الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 99، ألقاها
يشرح معنى تكليف الله تعالى للعباد بما يطيقون، ويبين أن كل شيء يجري بمشيئة الله تعالى. يرد على من احتج بتكليف أبي لهب بالإيمان بأنه تكليف بما لا يطاق.
يناقش مفهوم القضاء والقدر والظلم في الإسلام، موضحًا أن الله لا يظلم العباد. يشير إلى أن القرآن يدل على تنزيه الله عن الظلم ويقتضي قولًا وسطًا بين قولي القدرية والجبرية.
يشرح انتفاع الأموات بأعمال الأحياء مثل الدعاء والصدقات، ويوضح تفسير نفى سعي غيره في القرآن. يبين أن القرآن لم ينفِ انتفاع الشخص بسعي غيره ولكن نفى ملكه لغيره سعيه.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الطحاوي رحمه الله: ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله. نقول: لا حيلة لأحد، ولا تحول لأحد، ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله. وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وعكست إرادته الإرادات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء، وهو غير ظالم أبدًا، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. قال الشارح رحمه الله تعالى: فقوله: لم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، وقال: ﴿لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾. وعند أبي الحسن الأشعري أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلًا، ثم تردد أصحابه: هل ورد به شرع أم لا؟ واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان، فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن وأنه سيصلى نارًا ذات لهب، فكان مأمورًا بأن يؤمن، وأنه لا يؤمن. وهذا تكليف بالجمع بين الضدين، وهو محال. والجواب عن هذا بالمنع، فلا نسلم بأنه مأمور بأن يؤمن وأنه لا يؤمن. والاستطاعة التي بها يقدر على الإيمان كانت حاصلة، وهي سلامة الآلات، والإرادة والاختيار الذي خلقه الله جل وعلا فيه. فهو غير عاجز عن تحصيل الإيمان بهذا الاعتبار. فما كلف إلا ما يطيقه، كما تقدم في تفسير الاستطاعة. قال رحمه الله: ولا يلزم قوله تعالى للملائكة: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء﴾ مع عدم علمهم بذلك، ولا للمصورين يوم القيامة: ﴿أحيوا ما خلقتم﴾، وأمثال ذلك؛ لأنه ليس بتكليف طلب فعل يثاب فاعله ويعاقب تاركه، بل هو خطاب تعجيز. قال رحمه الله: ومنهم من يقول: يجوز تكليف الممتنع عادة دون الممتنع لذاته؛ لأن ذلك لا يتصور وجوده، فلا يُعقل الأمر به، بخلاف هذا. الممتنع عادة كتكليف الأعمى بالنظر، والأخرس بالكلام، والأصم بالسمع، ونحو ذلك. والممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين. قال رحمه الله: وقوله: وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره، يريد بقضائه القضاء الكوني الشرعي. فإن القضاء يكون كونيًا وشرعيًا، وكذلك الإرادة والأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم، والكلمات ونحو ذلك. قال رحمه الله: وقوله: يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا، الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد، يقتضي قولًا وسطًا بين قولي القدرية والجبرية. فليس ما كان من بني آدم ظلمًا وقبيحًا يكون منه ظلمًا وقبيحًا، كما تقوله القدرية والمعتزلة ونحوهم. قال رحمه الله: وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، كما يقوله من المتكلمين وغيرهم. الظلم عند أهل السنة والجماعة وضع الشيء في غير موضعه. قال رحمه الله: فإن قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا﴾، وقوله: ﴿ما يبدل القول لديه وما أنا بظلام للعبيد﴾، وقوله: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾، يدل على نقيض هذا القول. قال رحمه الله: ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا». فهذا دل على شيئين: أحدهما أنه حرم على نفسه الظلم، والممتنع لا يوصف بذلك. الثاني أنه أخبر أنه حرمه على نفسه، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة. قال رحمه الله: وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات. قال الشارح رحمه الله: اتفق أهل السنة أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين: أحدهما ما تسبب إليه الميت في حياته، والثاني دعاء المسلمين واستغفارهم له، والصدقة والحج. قال رحمه الله: واختلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر. فذهب أبو حنيفة وأحمد، جمهور السلف، إلى وصولها. والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها. قال رحمه الله: والدليل على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾. قال رحمه الله: وأما وصول ثواب الصدقة ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». وأما وصول ثواب الحج ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: حج عنها». قال رحمه الله: والجواب عما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، أجاب العلماء بأجوبة. أصحها جوابان: أحدهما أن القرآن لم ينفِ انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغيره سعيه. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.