الدرس في التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد المقطع على ضرورة عبادة الله بالخوف والرجاء والمحبة معاً، ثم يسرد أحاديث صحيحة تصف عظمة النار منها حديث ابن مسعود عن سبعين ألف زمام تجرها الملائكة، وحديث أبي هريرة أن نار الدنيا جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم.
يستعرض المقطع أوصافاً نبوية تفصيلية لجهنم تبين أن حرها يفوق النار الدنيوية بتسعة وستين جزءاً، وبعد قعرها الذي يستغرق حجرٌ سبعين عاماً لبلوغه، وسمية طعامها (الزقوم) وأهون عذاب فيها يغلي منه الدماغ، وسعتها التي لا تمتلئ حتى يضع الرب قدمه فيها.
يعرض المقطع آثاراً عن السلف الصالح كالحسن البصري وإبراهيم النخعي وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود تبرز شدة خوفهم من عذاب النار رغم تقواهم، ويؤكد أن الخوف من مقام الله يدفع إلى ترك المعاصي ومحاسبة النفس مستدلين بآيات قرآنية.
يعلن المتحدث انتهاء الجزء الحالي من الشرح ويؤكد استكمال المنظومة في الجلسة القادمة، ثم يختم بالدعاء بدخول الجنة والنجاة من النار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، فأخذنا في الدرس الماضي أبياتًا من هذه القصيدة الهائية في الترغيب والترهيب للشيخ حافظ الحكمي، وهو يصف لنا شيئًا من أوصاف النار، أعاذني الله وإياكم منها. وقد ذكر في تلك الأبيات شيئًا يسيرًا من أوصاف النار فيما جاء في كتاب الله عز وجل. ومن المناسب أيضًا، وتتميمًا للموضوع، أحببنا في هذا الدرس -حيث أن معنا سعة في أبياته- أن نذكر بعض أوصاف النار فيما جاء في السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. فأمر كثر ذكره وبيان حال أهله في القرآن والسنة حري بنا أن نتذكره وأن نكثر من تدارسه، فإن المؤمن في هذه الدنيا وفي سيره إلى الله عز وجل يعبد الله سبحانه وتعالى بين الخوف والرجاء، فيرغب في الجنة والآخرة، ويخوف من النار وأهوال يوم القيامة، فيكون المؤمن حينئذ بين الخوف والرجاء. ولذلك كان بعض السلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئي، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري أي خارجي؛ لأن المرجئة يأخذون فقط بآيات الوعد، والخوارج يأخذون فقط بأدلة الوعيد. فمن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجي، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري أي خارجي. ثم قال رحمه الله: ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، يعني الذي يقول: يا رب، أنا ما أعبدك خوفًا من نارك ولا رغبة في جنتك، وإنما محبة لك، هذا زندقة، هذه زندقة وليس بإيمان. ثم قال رحمه الله: ومن عبد الله بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد، فهو موحد مؤمن. فهذا هو المؤمن الحق الذي يعبد الله عز وجل بالخوف والرجاء والمحبة، وهي أقطاب التوحيد والإيمان: الخوف والرجاء والمحبة. فلذلك ينصح العلماء الداعون إلى الله عز وجل أن يدعوا الناس بالخوف والرجاء، لا يغلب أحد الأمرين على الآخر، وإنما أحيانًا يذكرهم بالجنة ثم يحذرهم من النار، يرغبهم في الآخرة، يحذرهم من الدنيا. وهذا هو أصل كتابة هذه القصيدة للمؤلف، ولذلك سميت بالقصيدة الهائية في الترغيب والترهيب. ففي أولها حذر من الدنيا ورغب في الآخرة، وفي آخرها رغب في الجنة وحذر من النار ورهب منها. فهكذا ينبغي أن يكون سير المؤمن، سيره إلى الله عز وجل، لا يغفل عن أمر دون آخر. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الطور: 16]، رغبا في جنته ورهبا من عذابه وعقابه. هذا هو حال أهل الإيمان. فأردنا تتميمًا لهذا الباب، إذ أن المؤلف في منظومته ركز على الاقتباس من القرآن كما مر معنا في وصفه للنار، وها نحن تتميمًا للفائدة نذكر بعض الأحاديث المشهورة الصحيحة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصف النار. والأحاديث كثيرة جدًا، ولكن حسبنا في هذا المقام أن نأخذ بعضًا منها. فمن ذلك ما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها». والحديث في صحيح مسلم. وهذا يدل على ضخامة النار وعلى عظيم خلقتها. نعم، لها سبعون ألف زمام، يعني خطام مما يسحب، وفي كل خطام من هذه الأزمّة سبعون ألف ملك، ليس واحد ولا اثنان ولا ألف ولا ألفان، سبعون ألف ملك. هذا يدلنا على عظم هذه النار وشدة خلقتها. وكذلك جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءًا من نار جهنم». ناركم هذه التي الآن تنضجون بها طعامكم، وكذلك تستدفئون بها وتنتفعون بها في أموركم، هذه النار المحرقة في الدنيا ما هي إلا جزء واحد من سبعين جزءًا من نار جهنم. فقالوا: يا رسول الله، إنها لكافية. الآن هل أحد يستطيع أن يدخل إصبعه في نار الدنيا؟ تحرقه، وإذا دخل فيها تهلكه. فقالوا: يا رسول الله، إنها لكافية. فقال عليه الصلاة والسلام: «إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا، كلهن مثل حرها». أنظروا، يعني نار جهنم مثل نارنا هذه بتسعة وستين جزءًا. لو أن نار جهنم هذه النار وحدها لكانت كافية في عذاب أهلها، ولكن أنظروا إلى شدة إحراق هذه النار. وهذا أيضًا مما جاء في السنة، والحديث في البخاري ومسلم. وكذلك مما جاء في وصف النار ما جاء أيضًا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسمعنا وجبة، يعني سقطة. الوجبة هي سقطة، كأن شيء سقط من أعلى. قال: فسمعنا وجبة، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أتدرون ما هذا؟ هل تدرون أيش هذه السقطة؟» فقلنا: الله ورسول أعلم، ما ندري أيش هذه السقطة. فقال عليه الصلاة والسلام: «هذا حجر أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفًا، يعني منذ سبعين سنة، منذ سبعين سنة، فالآن حين انتهى إلى قعرها، يعني الآن وصل إلى قعر جهنم، والعياذ بالله». فهذا يدل على ماذا؟ على بعد قعرها وعلى ضخامة سعتها. والحديث رواه مسلم. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لو أن قطرة من الزقوم، الذي هو طعام الأثيم لأهل النار، لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا، يعني نزلت إلى هذه الدار، إلى عندنا في دار الدنيا، قال: لأفسدت على أهلها الدنيا معاشهم». أفسدت علينا المعاش كاملًا، قطرة واحدة، قطرة واحدة. فهذا يدل على نتانة هذا الزقوم، فكيف وهو طعام أهل النار، والعياذ بالله؟ ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: 43-46]. وهكذا، والحديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، ويصححه العلامة الألباني. وكذلك جاء عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهون أهل النار عذابًا، يعني أقلهم عذابًا في النار، من له نعلان وشركان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا». المرجل يعني مثلًا الطست، لما تضع فيه الماء فيبلغ من الحرارة أشد ما يكون من الغليان، تجده يغلي ويصدر صوتًا من شدة الغليان. فهذا هو أهون أهل النار عذابًا، له نعلان وشركان، والنار من تحت نعليه وشركيه، فمن شدة هذه النار يغلي منه دماغه، يغلي منه دماغه مثل المرجل. عاذنا الله وإياكم من ذلك، وهو أهون، يعني أقل أهل النار عذابًا، فكيف بمن هو أشد منه عذابًا؟ نسأل الله السلامة والعافية. والحديث في الصحيحين. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟» ما تشبع. ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: 30]. و«زال» فعل يدل على الاستمرار، أي مستمر إلقاء أهلها فيها، وهي تقول: هل من مزيد؟ تطلب هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط، قط، بعزتك وكرمك. متفق عليه. فهذا يدل على سعتها. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة». هذه الشمس العظيمة تكور يوم القيامة في النار، تستوعبها النار. وقد ذكر أهل الفلك أن الشمس أكبر من حجم الأرض بأكثر من مليون وثلاثمئة ألف مرة. هذه الشمس عظيمة وكبيرة، يوم القيامة تكور في هذه النار، تكور في هذه النار، هذا يدل على سعتها. نسأل الله السلامة والعافية. ولذلك لما ذكر السلف هذه النار في كل أحوالهم كانوا أتقياء، كانوا من أشد الخلق بعدًا عما يستوجب النار. وهناك مؤلف عظيم اسمه «التخويف من النار» لابن رجب الحنبلي، ذكر فيه آثارًا كثيرة عن السلف تدل على مدى خوفهم وحذرهم من نار جهنم، والعياذ بالله. فنذكر بعضًا من هذه الآثار لنعلم حالنا مع حالهم، والأمر كما قال القائل: لا تعرضن بذكرهم مع ذكرنا ليس الصحيح إذا مشى كالأجرب ولكن من باب التذكير، ومن باب التشبه بهم إن لم تكونوا مثلهم، إن التشبه بالكرام فلاح. فقد ذكر أثرًا عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: 36]. هذه الآية ذكرت بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: 35]، أي النار. ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾، قال الحسن البصري عند قوله ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾: والله ما أنذر العباد بشيء قط أدهى منها، أو ما أنذر العباد بشيء قط أدهى منها؛ لأن الله عز وجل قال بعدها ماذا؟ ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ﴾، قال قبلها: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. ولذلك قال قتادة في قوله ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ﴾: يعني النار، يعني النار. وقال إبراهيم النخعي: ينبغي لمن لم يحزن في هذه الدنيا أن يخاف أن يكون من أهل النار؛ لأن أهل الجنة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34]، كانوا في هذه الدنيا في حزن وفي خوف من نار جهنم، فلما أمنوا دخولها وأكرموا بدخول الجنة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. فاستنبط إبراهيم النخعي من هذه الآية هذه الفائدة: أنه ينبغي لمن لم يحزن ويخاف من النار في هذه الدنيا أن يخاف أن يكون من أهل النار؛ لأن الله عز وجل قال عن أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. ثم قال: وينبغي لمن لم يشفق، يعني يكون خائفًا في هذه الدنيا، أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة؛ لأنهم قالوا، أي أهل الجنة: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: 26]، مشفقين، مشفقين، لا يأمن من مكر الله، لا يأمن من عذاب الله. فالمؤمن في هذه الدنيا يحذر من النار ويخاف، فيدفعه هذا الخوف إلى البعد عن أسباب دخول النار، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 34-41]. فمن خاف مقام ربه وخاف عذاب ربه فإن الله سبحانه وتعالى يوفقه للنجاة من النار. وذكر أثرًا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: لو نادى منادٍ من السماء: أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلًا واحدًا، قال عمر: لخفت أن أكون أنا هو، لخفت أن أكون أنا هو، يعني هذا الواحد يكون أنا. وهذا من شدة خوفه. وأتَى عمر إلى حذيفة بن اليمان، كاتم سر الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال له: هل عدني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟ انظروا، عمر المبشر بالجنة يخاف أن يكون من أهل النفاق. هكذا ينبغي أن يكون المؤمن، يخاف من ذنوبه، يخاف من ذنوبه. وجاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه جبل يوشك أن يقع عليه، وأما المنافق فيرى ذنوبه كأنها ذبابة وقعت على أنفه، فقال بها هكذا، فقال بها هكذا. وكان السلف يخافون مع كثرة أعمالهم، ومع تقواهم وصلاحهم، ومع هذا كانوا لا يغترون بأعمالهم ولا يستكثرون أعمالهم. فماذا نحن أمام أعمالهم؟ لا شيء. فنحن أحق بالخوف. وكذلك مما ذكره أيضًا ما جاء عن بعض السلف أنه إذا قسى قلبه أوقد نارًا، أوقد نارًا، ثم خاطب هذه النفس وقال لها: هل تطيقين إدخال هذا الإصبع في هذه النار؟ إصبع ما يستطيع الواحد منا أن يدخله في نار الدنيا، فكيف بنار الآخرة؟ فهذه كالمحاسبة له، يحاسب نفسه، يحاسب نفسه ويذكرها بنار جهنم حتى ترتدع وحتى تنزجر عن المعاصي والذنوب. وهذا الباب باب واسع، قد ألف فيه العلماء وذكروا أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، من آثار سلف الأمة، ولكن حسبنا ما ذكرنا به في هذه الدروس. وإن شاء الله تعالى يوم غد نستكمل هذه المنظومة في آخر بيتين فيها. فنكتفي بهذا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يدخلنا الجنة وأن يبعدنا عن النار، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله رب العالمين.