الدرس في التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 14، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
ينبه الدرس إلى خطورة طلب العلم بنية الرياء أو السمعة أو المناصب الدنيوية، مبيناً أن هذه النوايا تفسد الإخلاص وتحول العبادة إلى آثام. ويؤكد أن إصلاح النية هو أساس آداب العالم والمتعلم لأن العلم عبادة لا تُقبل إلا خالصة لله.
يشدد المقطع على أن العلم وسيلة والعمل ثمرة، فمن تعلم ولم يعمل كان حجة عليه، مستشهداً بحديث الثلاثة الذين يسعر بهم النار. ويوصي طالب العلم بالعمل بما يتعلمه والتحلي بالأخلاق الحسنة التي يدعو إليها، مبتعداً عن الأخلاق المذمومة.
يبرز الدرس أن أهل العلم هم قدوة للناس، فتكبر زلاتهم بقدر مكانتهم، مستشهداً بخطأ الإمام الشافعي في مسألة نسخ السنة للقرآن. ويختم بضرورة أن يكون الواعظ مطبقاً لما يعظ به، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه. أما بعد: قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في رسالته «آداب المعلمين والمتعلمين»: «وليحذر من طلب العلم للأغراض الفاسدة والمقاصد السيئة»، والمقاصد السيئة: من المباهاة والمماراة والرياء والسمعة، أو أن يكون له وسيلة إلى الأغراض الدنيوية والرئاسة، يعني: يجعل من طلبه للعلم ومشرعه للعلم لكي يتوصل إلى أغراض دنيوية كالجاه أو المال أو المنصب والرئاسة، والرئاسة تعتبر من الأمراض التي يجب أن يتنزه عنها أهل العلم. قال: «فليست هذا حال أهل العلم الذين هم أهله في الحقيقة، ومن طلب العلم واستعمله في أغراضه السيئة أو رياء أو سمعة فليس له في الآخرة من خلاق»، أي: ليس له في الآخرة من نصيب. وخلاصة هذا يا إخوان: هو إصلاح النية، وهذا من أعظم الآداب التي لا يستغني عنها العالم والمتعلم، وذلك أن العلم طلبه وتبليغه كل ذلك يعتبر من العبادات العظيمة، والعبادات لا تقبل إلا إذا كانت خالصة لوجه الله عز وجل. وأما هذه المقاصد السيئة والأغراض الفاسدة فإنها تفسد الإخلاص، كأن يكون قصده أن يلفت الأنظار إليه، يقوم يلقي كلمة أو يخطب خطبة أو يقوم بدرس لكي يلفت أنظار الناس، أو أن يشار إليه بالبنان، أو يريد أن يترأس المجالس بمباهاة العلماء ومماراة السفهاء، فكل ذلك مما يجعل هذه العبادة آثاما وبالا على صاحبها. وقد سبق معنا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في أولئك الذين هم أول من تسعر بهم النار، وهم ثلاثة، أولهم: رجل تعلم العلم لكي يقال عالم، لكي يقال عالم، فيؤمر به فيسحب على وجهه إلى النار، وبئس القرار. يا إخوان، السبب في ذلك هو النية الفاسدة التي عند هذا المعلم أو ذاك المتعلم أو ذاك المتعلم. وكذلك أيضا كما قيل: «وعالم بعلمه لم يعملن معذب في النار قبل عباد الوثن، قبل عباد الوثن». قال رحمه الله تعالى: «ومن أعظم ما يتعين على أهل العلم الاتصاف بما يدعو إليه العلم من الأخلاق والأعمال والتعليم». قال: «فهم أحق الناس بالاتصاف بالأخلاق الجميلة والتخلي من كل خلق رذيل». أولى الناس يا إخوان بهذا هم أهل العلم، وحملة العلم، أن يعملوا بهذا العلم فيتحلوا بالأخلاق الفاضلة والصفات الجميلة التي جاء في القرآن الكريم الحث عليها والترغيب فيها، وهكذا يبتعد عن الأخلاق السيئة وعن الصفات الذميمة التي جاء في القرآن، وهكذا في السنة التحذير منها. وإلا يا إخوان فما فائدة العلم إذا كان الشخص لا يعمل بهذا العلم؟ العلم وسيلة والعمل ثمرة، كيف يحافظ على الوسيلة ويخطئ الثمرة التي ينبغي أن يحرص عليها؟ وهكذا أيضا ينبغي أن نعلم، ينبغي أن نعلم أن الشخص إذا تعلم ولم يعمل بهذا العلم كان ذلك وبالاً عليه وحجة ليست له وإنما عليه. قال: «وهم أولى الناس بالقيام بالواجبات الظاهرة والباطنة وترك المحرمات، لما تميزوا به من العلم والمعارف التي لم تحصل لغيرهم، لم تحصل لغيرهم». قال: «ولأنهم قدوة الناس في أمورهم، ولأنه يتطرق إليهم من الاعتراض والقداح عندما يتركون ما يدعو إليه العلم أعظم مما يتطرق إلى غيرهم». ولهذا يا إخوان، الناس ينظرون إلى صاحب العلم بمنظار دقيق جدا، بمنظار دقيق جدا، وكما قيل: «قد هيأوك لأمر لو فطنت له، فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل». لا تقول: الناس يتابعون، والناس ينظرون، والناس يفعلون، وأنا مثلهم. فماذا؟ أنت قدوة، وينبغي أن يكون الشخص قدوة حسنة، قدوة حسنة. وكذلكم أيضا كلما عظم قدر الشخص كلما عظم خطأه، كلما عظم خطأه. ولهذا ذكر الإمام ابن قيا الهراسي الطبري، أحد علماء الشافعية، ابن قيا الهراسي الطبري، أحد علماء الشافعية، وله كتاب في تفسير آيات الأحكام، ذكر عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن الشافعي كان يقول: إن السنة لا تنسخ القرآن. فخالف الشافعي رحمه الله قولا الكثير من أهل العلم، وعد من أخطاء الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. قال هذا الهراسي الطبري رحمه الله: «ماذا؟ هفوات الكبار على أقدارها». هفوات: يعني أخطاء وزلات الكبار على أقدارها. ومن عظم قدره عظم خطأه، ومن عظم قدره عظم خطأه. ولهذا يا إخوان لا يصلح أن يكون الشخص يعظ الناس ويذكر الناس ويعلم الناس ثم هو لا يقوم بذلك ولا يتحلى بذلك. مواعظ الواعظ لن تقبل، مواعظ الواعظ لن تقبل حتى يعيها قلبه أولا. يا قوم، من أظل من واعظ خالف ما قد قاله في الملأ؟ أظهر بين الخلائق إحسانه، وخالف الرحمن لما خلى. وصدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾. فالواجب يا إخوان على طالب العلم أن يحرص على أن يعمل بعلمه، وأن يتحلى بالأخلاق الفاضلة والأعمال الجميلة التي يعلمها للناس والتي تعلمها هو، وأن يبتعد عن الأخلاق السيئة وعما يكون سببا للقدح فيه والطعن فيه. فنسأل المولى تبارك وتعالى أن يعيننا على ذلك وأن يوفقنا في ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.