الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 74، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع داء العشق كمرض قلبي خطير قد يخرج صاحبه من الدين، ويبين العلاج النبوي والقرآني بالزواج لمن استطاع الباءة، وغض البصر، وحفظ الفرج، مع النهي عن مثيرات الشهوة المحرمة، مستشهداً بنصيحة الإمام الشافعي بكتمان الوجد والصبر.
يواصل المقطع علاج داء العشق بالزواج والصوم والصبر محذراً من عواقب العلاقات المحرمة، ثم ينتقل لبيان خطر الشرك في العبادة ودقته، وضرورة إخلاص العمل لله وحده مستدلاً بدعاء عمر بن الخطاب مع التنبيه إلى ضعف إسناد هذا الأثر.
يشرح المقطع أن الرياء يبطل ثواب العمل ويعرض صاحبه للعقوبة، مميزاً بين الرياء الذي يكون شركاً أصغر والعمل لأجل الناس الذي يكون شركاً أكبر، مستعرضاً حديثاً قدسياً يؤكد أن الله أغنى الشركاء عن الشرك، وأن المرائي يعذب نفسه في الدنيا بعمل باطل.
يختتم المتحدث بالدعاء بأن يجعل الله الأعمال خالصة لوجهه الكريم، وأن يتقبلها ويتجاوز عن التقصير والإساءة، مؤكداً أن الله ولي ذلك والقادر عليه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع هذه الرسالة القيمة النافعة من رسائل شيخ الإسلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، الموسومة بـ «الداء والدواء»، وهي نفسها «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». ومر معنا مراراً وتكراراً المقصود بهذا الداء الذي سئل أن يذكر له شفاء، فما هو هذا الداء؟ ما هو هذا الداء؟ ما هو هذا الداء؟ ما هو هذا الداء؟ يا عبد الله، ما هو هذا الداء؟ داء العشق. أحسنت، داء العشق. وكم يا إخوان للعشق من أضرار، وهكذا أيضاً يترتب عليه فتن وأخطار، فبسببه قد يخرج العبد من دين الإسلام بالكلية، وقد يقع في أعظم الذنوب وشد المحرمات، وبسببه يقع فيما يقع فيه من الأمراض وأعظمها مرض القلبي، مرض القلبي. ولهذا يا إخوان، العلماء قديماً وهكذا حديثاً هم أطباء القلوب، يعالجون هذه القلوب إذا مرضت، إذا مرضت بأدوية من الكتاب والسنة، من الكتاب والسنة. وكان شيخ الإسلام ابن القيم من أقوى الأطباء في هذا الباب. وسبق أن ذكرنا بعض ما يتعلق بالإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وكيف كان يعالج هذه الحالات التي تمرض بسبب العشق، وبسبب هذه العلاقات غير المشروعة. جاء في مناقب الإمام الشافعي للإمام أبي بكر البيهقي رحمه الله تعالى عن الربيع ابن سليمان، والربيع ابن سليمان كما سبق معنا من أخص تلاميذ الإمام الشافعي، يقول الربيع ابن سليمان رحمه الله تعالى: «كنا عند الشافعي إذ جاءه رجل برقعة، فنظر فيها وتبسم -أي الشافعي- ثم كتب في هذه الرقعة ودفعها إلى صاحبها، كتب كتابة فيها ودفعها إلى صاحبها». انظروا إلى حرص طلاب العلم، قال الربيع ابن سليمان: «فقلنا: يسأل الشافعي عن مسألة ولا ننظر في جوابها، ولا ننظر في جوابها؟ قال: فلحقنا الرجل، فلحقنا الرجل الذي معه الرقعة، قال: فأخذنا، فأخذنا الرقعة، قال: فقرأناها فإذا فيها هذا البيت: سل الفتى أو سل المفتي المكي هل في تزاور وضمة مشتاق جناح تقول: سل المفتي المكي، يعني الشافعي: هل في تزاور عاشق يعشق معشوقة؟ قال: في تزاور وضمه مشتاق جناح، هل في هذا إثم؟ هذه علاقات العشق ولقاءات وزيارات، ولربما ضم وقبل وغير ذلك». قال الربيع ابن سليمان: «وإذا إجابة أسفل من ذلك، أجابه الشافعي بالشعر، فقال الشافعي: أقول معاذ الله أن يذهب التقى تلاصق أكباد بهن جراح تلاصق أكباد بهن جراح، يعني هذا معاذ الله أن يقع من إنسان مؤمن متقي لله تبارك وتعالى، لله تبارك وتعالى. انظر كيف عالج هذا الداء، ووصف للسائل الدواء في بيت شعري واحد». قال الربيع ابن سليمان: «ومثله ما بلغني أن رجلاً جاءه برقعة فيها». وهذا يا إخوان إن دل على شيء دل على ما كان عند الشافعي من فطنة وذكاء عظيم جداً، فطنة يفهم المقصود من السؤال فيعطي السائل أشفى جواب، ويذهب السائل وهو مقتنع بهذه الإجابة. قال الربيع ابن سليمان: «قال: مثله ما بلغني أن رجلاً جاءه برقعة فيها: سل الفتى المكي من آل هاشم إذا اشتد وجد بمرئ كيف يصنع سل الفتى المكي من آل هاشم إذا اشتد وجد، يعني شوق، يعني حنين، يعني محبة لقاء بالمعشوق أو المعشوقة، قال: إذا اشتد وجد بمرئ كيف يصنع؟ كيف يصنع؟». فكتب الشافعي تحته، كتب بيتاً شعرياً فيه جواب وفيه دواء، قال الشافعي رحمه الله تعالى: «يداوي هواه ثم يكتم وجده ويصبر في كل الأمور ويخضع» ما يذهب يتصل بالمعشوقة أو يجعل موعداً أو يتبادل عبارات حب وغرام ووجد وهيام أبداً، هذا يزيد المرض مرضاً والعلة أيضاً مرضاً. وإنما قال: يداوي هواه ثم يكتم وجده ويصبر في كل الأمور ويخضع. وربنا تبارك وتعالى يا إخوان أمر ببيئة تعفف: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. البعض لربما ماذا تثور عنده الغريزة الجنسية والشهوة؟ فماذا يفعل البعض؟ يذهب ويتناول ما يزيد الداء ويزيد المرض شدة، يذهب بعضهم وينظر في الصور القبيحة والمناظر الخليعة، يظن أن هذا سيطفئ لهيب هذه النار. أبداً، هذا حاله كحال من يضع البنزين على النار فتزيد النار اشتعالاً. لكن ﴿وَلْيَسْتَعْفِفُوا﴾، لا يذهب وينظر في الأشياء المحرمات، لا يستمع إلى الأغاني والموسيقى التي هي بريد الزنا، لا يذهب وينظر إلى النساء ويتتبع الفتيات، وإنما ﴿وَلْيَسْتَعْفِفُوا﴾. النبي صلى الله عليه وسلم يعالج هذا الداء بقوله: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة...» ماذا يفعل من استطاع منكم الباءة؟ يعني عنده قدر بدنية وعنده استطاعة مالية، ماذا يفعل يا محمد؟ ماذا يفعل؟ «فليتزوج». من استطاع منكم الباءة فليتزوج، قال: «فإنه أي زواج أغض للبصر وأحسن للفرج». الزواج يجعل صاحبه لا يذهب وينظر في هذه السفاهات والترهات أبداً، يجعل بصره ماذا؟ محفوظاً مصوناً. قال: «فإنه أغض للبصر وأحسن للفرج». ولاحظ علاقة البصر بالفرج، هناك اتصال قوي بين الأبصار والفروج، ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾، وقال في النساء: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أي أزواجهم، إلى آخر الآيات. فماذا؟ هناك ارتباط قوي، كما أن ارتباط السمع بالقلب ارتباط قوي، تدخل الكلمة من الأذن فسرعان ما تقع في القلب، فسرعان ما تقع في القلب. إذن: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج». ومن لم يستطع ماذا يفعل يا أبا خالد؟ الذي لا يستطيع الزواج ماذا يفعل؟ «ومن لم يستطع فعليه، فعليه بماذا؟» ما استطاع يتزوج، المهور غالية وتكاليف الزواج باهظة وهو من ذوي الدخل المحدود، قد يكون طالب علم ما يملك نفقة الزواج، ماذا يفعل يا أبا خالد الحداد؟ ماذا يفعل يا أبا عادل؟ ما شاء الله لله درك، لله درك: «فعليه بالصوم، قال: فإنه له وجاء»، أي أنه يعتبر مما يكسر حدة هذه الغريزة وهذه الشهوة. وهذا يا إخوان لا شك ولا ريب في صدق النبي صلى الله عليه وسلم، أيضاً التجربة تدل على ذلك، في البداية قد لا يجد الشاب مفعول الصيام مباشرة، لكن مع الاستمرار في الصوم يجد فائدة ذلك، يجد فائدة ذلك. إذن هذه علاجات له، وهكذا أدوية لمثل هذا. الشافعي يقول: «يداوي هواه ثم يكتم وجده»، لا يذهب يبوح، يقول: والله أنا أحب فلان أو أعشق فلان، ولا يكتم ما في نفسه، قال: «ويصبر في كل الأمور ويخضع». قال الربيع ابن سليمان: «فأخذها صاحبها وذهب بها»، أي بهذه الرقعة، «ثم جاءه، جاء الشافعي مرة أخرى». انظر ما زال الداء موجود، أحياناً يا إخوان الأمراض تحتاج إلى فترة تعالج، ويصبر المريض على العلاج ويداوم عليه ولا ييأس. قال الربيع ابن سليمان: «قال: فأخذها صاحبها وذهب بها، ثم جاءه غداً، كتب تحت هذا البيت الذي هو الجواب، كتب تحت جواب الشافعي السابق، ماذا كتب؟ قال: فكيف يداوي والهوى قاتل الفتى؟». الشافعي قال له: يداوي هواه ثم يكتم وجده، الرجل رجع يستفسر، قال: «فكيف يداوي والهوى قاتل الفتى، وفي كل يوم غصة يتجرع، كل يوم يذوق مرارة هذا، هذا الهوى وشدته؟». فكتب إليه الشافعي رحمه الله تعالى مجيباً، قال: «فإن هو لم يصبر على ما أصابه، فإن هو لم يصبر على ما أصابه، فليس له شيء سوى الموت أنفعه، إذا لم يصبر فهذا ما في سبيل إلا أن يذهب ويموت، فإن أصابه، فإن أصابه فليس في بقائه، وليس في استمرار حياته نفع». قال: «فإن هو لم يصبر على ما أصابه فليس له شيء سوى الموت أنفعه وأذى». يا إخوان، فيه ما سبق من حرص العلماء على مداواة هذه الجروح وعلاج هذه الأدواء والأمراض، ومن أخطرها وأشدها مرض العشق. وسبق معنا يا إخوان لو تذكرون بعض القصص في مصارع العشاق، مصارع العشاق كصاحب حمام، ماذا؟ كصاحب حمام، نعم، من جابي، وهكذا صاحب أسلم، أسلم يا راحة العليلي وشفاء ذي القلب السقيم، ماذا؟ لقاؤك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليلي. انظر إلى الخاتمة السيئة التي هي حال العشاق إلا من رحم الله عز وجل. ولهذا يا إخوان، كلنا يجب عليه أن يحرص على سلامة صدره وطهارة قلبه وزكاء نفسه، ومن أعظم ما يحاول أن يطهر قلبه منه ما نحن بصدد الحديث عنه من مرض العشق والعلاقات المحرمة والمشبوهة. ولا نزال أيها الأحبة في الله مع هذه الفصول الماتعة التي يتحدث فيها ابن القيم حول الذنوب والمعاصي، وأعظمها وأكبرها هو الشرك بالله عز وجل، وذكر أن الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود سبحانه وتعالى وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك آخر يتعلق بعبادته سبحانه ومعاملته. ونحن مع النوع الثاني الذي هو الشرك في العبادة، الذي هو الشرك في العبادة، وذكر رحمه الله تعالى سهولة دخول هذا الشرك على صاحبه، وأن أمره يكون في كثير من الأحيان خفياً، خفياً، وقد يقع للأسف الشديد، قد يقع ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قد يقع ممن يصلي، ثم إذا أصابته مصيبة لربما لجأ إلى أهل القبور والأضرحة، آه يدعو شيخاً، يدعو رجلاً، يدعو جنيا إنسيا، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، لماذا يتعلق قلبه بمخلوق ضعيف وبعبد فقير إلى الله عز وجل؟ ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، تدعو من تدعو مخلوق ضعيف، وتدعو عبداً فقيراً هو أحوج ما يكون إلى رحمة الخالق الجليل سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «قال: وكان من دعاء عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، وفي بعض النسخ: لوجهك الكريم خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً». وهذا الأثر عن عمر أخرجه الإمام أحمد في الزهد وغيره، وهو من طريق الحسن البصري عن عمر، وهذا إسناد منقطع، ورواه أبو الشيخ ونعم في طبقات المحدثين بأصبهان من طريق مطيع ابن إبراهيم وعبد العزيز ابن أبي عثمان الكوفي، كلاهما يروي عن عمر، وهذا إسناد ليس بمتصل، بل إنه إسناد معضل، إذن في الإسناد إلى عمر إما انقطاع وإما إعضال. قال رحمه الله تعالى: «قال: وهذا الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل، يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجباً، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجباً، قال: فإن الرياء فيه يجعله بمنزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك العمل وترك الأمر، فإن الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾». نعم، شامل، في أي سورة هذه الآية؟ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، سورة البينة. متى آخر عهدك بها؟ أين يوسف؟ متى آخر عهدك بهذه السورة، سورة البينة؟ آخر مرة سمعتها متى؟ سورة البينة، آخر مرة سمعتها متى؟ في الصلاة، في أي صلاة؟ المغرب، أحسن، نحن حديث عهد بها في صلاة المغرب. قال رحمه الله تعالى: «قال: فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به أي من العمل والعبادة شيء غير المأمور به، والمأمور أن يأتي بالعبادة خالصة لله عز وجل، قال: فلا يصح ولا يقبل منه، ويقول الله تعالى: ﴿أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ﴾». هذا ماذا يسمى هذا يا أبا معاوية؟ ماذا يسمى؟ العرباض، ماذا يسمى؟ ماذا يسمى؟ قال: «ويقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك»، ماذا يسمى؟ آية أو حديث؟ حديث، أي نوع من أنواع الأحاديث؟ قال الله تعالى، قدسي، أحسن، حديث قدسي. «وقيل: المرائي معاقب معذب في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فعذب نفسه في العمل وهو باطل، يعمل وعمله باطل، قال: إن كان صلاة فعذب نفسه في الطهارة لها، ولا سيما في أوقات البرد والزمهرير». الزمهرير، ما المقصود به؟ ما المقصود بالزمهرير يا أبا خالد؟ ما المقصود بالزمهرير؟ ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾، ما هو الزمهرير؟ طيب، أحسنت عندك يا خان علي، زمهرير الله أعلم، أحسنت يا أبا حمزة، ما هو الزمهرير؟ القمر، الله أعلم، هذه إجابة صحيحة يا أبا ناشر، الضباب، طيب، أحسنت يا أبا إبراهيم، يا أبا ناظم، البرد الأيس، ما يكفي لأنه هنا يقول: «ولا سيما في أوقات البرد والزمهرير»، ما من برد شديد، البرد الشديد يسمى زمهرير. «قال: وعذب نفسه في فعلها، وهذا كله هو العمل باطل، بل يعذب عليه لأنه ماذا؟ جعله لغير الله عز وجل، قال: وعذباً، قال: وعذباً». والمرائي، والمقصود بالمرائي يا إخوان الذي يزين العبادة من أجل نظر الناس إليه، نخل في الصلاة لله، أتاه الشيطان، قال: «ما شاء الله، إيش الصلاة ليوم هذا، ما أجملها، ما أجملها، صوتك جميل، وهيئات الركوع والسجود والاعتدال تدل على خشوع كبير». عندك هنا يبدأ يزين العبادة من أجل أن الناس ينظرون إليه ويثنون عليه، ويثنون عليه، وهكذا في الصدقة، وهكذا في الصيام، وهكذا في غيرها من الأعمال، يزين العمل من أجل نظر الناس إليه، بينما لو كان لوحده يصلي، آسى، يصلي صلاة عادية ولا يزينها. «قال: والمرائي ليس له قصد صحيح في عمل من الأعمال، وإنما قصده السمعة، ما معنى السمعة؟ أن الناس يسمعوا عنه ويتحدثوا عنه، قال: والرياء، أي نظر الناس إليه والثناء والمحمدة، أو الدنيا والشهوات والترويج على أهلها، والترويج على أهلها». ولهذا يا إخوان، المؤمن في جهاد هذا من أعظم الجهاد، لما تدخل في صلاة أو تقرأ قرآن أو تتصدق أو تفعل غيرها من الأفعال، جهاد مع من؟ مع النفس الأمارة بالسوء، ومع الهوى، ومع الشيطان الرجيم. يدخل الواحد في الصلاة يا إخوان ونيته لله عز وجل، فيأتي الشيطان ويصرفه، فيحتاج أن يعيد النية إلى مسارها الصحيح، يأتي الشيطان يصرفه مرة أخرى، يعيدها إلى مسارها الصحيح، فمع المجاهدة العمل صحيح والعبادة كذلكم أيضاً صحيحة، أما إذا استرسل وجرى خلف ما يزينه الشيطان له، فهذا يجعل العمل باطلاً والعبادة غير صحيحة، وإنما يكون قد وقع في الشرك بالله عز وجل، فهو بين شرك أصغر وأكبر، إذا زين من أجل نظر الناس إليه هذا شرك أصغر، وإذا كان عمل العمل لأجل الناس، لاحظ: العمل لأجل الناس هنا ينتقل من كونه أصغر إلى أن يكون أعظم وأكبر. «قال: وإن كان في حج أو جهاد أو غيره من الأسفار إلى القربي، قال: فذاك أشد عذاباً وتعباً مع إنفاق المال ليقال، فإنه يجهد بدنه وينفق ماله في عمل باطل ليس له فيه قصد صحيح ولا فيه نية خالصة». والأصل في هذا يا إخوان قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، أي صحتها وفسادها يترتب على ما عند صاحبها من نية، «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ» أي من الأجر والثواب «ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». أذى يا إخوان، ما ذكره رحمه الله تعالى يدل على أن المرائي يتعب نفسه ويعذب نفسه في هذا العمل في الدنيا، في الدنيا، وسيأتي معنا أيضاً مزيد بيان حول ما يتعلق بالرياء في الأعمال، وكيف أن الإنسان يتعب نفسه ويجهدها وليس له في ذلك حظ ولا نصيب وأجر ولا ثواب، وإنما يترتب على عمله هذا ماذا؟ العقاب، وهكذا أيضاً ماذا؟ السيئات التي يجمعها. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن لا يجعل لأحد فيها حظاً ولا نصيباً، وأن يتقبل منا أعمالنا، وأن يتجاوز عن تقصيرنا وإساءتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.