التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 14

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 14، ألقاها

تقسيم التوحيد وبيان أنواعه

يناقش تقسيم التوحيد إلى نوعين: توحيد في الإثبات والمعرفة وتوحيد في الطلب والقصد، ويوضح معانيهما وأدلتهما من القرآن. يشير إلى أن القرآن كله يدور حول التوحيد وحقوقه وجزائه.

شرح شهادة الله تعالى بالتوحيد ودلالتها

يشرح معنى شهادة الله لنفسه بالتوحيد ودلالتها على وحدانيته، ويبين مراتب الشهادة الأربع. يوضح أن هذه الشهادة تتضمن الإلزام بعبادة الله وحده وتختلف عن الشهادة البشرية.

بيان وضوح الدين في القرآن والسنة

يؤكد على وضوح القرآن والسنة في الدين، ويستشهد بالآيات التي تظهر وضوح البيان الإلهي. ينتقد آراء الجهمية والمعتزلة الذين يرون أن ظاهر القرآن يحتمل التأويل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: أنواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل. قال: ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، لا يزال الشيخ رحمه الله تعالى يقرر ويكرر الكلام على التوحيد، وهو - كما هو معلوم - أصل الأصول؛ لأن دين الله جل وعلا مبناه على التوحيد. والشيخ رحمه الله تعالى، كما مر معنا، ذكر فيما مضى أقسام التوحيد، وأنه على ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وشرح توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، ولم يشرح توحيد الأسماء والصفات. فما ندري: هل وقع سقط، فلم يذكر توحيد الأسماء والصفات، أم أنه تركه لأمر آخر، باعتبار أنه سيأتي - معنا - تقرير لهذا التوحيد في ضمن الكتاب؟ ومع هذا كرر هاهنا مرة أخرى الكلام على أنواع التوحيد بالتقسيم الآخر. لأن التوحيد - عند أهل السنة والجماعة - كما مر معنا، لهم في ذلك تقسيمان؛ لأهل السنة والجماعة في تقسيم التوحيد لهم تقسيمان: تقسيم ثلاثي، وتقسيم ثنائي. ثلاثي: إلى توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات. وتقسيم ثنائي: إلى هذا المذكور هاهنا في قوله: «نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد». وقوله رحمه الله تعالى: «توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد»، هذا الكلام المذكور مأخوذ ومختبس من كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في «مدارج السالكين». فهذا المبحث - من أوله إلى آخره، أو إلى الكلام على الشهادة - كله مأخوذ من «مدارج السالكين» للعلامة ابن القيم، من المجلد الثاني، صفحة 499 و400 فما بعد. وقوله رحمه الله تعالى: «ثم التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وسمي هذا التوحيد بهذا الاسم؛ لأنه يتضمن إثبات ذات الرب وأسمائه وصفاته وأفعاله، معرفة واعتقادًا، ثابتًا. وتوحيد في الطلب والقصد، وسمي بهذا؛ لأنه يتعلق بعمل المرء ونيته ومراده من ذلك، وما يقصد بعمله». وهذا هو توحيد الإلهية. والأول يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات. ذكر هذا الشيخ الخميس حفظه الله تعالى في تعليقاته على شرح الطحاوية، قال رحمه الله: «فالأول هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر به عن نفسه، وكما أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم». وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول «الحديد»، وآخر «الحشر»، وأول «الإسراء» من «تنزيل السجدة»، وأول «آل عمران»، وسورة «الإخلاص» بكاملها، وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: «إنه إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، ليس كمثل شيء في ذلك كله». ومعنى هذا: إثبات توحيد الربوبية، والأسماء والصفات. الثاني: وهو توحيد الطلب والقصد، مثل ما تضمنته سورة «قل يا أيها الكافرون»، و«قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم»، وأول سورة «تنزيل الكتاب»، وآخرها، وأول سورة «يونس»، وأوسطها، وأول سورة «الأعراف»، وآخرها، وجملة سورة «الأنعام»، وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل سورة في