الدرس في التعليق على المنظومة الهائية للحكمي 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ حافظ الحكم البيتين الأخيرين من القصيدة الهائية، مؤكداً أن الآخرة لا تحوي إلا جنة أو ناراً. ويشير إلى أن الجنة لا تنال بالأماني بل بالأعمال الصالحة، وطوبى لمن تجوز عن زخارف الدنيا.
يبين المقطع معنى الكفاف بأنه الخروج من الدنيا بلا تبعة ولا أجر، ويستعرض حديث الرجل الذي شتم وضرب مملوكين له. ويحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأن العقاب إن ساوى الذنب فهو كفاف، وإن نقص فهو فضل، وإن زاد اقتُصّ منه يوم القيامة.
يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ظلم المماليك والزوجات، ويضرب المثل بأبي مسعود الذي أعتق مملوكه بعد سماع الوعيد. ويظهر الورع في رفض عمر بن الخطاب الاستخلاف، مفضلاً الشورى ليبرأ ذمته قائلاً: "وددت أن أنجو كفافاً لا لي ولا علي".
يعلن المتحدث انتهاء شرحه للقصيدة الهائية مختتماً بالحمد لله والدعاء بالنفع والعلم. ويذكر أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فيقول الشيخ العلامة حافظ الحكم رحمه الله في آخر بيتين من قصيدته الهائية في الترغيب والترهيب: محلين قل للنفس ليس سواهما لتكسب أو فلتكتسب ما بدا لها فطوبى لنفس جوزت وتخففت فتنجو كفافا لا عليها ولا لها هذان البيتان ذكرهما المؤلف رحمه الله تعالى موعظة بليغة في ختام هذه القصيدة الزهدية. فبعد ما ذكر رحمه الله ما أعده الله عز وجل لأهل السعادة من نعيم الجنة، وما أعده الله لأهل الشقاوة من عذاب النار، ختم بهذه الموعظة العظيمة. فقال: «محلين قل للنفس ليس سواهما»، أي: فقل أيها الناصح لنفسه، المريد لها الخير: إن الدار الآخرة لا بد من الانتقال والارتحال إليها، وليس فيها إلا محلان لا ثالثة لهما: إما جنة وإما نار، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. فقل لهذه النفس: ما ثم هناك إلا محلان، ليس هناك شيء غيرهما، ليس هناك شيء غيرهما. نعم، فلماذا ترضى لنفسك بهذا؟ لتكسب. أصلها: «لتكسب»، اللام هنا لام الأمر، يعني: أمرك أن تعمل في هذه الدنيا. فكل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. فقوله: «لتكسب»، أي: لتعمل في هذه الدنيا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. فمن وفق لعمل أهل الجنة وفق لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل النار والعياذ بالله يسر له عمل أهل النار. فاكسب ما يكسبه العقلاء الفطناء من أعمال أهل السعادة. «لتكسب» وفتح الباء هنا لضرورة الشعر، وإلا فلام الأمر تجزم الفعل، لكن هنا فتحها مراعاة لوزن البيت. فقال: «لتكسب أو فلتكتسب»، يعني: يأمرك أن تعمل وتكسب في هذه الدنيا، أو فلتكتسب ما بدا لها، يعني: لتعمل ما تريد، كالتهديد لهذه النفس. وهذا البيت أو الجزء من البيت مأخوذ من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. لها ما كسبت من الأعمال الصالحة والأعمال الطيبة، وعليها ما اكتسبت من الأعمال السيئة. فما عملته من خير ستنال ثوابه وأجره، وما عملته من شر سيكون عليها عقابه ووزره. فإن يوم القيامة هو يوم المجازاة على الأعمال، كما قال الله عز وجل: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. فما ثمة إلا الحسنات والسيئات، وما ثمة إلا الجنة أو النار. فهذا معنى قوله: «محلين قل للنفس ليس سواهما لتكسب أو فلتكتسب ما بدا لها»، أي: ما تريد وما تهوى. فإن وزر ذلك عليها. والجنة ليست بالأماني، فقد تمنى أقوام الجنة، وأنكر الله عز وجل عليهم ذلك التمني لأنهم لم يعملوا بأسباب دخول الجنة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. فالجنة ليست بالأماني ولا بالأحلام، وإنما بأسباب بينها لنا ربنا سبحانه وتعالى، فمن عمل بها نال جنة الله سبحانه وتعالى. كما أن النار كذلك لها أسباب، فمن أتى بأسباب دخول النار أدخله الله عز وجل النار. ثم قال: «فطوبى لنفس جوزت وتخففت فتنجو كفافا لا عليها ولا لها». طوبى: أي حال ومآل طيب كريم. قيل في طوبى: الجنة، وقيل: شجرة في الجنة، وقيل: الحياة الطيبة، وقيل غير