التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 83

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 83، ألقاها

تفصيل أقسام الحكم بغير ما أنزل الله وتفاوت درجاته

الحكم بغير ما أنزل الله يتفاوت بين كفر أكبر وأصغر ومعصية حسب اعتقاد الحاكم ونيته. يبين المقطع أن السلف فسروا الكفر في هذا السياق بأنه كفر دون كفر وقد يكون كفرا أكبر أو أصغر حسب الحالة.

موقف أهل السنة والجماعة من أهل الإيمان والإحسان

أهل السنة والجماعة يرون الرجاء لأهل الإيمان والإحسان في رحمة الله دون الجزم بدخولهم الجنة عينا. هذا الموقف يعكس توازنهم بين الرجاء والخوف من الله.

أسباب مغفرة الذنوب والخطايا

هناك أحد عشر سببا لمغفرة الذنوب يستند إلى الكتاب والسنة، منها التوبة والاستغفار والحسنات. يشدد على أهمية الرجاء في رحمة الله مع السعي في تحصيلها.

عقوبة العصاة و رحمة الله تعالى

الله يغفر لمن يشاء ويعاقب من يشاء وفق حكمته، ومن لم يشأ الله أن يغفر له سيدخل النار ليطهر إيمانه. الاستغفار والتوبة أمور مهمة للتقرب من الله.