القرآن، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي. يعني: الأول توحيد الربوبية والأسماء والصفات، والثاني توحيد إلهية - توحيد العبادة - والقرآن جاء بذلك كله، جاء بتقارير ذلك كله فضلًا. وهذا رحمه الله: «وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده، وإما فعل وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقوبة من العذاب، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد». فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم. فالحمد لله رب العالمين، توحيد «الرحمن الرحيم»، توحيد «مالك يوم الدين»، توحيد «إياك نعبد وإياك نستعين»، توحيد «إهدنا الصراط المستقيم»، توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، «صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين» الذين فارقوا التوحيد. إذن: سورة الفاتحة - من أولها إلى آخرها - كلها على التوحيد؛ إما توحيد الألوهية، وإما توحيد الربوبية، وإما توحيد الأسماء والصفات، وإما طلب الهداية والعون من الله جل وعلا، وهي من العبادة، وإما كذلك طلب البعد عن طريق الضالين والمغضوب عليهم، وهذا كذلك من التوحيد. فإذن: قول «الحمد لله رب العالمين» توحيد؛ «الحمد لله رب العالمين» معناه: أن الله جل وعلا هو المستحق لكل حمد وسناء، «الحمد لله رب العالمين» يدل على أن الله جل وعلا هو المتفرد بالحمد المطلق والثناء المطلق، والمستحق للعبادة وحده سبحانه وتعالى، وأنه رب العالمين. إذن: جمع في قوله سبحانه وتعالى «الحمد لله رب العالمين» بين توحيد الإلهي وتوحيد الربوبية، وفي قوله «الرحمن الرحيم» توحيد الأسماء والصفات، وفي قوله «مالك يوم الدين» فيه كذلك توحيد؛ باعتبار أن الله جل وعلا هو المالك ليوم الدين - أي لليوم الآخر - يتصرف به من شاء، أو يتصرف فيه كيف شاء، وتصرفه وفعله سبحانه وتعالى في يوم الجزاء دائر بين الفضل والعدل. فإما أن يتفضل على أهل التوحيد فيكرمهم بالجنة، وإما أن يحكم بالعدل لأهل الشرك ومن خالف طريق التوحيد، فيحكم عليهم بالعذاب والنكال، وهذا من معرفة الجزاء لأهل التوحيد، ومعرفة الجزاء كذلك لمن خالف طريق التوحيد. وقوله «إياك نعبد وإياك نستعين» فيه كذلك معنى طلب العبادة من الله جل وعلا، وأنه المستحق للعبادة وحده، «وإياك نستعين» أنه لا يستعان إلا بالله جل وعلا، فيه معنى من تحقيق الربوبية، وأن الله جل وعلا يستعان به وحده، وكذلك فيه بدلالة اللزوم - دليل على توحيد الألوهية. وقوله «إهدنا الصراط المستقيم» طلب ودعاء لسلوك الصراط المستقيم، «صراط الذين أنعم الله جل وعلا عليهم»، كما جاء في الآية الأخرى: «مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا». إذن: هذا دعاء، والدعاء عبادة، وهو - لما كان لله جل وعلا - كان كذلك ماذا؟ توحيدًا من توحيد الإلهية. وقوله «غير المغضوب عليهم ولا الضالين» كذلك فيه معنى من معاني طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وطلب البعد عن طريق الغاوين الضالين المغضوب عليهم. فهذا - كما ذكر رحمه الله تعالى - السورة من أولها إلى آخرها تدل على التوحيد؛ إما بدلالة المطابقة، وإما بدلالة التضمن، وإما بدلالة اللزوم. وهكذا شهد الله لنفسه بهذا التوحيد، وشهدت له به ملائكته، وأنبياؤه ورسله، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:18]، فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد، والرد على جميع طوائف الضلال. فتضمنت أجل شهادة، وأعظمها، وأعدلها، وأصدقها، من أجل شاهد، بأجل مشهود به. إذن: هذه الآية - كما ذكر رحمه الله تعالى - تضمنت إثبات حقيقة التوحيد. ما هي حقيقة التوحيد؟ «لا إله إلا هو»، أي: لا إله إلا الله، أي: لا يستحق العبادة أحد سوى الله. وعلى هذا شهد الله، وعلى هذا أشهد الله جل وعلا الملائكة، وعلى هذا أشهد الله جل وعلا كذلك الرسل، أشهد «أولو العلم»، أشهد بذلك «أولو العلم». فلذا قال رحمه الله: «فتضمنت أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها؛ لأنها شهادة الحق». قال: «من أجل شاهد»، من هو الشاهد عليها؟ رب العالمين، الشاهد عليها رب العالمين، وأشهد عليها كذلك من الملائكة، وأشهد عليها كذلك «أولو العلم»، ويدخل في «أولو العلم» دخولًا أوليًا: من الرسل والأنبياء؛ الرسل والأنبياء فهم أئمة «أولو العلم»، أئمة «أولو العلم»، بل أئمة، بل أهل العلم إنما هم تلامذة، من تلامذة الرسل والأنبياء؛ لأنهم إنما أخذوا العلم من طريقهم، أخذوا العلم عن طريقهم. قولهم «بأجل مشهود به»، أي: شهادة «لا إله إلا الله»، شهادة «لا إله إلا الله». إذن: هذه الآية تضمنت أعظم مشهود، وتضمنت أعظم شاهد؛ فالله جل وعلا هو الشاهد، والمشهود عليه هو «لا إله إلا الله». وعبارات السلف في «شهد» تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار. وهذه الأقوال كلها حق، لا تنافي بينها؛ فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه. قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «وهذه الأقوال - يعني الكلام - كما سمعتم من ابن القيم ونقله عن ابن أبي العز، قال: وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها». وفي هذا إشارة إلى تطبيق للقاعدة - عند المفسرين - القاعدة عند المفسرين: أن الآية إذا احتملت أكثر من معنى، ولم يكن بينهما تنافر ولا تناقض، فإن الآية تحمل عليها جميعًا؛ لأن القرآن من أعظم الكلام وأبلغه، ومن أشد أكثره معنى. فالله جل وعلا ربما يذكر في الآية الواحدة أكثر من معنى، فيفسرها المفسرون تارة بجزء من معناها، وتارة بلازمها، وتارة بتمثيله، وتارة بحقيقة معناها. فيكون جميع التفاسير لا تنافر بينها؛ لأن الكل يدور حول معنى واحد. هذا بجزء من الآية، وهو لا ينافي الكل، والآخر بلازم الآية، وهو لا ينافي دلالة المطابقة، والآخر بدلالة المطابقة. وهكذا فالكل يفسر الآية بتفسير لا يخرج عن كونه صحيحًا. وهذا الأمر كذلك هاهنا؛ فالعلماء رحمهم الله تعالى فسروا «شهد» تارة بالحكم، وتارة بالقضاء، وتارة بالإعلام، وتارة بالبيان، وتارة بالإخبار. فهل بينها تنافر؟ يقول: لا. وسيأتي بيان ذلك. فلها أربع مراتب. فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته. إذن: أول مراتب الشهادة - قال - علم: أن ينبغي أن تكون الشهادة مبنية على العلم، مبنية على العلم والمعرفة، وأيضًا مبنية على اعتقاد صحة المشهود عليه. ما يشهد بالظن، وإنما يشهد بماذا؟ بشيء صحيح، قد اعتقد صحته، اعتقد ثبوته. هذا الأمر الأول. وثانيها: تكلمه بذلك، وإن لم يعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه، ويتذكرها، وينطق بها، أو يكتبها. معنى هذا كذلك: أن الشهادة - بعد أن يعتقد صحتها - ينطق بما علم، ينطق بما علم، أو أنه يكتب، أو أنه يعلم - يعلم إما أن يعلم الغير، وإما أن لا يعلم الغير - لابد أن يحصل له ماذا؟ أولًا: تكلمه بذلك، أن يتكلم بهذه الشهادة، وأنها الحق. قال: «وثالثها: أن يعلم غيره بما يشهد به، ويخبره به، ويبينه له»، أي: يخبر الغير بما شهد به وعلمه. قال: «ورابعها: أن يلزمه بمضمونها، ويأمره به»، أي: بذلك المشهود به. والمشهود به ها هنا ماذا؟ شهادة أن لا إله إلا الله. قال رحمه الله: «فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقصد تضمنت هذه المراتب الأربع: علمه بذلك سبحانه، وتكلمه به، وإعلامه وإخبره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به». إذن: قول الله جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:18] تضمنت هذه المراتب الأربع. فالله جل وعلا علم بذلك - المشهود به - وأنه حق، وكذلك نطق به، وأعلم به غيره، ثم ألزم به عباده، ألزم به العباد أن يلتزموا بهذا الأمر، أن يلتزموا بأنه لا إله إلا الله. قال رحمه الله: «فأما مرتبة العلم، فإن الشهادة تضمنتها ضرورة؛ وإلا كان الشاهد شاهدًا بما لا علم له به». قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:86]، وقال صلى الله عليه وسلم: «على مثلها فاشهد» وأشار إلى الشمس. قال رحمه الله: «وأما مرتبة التكلم والخبر، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:19]، فجعل ذلك منهم شهادة، وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة، ولم