الله البعث في القرآن وأورد أدلة عليه مثل خلق الإنسان أول مرة.
الآيات القرآنية تثبت البعث يوم القيامة، واستدل الله عز وجل على إمكانية البعث بخلق السماوات والأرض وتقلب الليل والنهار، وأقسم الله عز وجل بالبعث في القرآن الكريم.
المشركون أنكروا البعث بينما أثبته أهل الكتاب وغيرهم، والإيمان بالغيب يتضمن الإيمان بكل ما أخبر الله ورسوله عن يوم القيامة وأهواله.
الدرس اكتمل جزئياً وسيستكمل في درس لاحق، مع التأكيد على الثقة في العلم الإلهي وعلم الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى في العقيدة التي ألفها مع عقيدة السلف وأصحاب الحديث: قال رحمه الله: الإيمان بالبعث وأحوال الناس يوم القيامة. قال: ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه به ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أحوال ذلك اليوم الحق، واختلاف أحوال العباد فيه والخلق، فما يرونه ويلقونه هناك في ذلك اليوم الهائل من أخذ الكتب بالأيدي أو بالأيمان والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائر الزلازل والبلابل، والموعود في ذلك اليوم العظيم والمقام الهائل من الصراط والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر. فهذا الفصل جعله المؤلف رحمه الله تعالى في الإيمان بالبعث وأحوال الناس يوم القيامة، ولا شك أن الإيمان بالبعث من أركان الإيمان، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما سأله جبريل عن الإيمان، قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. فقوله: واليوم الآخر، أي كل ما كان في ذلك اليوم العظيم، فيبدأ من القبر إلى دخول الناس الجنة والنار، وما فيه من نعيم الجنة، وما في النار من الجحيم والعذاب الأليم، فالبعث داخل في هذا. وتجد أن البعث قد أكثر الله عز وجل من ذكره في القرآن، ذكر ربنا سبحانه وتعالى البعث في مواضع كثيرة في القرآن، بل قل أن تجد سورة من سور جزء عمّ إلا وفيها يذكر الرب جل وعلا البعث. وقد ذكر عليه أدلة كثيرة، ومن ذلك الاستدلال بخلق الإنسان على البعث، فهي من الأدلة التي استدل بها ربنا سبحانه وتعالى. خلق الإنسان دليل على البعث، ولهذا قال الله عز وجل في الرد على المنكرين للبعث: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم﴾. قال الله عز وجل: ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم﴾. فهذا العاص بن وائل، يقال أنها نزلت فيه، أنه أخذ عظمًا قد بلي، ففته، فقال: من يحيي هذا الرميم؟ من يحيي هذا العظم الرميم الذي قد رمّ وبلي؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآيات: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم﴾. معنى: من يحييها وقد رمت هذه العظام وبليت؟ فقال الله عز وجل: ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾، أنا كما أنه أنشأها من العدم، أنشأها ربنا جل وعلا من العدم، فهو قادر على أن ينشئها من شيء. وكذلك أيضًا استدل ربنا جل وعلا بخلق السماوات والأرض؛ لأنها أكبر من خلق الناس، لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلموا، فلهذا استدل بها في آيات كثيرة بخلق السماوات والأرض، والتقلب الليل والنهار، وغيرها من هذه الأدلة التي قد ذكرها ربنا جل وعلا في كتابه في أدلة البعث والنشور، وأن الناس يرجعون إليه سبحانه وتعالى. وربنا جل وعلا ليؤكد هذا الأمر العظيم، فقد أقسم ربنا جل وعلا أو أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقسم في ثلاث آيات من القرآن بالبعث، ومنها قول الله عز وجل في سورة يونس: ﴿قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين﴾. وقال جل وعلا: ﴿زعم الذين كفروا أن لا يبعثوا قل بلى وربي لتبعثون﴾، ﴿قل بلى وربي لتبعثون﴾. فهذا يدل على تأكيد هذا الأمر العظيم. وجاءت النصوص المتكاثرة التي لا شك فيها ولا ريب بإثبات البعث بعد الموت، وأن الناس يبعثون يوم القيامة، وهذا البعث يكون بعد يوم النشور، أي في يوم القيامة إذا نشر الناس ربنا سبحانه وتعالى من قبورهم، كما قال جل وعلا: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم﴾. فهذا الصدور هو البعث. وكذلك أيضًا بين ربنا جل وعلا أن هناك نفخة في الصور ينفخها الله عز وجل لبعث العباد، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، هذه نفخة البعث، وتسبقها نفخة الصعق التي تصعق العباد ويموتون: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون﴾. فلهذا فالبعث ثابت بالكتاب والسنة، وقد دلت كما قلنا العدل المتكاثرة على ذلك، وإنما أنكره كفار قريش، كفار قريش وكفار العرب أنكروا البعث، فلهذا تجد أن الله عز وجل دلل كثيرًا على وجوده. وإلا اليهود كانوا يؤمنون بالبعث، وكذلك النصارى وغيرهم من أهل الكتاب، وإنما هؤلاء المشركون هم الذين أنكروا البعث. وأما من كان منهم على دين إبراهيم كالحنفيين، فكانوا يثبتون البعث، كزيد بن عمرو بن نفيل، وقيس بن عاصم السعدي، وكذلك من تنصر منهم ورقة بن نوفل وغيرهم، بل حتى وجد في أشعار بعض الشعراء، ومي بن السلط، وكان في شعره أيضًا البعث. ثم قال رحمه الله: بكل ما أخبر به سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم من أهوال ذلك اليوم الحق. وهذا من الإيمان بالغيب، أننا نؤمن بكل ما أخبر الله عز وجل به وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم عن يوم القيامة من الحقائق التي ذكرها ربنا جل وعلا، حقائق الجنة والنار، لكن نحن لا نعرف كيفيتها وحقيقتها، لكن لها حقيقة يعلمها الله سبحانه وتعالى، لكن نعلم أنها موجودة، وأسماؤها موجودة غالبًا عندنا. كما قال ابن عباس رضي الله عنه: ليس في الدنيا ما في الجنة إلا الأسماء، هذه مثلًا الفواكه، وفاكهة مما يتخيرون، وذكر الله عز وجل أيضًا العنب، وذكر التمر، وذكر غيرها من الفواكه واللحوم وغيرها، فهذه يقول ابن عباس: ليس بينها وبين أمور الدنيا هذه إلا الأسماء فقط، أنها تسمى عنب، لكن عنب الجنة ليس كعنب الدنيا، بل أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر نبق الجنة، نبقها أي الدوم الذي يكون من السدر، فقال عليه الصلاة والسلام: وإن نبقها لكظلال هجر، نبق الدوم الواحدة مثل قلال هجر، وقلال هجر هذه هجر منطقة قرب مكة، كانت أصحابها يعملون قلال جرار كبيرة عرفت بكبرها، مثل ما كان عندنا الزيارة التي تستخدم قديمًا، فهذه الدوم الواحدة مثل قل من قلال هجر، هذا يدل على كبرها، فما بالك بغيرها من الفواكه؟ لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام يقول في حديث أبي هريرة: قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال أبو هريرة: وإن شئتم فاقرءوا قول الله عز وجل: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾. فلا تعلم نفس ما أخفي لها من قرة أعين، مما في الراحة والنعيم العظيم الذي ستلقاه يوم القيامة، لكن الله عز وجل أخفاه عن عباده. فهذه بعض الأشياء، وإن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق. والله تعالى أعلم.