ذلك. فطوبى لتلك النفس التي جوزت وتخففت. وقوله: «طوبى لنفس» هذا أخذه من قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. طوبى لهم: أي الجنة لهم، ونعم ذاك المسكن وذاك البيت مآبا ومسكنا لهم. فقال: «فطوبى لنفس جوزت وتخففت»، أي: تنبهت لحال هذه الدنيا وزخرفها الزائل الفاني، فتجوزت. والتجوز هو التخفيف، يعني: تخففت من أعباء وأحمال هذه الدنيا، فلم تنهمك فيها، ولم تسع لجمعها ولا للاهتمام بها. تخففت من هذه الدنيا وزخرفها، فكان أكبر هم هذه النفس الدار الآخرة وطلب ما عند الله سبحانه وتعالى. فهذا معنى: «لنفس جوزت وتخففت»، أي: لم تهتم بهذه الدنيا، ولم تسع لجمع أموالها وبناء أدوارها وقصورها، وإنما تخففت من هذه الدنيا. ثم قال: «فتنجو كفافا لا عليها ولا لها». يقال: «كفافا»، أي: سواء بسواء، فلا يوجد موجب للعقاب ولا موجب للثواب، فهو كفاف، ما يكون سواء بسواء. فمن خرج من الدنيا بهذا الحال وبهذا الوصف فقد نجى، إن عرض على الله عز وجل لا لك ولا عليك، فأنت ناجٍ بإذن الله سبحانه وتعالى. نعم، ومما كذلك يعين فهم هذا المعنى حديث عظيم يبين لنا حقيقة الخروج من الدنيا كفافا. هذا الحديث أخرجه الترمذي في جامعه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن رجلا قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: يا رسول الله، لي مملوكان، يعني: عبدين، يكذبون علي ويخونونني ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم. فكيف أنا منهم؟ كيف فعل هذا؟ هل هو فعل صحيح؟ فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَبُوكَ، وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ» يعني: بالضرب والشتم. «فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا، كَانَ كَفَافًا، لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ». يعني: إذا ضربتهم وشتمتهم بحق، بقدر الذنب الذي ارتكبوه، لا تظلم ولا تتجاوز ولا تأخذ أكثر مما ارتكبوه، فأنت كفاف، لا لك ولا عليك. ثم قال له: «وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذُنُوبِهِمْ»، يعني: عذاب خفيف قليل دون ما يستحقون، «قَالَ: كَانَ فَضْلًا لَكَ»، يعني: أجرا لك. قال: «وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ فَوْقَ ذُنُوبِهِمْ»، أكثر، ظلمت عليهم وضربتهم أكثر وأشد مما يستحقون، «قَالَ: يُقْتَصُّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ»، يقتص منك يوم القيامة. فانتفى هذا الرجل، انظروا إلى رجاحة عقله وإلى خوفه وورعه. فانتفى هذا الرجل فجعل يبكي. هو الآن ما يدري: هل ضربهم كفافا، أو دون ما يستحقون، أو فوق ما يستحقون؟ ما يدري، لكن خوفه من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ فَوْقَ ذُنُوبِهِمْ اقْتُصَّ اقْتُصُّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ»، فخاف هذا الرجل، فانتفى وجعل يبكي، رضي الله عنه وأرضاه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟» ثم تلا عليه قول الله عز وجل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. فما كان من هذا الرجل إلا أن قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما أجد لي ولهم شيئا خيرا من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم. أعتقهم لهذا الموقف العظيم. فإذا ما معنى الكفاف؟ معنى الكفاف: أن تخرج من هذه الدنيا لا لك ولا عليك، لا لك ولا عليك. وهذا الحديث فيه فوائد عظيمة وكثيرة. والحديث ذكره العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، أو صححه، ذكره المنذري في الترغيب والترهيب وصححه العلامة الألباني، عليه رحمة الله. هذا الحديث فيه أن المسلم الذي يريد الله والدار الآخرة والجنة يعامل الخلق بالعدل. فإن أراد أن يأخذ حقه فليأخذ كفافا، يأخذ كفافا لا له ولا عليه، ولا يتجاوز. لا في مملوك، ولا في عامل يعمل عندك، موظف أنت مسؤول، مدير، أو كذلك يعني: رئيس، أو وزير، أو عامل. الناس بالعدل، لا تغتر بمنصبك، ولا تغتر بوجاهتك، ولا بنفوذ كلمتك، فالله عز وجل أقدر عليك. إن ظلمت، مر النبي عليه