يؤدوها عند غيرهم»، أي: لما تكلموا فيما بينهم، وأخبر بعضهم بعضًا بهذا الأمر، سمى الله جل وعلا ذلك التكلم، وذلك الخبر: شهادة. فدل على أن الشهادة تطلق على التكلم والخبر. قال رحمه الله: «وأما مرتبة الإعلام والإخبار، فنوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل». وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر، تارة يعلمه به بقوله، وتارة بفعله. ولهذا كان من جعل داره مسجدًا، وفتح بابها، وأذن للناس بالدخول والصلاة فيها: معلمًا أنها وقف، وإن لم يتلفظ به. وكذلك من وجد متقربًا إلى غيره بأنواع المسار: يكون معلمًا له ولغيره أنه يحبه، وإن لم يتلفظ بقوله. وكذلك بالعكس. وكذلك شهادة الرب عز وجل، وبيانه وإعلامه: يكون بقوله تارة، وبفعله أخرى. فالقول: ما أرسل به رسله، وأنزل به كتبه. وأما بيانه وإعلامه بفعله: فكما قال ابن كيسان: «شهد الله بتدبيره العجيب، وأموره المحكمة - عند خلقه - أنه لا إله إلا هو». وقال آخر: «وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد». ومما يدل على أن الشهادة تكون بالفعل: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة:17]، فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه. وهذا واضح. بمعنى: أن الإنسان قد يعلم غيره تارة بالقول، وتارة بماذا؟ بالفعل. وهذا معلوم؛ كما يقال: عند الخاصة والعامة. وكان نبي صلى الله عليه وسلم تارة يعلم الصحابة بالقول، بأمر أو نهي، أو ما شابه ذلك. وتارة بالفعل: يفعل الشيء، فيراه الصحابة، فيمتثلون أمره. قال رحمه الله: «فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه». واضح. فإذن: الشهادة تطلق، ويراد بها: شهادة الإنسان بالفعل على نفسه، بماذا؟ بالفعل. كما في هذه الآية. قال رحمه الله: «هو المقصود: أنه سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه، ودلالتها إنما هي بخلقه وجعله». من الفعل. إذن: يريد الشيخ رحمه الله تعالى أن يقرر: أن الله جل وعلا شهد على هذا - بالفعل - شهد على وحدانيته سبحانه وتعالى بالفعل؛ كما أنه شهد - وعلى وحدانيته - بماذا؟ بالقول. قال رحمه الله: «وأما مرتبة الأمر بذلك والإلزام به - وهي المرتبة الرابعة - وأن مجرد الشهادة لا يستلزمه، وأن مجرد الشهادة لا يستلزمه؛ لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه، وتتضمنه». يعني: قد يقول قائل: الشهادة - من حيث لفظ الشهادة - من حيثها: لا تدل على الإلزام، على إلزام الغير بها. واضح. لا. لفظ الشهادة - من حيث هو - بقطع النظر عن المشهود: لا يدل على إلزام الغير بأن يمتثل تلك الشهادة، وأن يعمل بمضمون تلك الشهادة. قال رحمه الله: «فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به، وقضى، وأمر، وألزم عباده به». واضح. فالله جل وعلا - حينما قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران:18]، هل معنى هذا: أنه أراد مجرد الإخبار والإعلام فقط؟ أم أنه أراد شيئًا زائدًا؟ الجواب: أنه أراد شيئًا زائدًا. ما هو هذا الشيء؟ هذا الشيء: أن هذا الإخبار متضمن لأمر عباده بامتثال هذا الخبر، وما تضمنه هذا الخبر من الأمر بتصديق ذلك الخبر، وبامتثال ما تضمنه ذلك الخبر من الأمر؛ الأمر بماذا؟ الأمر بالتزام معنى «لا إله إلا الله»، وما دلت عليه «لا إله إلا الله» من أن الله جل وعلا وحده هو المستحق للعبادة. إذن: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران:18] على معنى الأمر والإلزام؛ بطريق ماذا؟ بطريق التضمن، في هذه الآية، وفي هذا الموضع. واضح. كما قال تعالى في آيات أخرى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:23]، وإلى آخر ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى من الآيات الدالة على إلزام الله جل وعلا عباده، وأمر الله جل وعلا عباده بأن يؤمنوا بهذا الأمر، وأن يمتثلوا هذا الأمر، ويقروا بأنه لا إله إلا الله، ويمتثلوا ذلك، ويعملوا بمقتضى ذلك العلم. قال رحمه الله: «ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك: أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو، فقد أخبر وبيّن وأعلم وحاكم وقضى: أن ما سواه ليس بإله، وأن إلهية ما سواه باطلة». فلا يستحق العبادة سواه؛ كما لا تصلح الإلهية لغيره. وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلهًا، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلهًا. وهذا يفهم المخاطب من هذا النفي والإثبات. كما إذا رأيت رجلًا يستفتي رجلًا، أو يستشهده، أو يستطبه، وهو ليس أهلًا لذلك، ويدعو من هو أهل له. فتقول: «هذا ليس بمفتٍ ولا شاهد ولا طبيب، المفتي فلان، والشاهد فلان، والطبيب فلان». فإن هذا: أمر منه، ونهي. أيها؟ يعني: معنى هذا: أن الله جل وعلا «لا إله إلا الله» في قول: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران:18] يدل على معنى الأمر والإلزام بهذه الكريمة. قال رحمه الله: «وإن كانت صورتها صورة الخبر، ولكن متضمنة للأمر». كما مثل بهذا المثال: إذا جاء إنسان إلى إنسان ليس معروفًا بالفتيا، يستفتيه. فقلت له: «لهذا ليس مفتٍ، إنما المفتي فلان». ما معنى هذا الكلام؟ هل مجرد خبر؟ أم أنك تأمره بأن يستفتي فلان؟ المعنى الثاني. واضح. فـ «شهد الله أنه لا إله إلا الله» خبر متضمن لماذا؟ متضمن للأمر. تفضل. قال رحمه الله: «وأيضًا فالآية دالة على أنه وحده المستحق للعبادة». فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة: تضمن هذا الإخبار أمر العباد، وإلزامهم بأداء ما يستحق الرب تعالى عليهم. وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم؛ لأن معنى «لا إله إلا الله»: لا معبود حق إلا الله. وما عبد سواه، عبادة باطلة. فإذا كان هذا المعنى: فمعنى قول الله جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران:18] يدل على هذا المعنى، ويقتضيه. قال رحمه الله: «وأيضًا فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجملة الخبرية». ويقال للجملة الخبرية: قضية، وحكم. وقد حكم فيها بكذا. قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ يَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:151-152-153]، فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكمًا. قال رحمه الله: «ولكن هذا حكم لا إلزام معه». يعني: قوله رحمه الله: «لفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجملة الخبرية». يعني: مثال ذلك: تقول - مثلًا - في الأمر أو النهي - مثلًا - الصادر عن الحاكم: «حكم الحاكم بكذا». ما معنى «حكم الحاكم بكذا»؟ أي: تخبر عما أمر به الحاكم. فأنت تقول: «حكم»، فهي خبر بمعنى ماذا؟ بمعنى ما أمر به الحاكم، وبما قضى به القاضي، وما شابه ذلك. وقوله رحمه الله تعالى: «يستخدم في الجملة الخبرية». والجملة الخبرية: ضابطها - عند أهل العلم - هي: ما تحتمل الصدق والكذب لذاتها؛ ليخرج خبر الله، وخبر رسوله، وخبر الصادق. وقوله: «ويقال للجملة الخبرية: قضية». أي: قضية - عند ماذا؟ - عند أهل المنطق - يقولون: «قضية»، يقولون: ماذا؟ «قضية»، ويقولون: «حكم». قال: «وقد حكم فيها بكذا»، أي: قضى، وحكم فيها بكذا. أي: الحاكم، أو ما شابه ذلك. ثم دلل على هذا المعنى، فقال: قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ يَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:151-152-153]، أي: كما قال: فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكمًا؛ الإخبار مجرد منهم ماذا؟ حكمًا. حكمًا بماذا؟ حكمًا بأن الله جل وعلا ولد البنات، وأنهم مستحقون لماذا؟ للبنين. قال رحمه الله: «والحكم والقضاء: بأنه لا إله إلا هو متضمن الإلزام». ولو كان المراد مجرد شهادة: لم يتمكنوا من العلم بها، ولم ينتفعوا بها، ولم تقم عليهم بها الحجة. بل قد تضمنت البيان للعباد، ودلالتهم، وتعريفهم بما شهد به. كما أن الشاهد - من العباد - إذا كانت عنده شهادة، ولم يبينها، ولم يبينها، بل كتمها: لم ينتفع بها أحد، ولم تقم بها حجة. وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها: فواسع الجلال قد بين غاية البيان بطرق ثلاثة: السمع، والبصر، والعقل. أما السمع: فبسمع آياته المتلوة، المبينة لما عرفنا إياه من صفات كماله كلها؛ الوحدانية وغيرها، غاية البيان. لا كما يزعمه الجهمية، ومن وافقهم من المعتزلة، ومعطلة بعض الصفات: من دعوة احتمالات توقع في الحيرة؛ تنافي البيان الذي وصف الله به كتابه العزيز، ورسوله الكريم. كما قال تعالى: ﴿حَمٓ ﴿1﴾ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ﴿2﴾ إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ﴿3﴾ وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴿4﴾﴾ [الزخرف:1-2-3-4]، وقال: ﴿الر تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ﴾ [يوسف:1]، وقال: ﴿الر تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ﴾ [الحجر:1]، وقال: ﴿هَٰذَا بَيَان٩ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:138]، وقال: ﴿فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النور:54]، وقال: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:44]. وكذلك السنة: تأتي مبينة، أو مقررة لما دل عليه القرآن. لم يحوجنا ربنا سبحانه وتعالى إلى رأي فلان، ولا إلى ذوق فلان، ولا إلى اجتهاد فلان في أصول ديننا. قال رحمه الله: «فواسع الجلال قد بين غاية البيان بطرق ثلاثة: السمع، والبصر، والعقل». قال: «أما السمع: فبسمع آيات متلوة، المبين لما عرفنا إياه من صفات كماله كلها؛ الوحدانية وغيرها». قال: «غاية البيان. لا كما يزعم الجهمية، ومن وافقهم من المعتزلة، ومعطلة بعض الصفات: من دعوة احتمالات توقع في الحيرة». وهذا قول المتكلمين: أنهم يقولون: إن آيات الكتاب: تدل على ماذا؟ ليست واضحة، ولا بينة. بل ظاهر القرآن: يقول بأن ظاهر القرآن: ظاهره ماذا؟ التشبيه. بل وينص بعضهم - جرأة على الله جل وعلا - فيقول: «ظاهر القرآن: التشبيه والكفر». فإذا جعلوا النور والهدى - الذي أنزله الله جل وعلا على عباده - جعلوه: أن ظاهره ماذا؟ التشبيه. وظاهره ماذا؟ الكفر. أي: أن من نظر في القرآن: احتار ماذا؟ أراد الله بهذا؟ مثلا. كما قال المنافقون - كما قال الله جل وعلا عنهم - واضح. فحاصل هذا: أن هؤلاء لم يعتقدوا في كتاب الله جل وعلا، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم: أن فيهما الهداية، وفيهما البيان الواضح الشافي الكافي. ولكن اعتقدوا: أن ظاهرهما: التشبيه. ألفاظ مشتبهة تحتمل الحق، وتحتمل ماذا؟ الباطل. وتورث الحيرة. وتورث الحيرة. هذا كان نظر هؤلاء إلى كتاب الله جل وعلا، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد سمعتم الآيات - أو بعض الآيات - التي سردها الشارح، الدالة على أن القرآن: بين واضح جلين. وأن الرسول صلى الله عليه وسلم: بين البيان الواضح الجلي. قال رحمه الله: «وكذلك السنة: تأتي مبينة». وهذا رحمه الله. ولهذا نجد من خالف الكتاب والسنة: مختلفين، مضطربين. بل قد قال تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة:3]، فلا يحتاج في تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة. قال: «وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو جعفر الطحاوي - فيما يأتي من كلامه - من قوله: «لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأوهائنا». فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم. وأما آياته العيانية - الخلقية - فالنظر فيها، والاستدلال بها: يدل على ما تدل عليه آياته القولية - السمعية - والعقل يجمع بين هذه وهذه، فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل. وتتفق شهادة السمع، والبصر، والعقل، والفطرة. وهذا - كما مر معنا قريبًا - وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. فهذه من الآيات المرئية - من الآيات المرئية - العيانية - الكونية - هذه ترى، وتدل على وحدانية الله جل وعلا. والعقل يدل على هذا. قال: «فإذا دل ربنا جل وعلا على وحدانيته بطرق ثلاث: السمع، والبصر، والعقل». السمع، والبصر، والعقل: إلى جانب ما تقدم - معنا - أن الله جل وعلا خلق العباد على فطرة إيش؟ على فطرة الإسلام والتوحيد:

شاركنا على