التفريغ النصي الكامل

الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفرا إما مجازيا وإما كفرا أصغر على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم. فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى كافرا كفرا مجازيا أو كفرا أصغر. وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه لمعرفة الحكم، وأخطأه، فهذا مخطئ، له أجر على اجتهاده، وخطأه مغفور. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قول الشارح رحمه الله تعالى: وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة. قوله: «أن الحكم بغير ما أنزل الله» والحكم بغير ما أنزل الله هذا عام في كل حكم، سواء كانت أحكام القوانين الوضعية أو كانت أحكام العادات والتقاليد، أو أي حكم؛ لعموم الآية: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، ومن لم يحكم بما أنزل الله هذا عام في كل حكم مخالف لحكم الله رب العالمين. لذا فإن هذا الحاكم بالحكم المخالف يكون حكمه بحسب المخالفة، وبحسب ما قام بقلبه من المخالفة. فكما ذكر الشارح رحمه الله أنه قد يكون كفرا أكبر، وقد يكون كفرا أصغر، والكفر الأصغر قد يكون كبيرة أو صغيرة؛ أي قد يكون معصية. أما الكفر الأصغر فهو كبيرة، لكن قد يكون من جملة المعاصي. وقد يكون الحاكم بغير ما أنزل الله ليس بآثم، ولكنه من قسم المغفور له؛ وذلك إن كان حكم بذلك الحكم عن اجتهاد منه وتأويل. فالصواب والحق في المسألة كما سيأتي بإذن الله جل وعلا: أن من حكم بغير ما أنزل الله هل يكون الحكم في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، هل الأصل في هذه الآية أنه يكون كفرا أكبر؟ الجواب: أن الأصل أن الحكم بغير ما أنزل الله هو من جملة المعاصي؛ أي لا يكون كفرا أكبر إلا على التفصيل الذي سيأتي ذكره. يكون كفرا أكبر؛ وإلا فإن أصل الحكم بغير ما أنزل الله إذا لم يقم في القلب اعتقاد أفضلية لحكم غير الله على حكم الله، أو تجويز لحكم غير الله مع حكم الله، فها هنا يكون الحكم بحسب ما يقوم بقلب الإنسان. فلذا قال الشارح رحمه الله تعالى: ويكون كفرا إما مجازيا وإما كفرا أصغر. وتقدى معنا أن إطلاق الكفر المجازي إنما هو من قول مرجئة الفقهاء. وأما أهل السنة والجماعة فيطلقون عليه إما الكفر الأصغر أو كفر دون كفر. قال: وذلك بحسب حال الحاكم. والحاكم ها هنا ليس المراد به القاضي فحسب، بل يدخل فيه كل حاكم؛ بمعنى أن كل من حكم فهو حاكم، سواء كان هذا الحاكم إنسانا من الناس، أو كان عالما، أو كان شيخ قبيلة، أو كان قاضيا حاكما. قال: فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، أو أنه مخير فيه، أي له أن يحكم بحكم الله أو لا يحكم بحكم الله؛ أيهما أهون. فالشارح رحمه الله تعالى يقول: فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، فهذا كفر أكبر. قال: أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله. فهذا كفر أكبر؛ لما تعلق بهذا الحكم من أمور قلبية اعتقادية. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة؛ فهذا عاص، ويسمى كافرا كفرا مجازيا أو كفرا أصغر. قال: وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه لمعرفة الحكم، وأخطأه؛ فهذا مخطئ، له أجر على اجتهاده، وخطأه مغفور. مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ليس لها حكم واحد مضطرد، بل يتفاوت بتفاوت الأشخاص والأحكام. والأصل في هذا الأمر ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف أن ابن عباس سئل في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس هذا الكفر الذي تذهبون إليه، إنما هو كفر دون كفر. وكذلك ثبت عن طاوس وعن عطاء وعن طائفة من السلف رضي الله عنهم وأرضاهم هذا المعنى. وهذا دلنا على أن تفسير السلف، بل نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى اتفاق السلف على هذا التفسير. ثم التفصيل يكون على التفصيل المذكور ها هنا؛ قد يكون كفرا أكبر، وقد يكون كفرا أصغر. قال رحمه الله: وأراد الشيخ رحمه الله بقوله: «ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله» مخالفة المرجئة. وشبهتهم كانت قد وقعت لبعض الأولين، فاتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم». قال الشارح رحمه الله: وعلى المؤمن أن يعتقد هذا الذي قاله الشيخ رحمه الله في حق نفسه وفي حق غيره. قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾. إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على هذا المعنى؛ أن الإنسان يكون بين رغبة ورهبة، راغبا وراهبا. قوله رحمه الله: «ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة» هذا الكلام فيه تفصيل؛ فأما من حيث العموم فإننا نحكم لهم بالجنة؛ كما حكم لهم الله جل وعلا، وكما حكم لهم رسوله صلى الله عليه وسلم. قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾، وكذلك الأدلة في هذا كثيرة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أما من حيث التعيين؛ زيد من الناس من أهل الإسلام، أو عرف بأنه من أهل الإيمان، أو عرف بأنه من أهل الإحسان؛ فهل نحكم عليه عينا بأنه من أهل الجنة؟ في خلاف بين أهل العلم. والأرجح في ذلك بأن لا نحكم على أحد بجنة إلا من حكم الله جل وعلا عليه، أو حكم عليه رسوله صلى الله عليه وسلم. قوله رحمه الله: «ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم». نستغفر لمسيئهم؛ أي من أهل القبلة من أهل الإسلام إن وقع منهم الذنوب والخطايا؛ فإننا نستغفر له. قال: ولا نقنطهم من رحمة الله؛ لا نقول كما قال ذاك العابد لأخيه المذنب: والله لا يدخلك الله الجنة. بل نقول له: تب، والله غفور رحيم. ومما ينبغي أن يعلم أن من رجى شيئا استلزم رجاؤه أمورا؛ أحدها: محبة ما يرجوه. الثاني: خوفه من فواته. الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان. فكل راج خائف، والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾؛ فالمشرك لا ترجى له المغفرة؛ لأن الله نفى عنه المغفرة. قال: فإن فاعل السيئات يسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب؛ عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة. السبب الأول: التوبة. قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَتَابُواْ﴾، والتوبة النصوح هي الخالصة. قال: وهل يشترط في التوبة أن تكون عامة؛ حتى لو تاب من ذنب وأصر على آخر لا تقبل؟ والصحيح أنها تقبل. قال: وهل يجب الإسلام ما قبله من الشرك وغيره من الذنوب وإن لم يتوب منها؟ أم لا بد مع الإسلام من التوبة من غير الشرك؟ حتى لو أسلم وهو مصر على الزنا وشرب الخمر مثلا؛ هل يؤاخذ بما كان منه في كفره من الزنا وشرب الخمر؟ أم لا بد أن يتوب من ذلك الذنب مع إسلامه؟ أو يتوب توبة عامة من كل ذنب؟ وهذا هو الأصح أنه لا بد من التوبة مع الإسلام. السبب الثاني: الاستغفار. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. لكن الاستغفار تارة يذكر وحده، وتارة يقرن بالتوبة. فالتوبة تتضمن الاستغفار، والاستغفار يتضمن التوبة. وكل واحد منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق. السبب الثالث: الحسنات؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها. فالويل لمن غلبت سيئاته حسناته. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. وقال صلى الله عليه وسلم: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها». السبب الرابع: المصائب الدنيوية. قال صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا غم ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه». فالمصائب نفسها مكفرة، وبالصبر عليها يثاب العبد، وبالسخط يأثم. والصبر والسخط أمر آخر غير المصيبة؛ فالمصيبة من فعل الله، لا من فعل العبد. السبب الخامس: عذاب القبر. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. السبب السادس: دعاء المؤمنين واستغفارهم في الحياة وبعد الممات. السبب السابع: ما يهدى إليه بعد الموت من ثواب صدقة أو قراءة أو حج ونحو ذلك. وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. السبب الثامن: أهوال يوم القيامة وشدائده. السبب التاسع: ما ثبت في الصحيحين أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتصوا لبعضهم من بعض؛ فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة. السبب العاشر: شفاعة الشافعين. السبب الحادي عشر: عفو أرحم الراحمين؛ عفو أرحم الراحمين من غير شفاعة. كما قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. فإن كان ممن لم يشأ الله أن يغفر له لعظم جرمه؛ فلابد من دخوله النار ليخلص إيمانه من خبث معاصيه. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على