الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 12، ألقاها
يشرح مفهوم توحيد الإلهية وعلاقته بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، ويستدل على ذلك من القرآن الكريم والأحاديث النبوية. يُؤكد أن التوحيد هو أساس الدين القيم الذي لا تبديل له.
يشرح معنى حديث "كل مولود يولد على الفطرة" ويبين أن المراد بالفطرة ليس أن المولود يكون عارفا بالله تعالى عند ولادته، وإنما أن فطرته تقتضي معرفة الله والإسلام. يوضح أن الأبوين يغيرون هذه الفطرة بتربيتهم له على دين معين.
يشرح دلائل الفطرة على وجود الله والإيمان به، ويبين أن الإنسان مفطور على جلب المنافع ودفع المضار. يستشهد بقصة أبي حنيفة مع أهل الكلام في تقرير توحيد الربوبية، ويبين أن القرآن مملوء بتقرير توحيد الربوبية والألوهية.
يفسر قوله «أإله مع الله» على أنه استفهام إنكاري ينفي وجود إله آخر مع الله تعالى، ويؤكد استحالة ذلك. يبين أن علماء المعاني يرون أن هذا النوع من الاستفهام يفيد النفي القاطع مع التأكيد على استحالة الأمر المذكور.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: وعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية الذي يتضمن توحيد الربوبية، قال تعالى: ﴿فَاقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾، ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾، قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فقال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، ولا يقال: إن معناه يولد ساذجا، ساذجا لا يعرف توحيدا ولا شركا، ساذجا، ولا يقال: إن معناه يولد ساذجا لا يعرف توحيدا ولا شركا، كما قال بعضهم لما تلونا، ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل: «خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين» الحديث، وفي الحديث المتقدم ما يدل على ذلك، حيث قال: «يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، ولم يقل: «يُسلمانه»، في رواية: «يولد على الملة»، وفي أخرى: «على هذه الملة». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى: «فعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الألوهية»، كما تقدم معنا الشرح، هذا كلام أن الله عز وجل إنما بعث الرسول بتوحيد الإلهية، وأما توحيد الربوبية فإن عامة أهل الأرض يقرون به، وإنما وقع من بعضهم إنكاره إنكار جحد، أي وهم يعلمون أن الله جل وعلا هو الرب حقيقة. قوله رحمه الله: «وهو يسرد الأدلة»، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة»، «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، والحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قوله: «كل مولود يولد على الفطرة»، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال: ومعلوم أن قوله: «كل مولود يولد على الفطرة»، ليس المراد به أنه حين ولدته أمه يكون عارفا بالله موحدا له، واضح جماعة، ليس معناه أنه حين ولدته أمه يكون عارفا بالله موحدا له، قال: بحيث يعقل ذلك، فإن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، قال رحمه الله: ونحن نعلم بالإضطرار أن الطفل ليس عنده معرفة بهذا الأمر، ولكن ولادته على الفطرة تقتضي أن الفطرة تقتضي ذلك وتستوجبه بحسبها. قوله رحمه الله تعالى: «كل مولود يولد على الفطرة»، هو ما سمعتموه، وقوله رحمه الله بعد أن ذكر الحديث قال: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، قال: ولا يقال: إن معناه يولد ساذجا، أي مغفلا لا يعرف ما ينفعه مما لا ينفعه، قال: لا يعرف توحيدا ولا شركا، لا يقال هذا، لا يقال بأنه خلق ساذجا لا يعرف توحيدا ولا شركا، كما قال بعضهم لما تلونا، قال: ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل: «خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين»، خلقت عبادي حنفاء، أي على ماذا؟ على الأصل، خلقهم الله عز وجل على دين الفطرة، لذا إذا مات الإنسان على هذه الحال، فقد مات على دين الفطرة، مات على ماذا؟ على دين الفطرة، على الإسلام، يحكم عليه بماذا؟ بالإسلام، لماذا؟ لأنه مات على الفطرة التي فطر الله جل وعلا عليها خلقهم. قوله رحمه الله: «ومنها أن يقال: لا ريب أن الإنسان قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقا وتارة ما يكون باطلا»، وهو حساس متحرك بالإرادات، ولابد له من أحدهما، ولابد له من مرجح لأحدهما، ونعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يصدق وينتفع، وأن يكذب ويتضرر، مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع، وحينئذ فالاعتراف بوجود الصانع والإيمان به هو الحق، أو نقيضه، والثاني فاسد قطعا، فتعين الأول، فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمان به. قوله رحمه الله تعالى: «ومنها أنه مفطور على جلب المنافع ودفع المضار بحسبه»، أي بحسب ذلك النافع وذلك الضار، أي إذا كان نافعا عظيما كانت الفطرة مندفعة إليه، وإذا كان قليلا كانت بحسبه، وهكذا، وإذا كان الضار عظيما نفرت منه كثيرا، وإذا كان قليلا كانت كذلك بحسبه، فيفصل بحسبه على هذا المعنى. قوله رحمه الله تعالى: «ويحكى عن أبي حنيفة رحمه الله أن قوما من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية»، فقال لهم: «أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها وتعود بنفسها فترسي بنفسها وتفرغ وترجع كل ذلك من غير أن يدبرها أحد»، فقالوا: «هذا محال لا يمكن أبدا»، فقال لهم: «إذا كان هذا محالا في سفينة فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله». قوله رحمه الله: «وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه كان مشركا من جنس أمثاله من المشركين»، والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه وضرب الأمثال له، ومن ذلك أنه يقرر توحيد الربوبية ويبين أنه لا خارق إلا الله، وأن ذلك مستلزم أن لا يعبد إلا الله، فيجعل أول دليل على الثاني إذ كانوا يسلمون في الأول وينازعون في الثاني، أن يسلموا في توحيد الربوبية وإنما ينازعون في توحيد الألوهية. قوله رحمه الله تعالى في الآية المذكورة: «أإله مع الله»، أي: أإله مع الله فعل هذا، قالوا: هذا استفهام إنكار يتضمن نفي ذلك، وقد ذكر علماء المعاني رحمهم الله تعالى أن الاستفهام الإنكاري يفيد معنى النفي وزيادة، بمعنى أن هذا الأمر منفي، ويفيد كذلك زيادة ما هو تحقيق هذا الأمر، وأن هذا لا يكون، وأن هذا ماذا؟ لا يكون.