الصلاة والسلام على أبي مسعود وهو يضرب عبدا له، مملوكا له، ولم يرَ أبو مسعود النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا به يسمع صوتا: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا، أَقْدَرُ عَلَيْكَ، إِنْ ظَلَمْتَهُ وَإِنْ ضَرَبْتَهُ ضَرْبًا فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ، فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ». فما كان من أبي مسعود رضي الله تعالى عنه لما سمع ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن أعتق هذا المملوك وجعله حرا لوجه الله سبحانه وتعالى. فلا تظلم. كذلك إن كنت زوجا لا تظلم تلك المرأة المسكينة، لا تضربها بغير حق، ولا تمنعها حقها بغير حق. ولذلك لما ذكر الله عز وجل حال المرأة النشوز، فبعدما قال: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. هكذا. قال ابن كثير: هذه الآية فيها تهديد للأزواج، فيها تهديد للأزواج الذين يضربون أزواجهم بغير حق، بغير حق. لأن المرأة إذا أطاعتك ليس لك حق أن تضربها، وإن ضربتها ليس لك حق أن تضربها فوق جرمها، فوق ذنبها، إنما هو ضرب تأديب لا ضرب تعذيب. فانظر إلى تخويف الله عز وجل لعباده. أما تخشى أن تعاقب هذه الزوجة فوق ذنبها فيكون عليك العقاب يوم القيامة؟ فإن كنت ولا بد فعاقبها بالعدل والكفاف، العدل والكفاف. هذا ما دعا إليه ديننا. وإذا جاء العبد إلى ربه سبحانه وتعالى وهو كفاف فقد نجا، كما قال: «فتنجو كفافا لا عليها ولا لها». عمر بن الخطاب، وما أدراك ما عمر بن الخطاب، خليفة المسلمين بعد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وصاحب رسول الله ووزيره. ومع هذا، لما طعن، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ابنه رضي الله تعالى عنهما، أنه قيل لعمر لما طعن: ألا تستخلف؟ ألا تجعل خليفة؟ لأنه قرر الأطباء أن تلك الطعنات لا سبيل إلى علاجها، فتحقق موته رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقيل له: ألا تستخلف؟ تجعل لك خليفة. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: «إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدْ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، لِأَنَّهُ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ. وَقَالَ: وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ». فجعلوا يثنون عليه، يذكرون مناقبه، ويذكرون سابقته، ويذكرون منزلته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: «رَاغِبًا وَرَاهِبًا، رَاغِبًا وَرَاهِبًا، وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهَا كَفَافًا». هكذا يقول عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «رَجَوْتُ، أَوْ نَعَمْ، أَنْ أَنْجُوَ، وَوَدِدْتُ أَنْ أَنْجُوَ مِنْهَا كَفَافًا، لَا لِي وَلَا عَلَيَّ، لَا أَتَحَمَّلُهَا حَيًّا وَمَيِّتًا». وأبى أن يستخلف رضي الله تعالى عنه وأرضاه. انظر إلى ورعه، وانظر إلى خوفه، مع أنه له أن يستخلف كما استخلف أبو بكر، ولكنه ما يريد أن يستخلف شخصا ثم بعد ذلك لعله لا يكون مناسبا فيتحمل وزر ذلك، فآثر أن يترك الأمر بين أهل الشورى. فذكر بعض الصحابة، تشاورون فيما بينهم، ثم يختارون واحدا منهم، فكان الاختيار على عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، لا من قبل عمر، ولكنه من قبل أهل الشورى، من قبل أهل الشورى. فانظر إلى قوله: «وَدِدْتُ أَنْ، وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ كَفَافًا، لَا لِي وَلَا عَلَيَّ». هكذا هم الصالحون، وهكذا هم المتقون. ولذلك كان السلف الصالح يبتعدون عن مواطن مظنة الظلم والتجاوز، من القضاء ومن الإمارة ونحو ذلك، لأنهم يخشون ألا يعدلوا، فيقدمون على الله عز وجل بالآثام والمظالم، بالآثام والمظالم. فلذلك كانوا يودون لو نجوا في الآخرة كفافا، لا لهم ولا عليهم. فهذا معنى قوله: «فتنجو كفافا لا عليها ولا لها». وبهذا نكون قد انتهينا من التعليق على هذه القصيدة الهائية. فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر