الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 72، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح ابن القيم أن الشرك ينقسم إلى شرك التعطيل المتمثل في إنكار وجود الله أو صفاته كما فعل فرعون والنمرود، وشرك جعل إله آخر مع الله كالتثليث النصراني والثنائية المجوسية. ويؤكد أن التوحيد هو أعظم الحسنات وأعظم الواجبات التي يجب على العبد معرفتها والعمل بها.
يناقش المقطع بدعة القدرية المنكرين لقضاء الله وقدرهم ويشبههم بالمجوس، مستعرضاً موقف ابن عمر في تكفيرهم واشتراط الإيمان بالقدر خيره وشره. ثم يسرد مناظرة إبراهيم مع النمرود الذي ادعى الربوبية فألزمه بإتيان الشمس من المغرب فبهت، ويذكر شرك الصابئة العابدين للكواكب.
يستعرض المقطع صور الشرك في الألوهية كعبادة الكواكب والشمس والنار، مبيناً أن المشركين يتخذون وسائط يزعمون أنها تقربهم إلى الله. ويرد عليهم بتوحيد الله وصفاته من خلال آيات الإخلاص مؤكداً بطلان هذه العبادات وكونها شركاً أكبر، مختتماً بالإشارة للانتقال لبيان شرك العبادة في الدرس القادم.
يختتم المتحدث الدرس بدعاء يطلب فيه من الله حفظ الدين والوفاة على الإسلام وصلاح الأحوال والوقاية من الشرك والبدع والفتن. كما يصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويختم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمواصلة أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى. ولا نزال مع هذه الفصول المتعلقة بالذنوب وتقسيمها إلى صغائر وكبائر، إلى صغائر وكبائر. وذكر رحمه الله تعالى هذه الفصول المتأخرة للدلالة على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وإلى صغائر. وسبق معنا أن هذا التقسيم دلت عليه آيات القرآن، وهكذا أحاديث السنة، وهكذا إجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم فمن بعدهم. وخالف الخوارج والمعتزلة، وهكذا قال بقولهم بعض الأشاعرة، فجعلوا الذنوب باعتبار جرأة العبد على مخالفة أمر الله عز وجل أنها كلها كبائر، أنها كلها كبائر. وأخذ رحمه الله تعالى يرد على مزاعمهم ومستدل بهم على ذلك، وأخذ يبين أن أعظم الحسنات ما كانت تؤدي إلى المقصود العظيم الذي لأجله خلق الله عز وجل الخلق، وهو توحيده، وهكذا معرفته سبحانه وتعالى وطاعته. فكان التوحيد هو أعظم الحسنات وأفضل وأعظم الواجبات، وهكذا ما كان ينافي هذا الأمر فهو من أعظم المحرمات، وهو الشرك بالله عز وجل. وأخذ رحمه الله تعالى يبين الشرك وأنواعه، ويذكر بعض صوره، ويذكر بعض صوره. ومن ذلك أنه ذكر في مقدمة جوابه على استدلال به القائلون المخالفون، فذكر أن الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وأفعاله، وشرك آخر يتعلق بعبادته ومعاملته، وهذا الشرك هو الذي يتعلق بالألوهية والعبادة. وذكر رحمه الله تعالى أن النوع الأول من أنواع الشرك الذي يتعلق بالذات، وهكذا الأسماء والصفات، أنه على نوعين اثنين: الأول شرك التعطيل، شرك التعطيل. وذكر أن ذلك يعتبر من أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون، وهكذا شرك النمرود، وهكذا غيرهم ممن عطلوا الرب تبارك وتعالى فلم يثبتوه، لم يثبتوا وجود الرب تبارك وتعالى، وهكذا غيرها من صور التعطيل التي ذكرها رحمه الله تعالى. ثم ذكر بعد ذلك فصلاً يتعلق بالنوع الثاني من أنواع هذا الشرك، فقال رحمه الله تعالى: «النوع الثاني: شرك من جعل معه إلهاً آخر، شرك من جعل معه، أي مع الله عز وجل، إلهاً آخر، ولم يعط الأسماء وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهاً وأمه إلهاً، أي مع الله عز وجل، وهذه عقيدة التثليث المشهورة عند النصارى، وكفرهم الله عز وجل بذلك: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾». وقال: «ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة، فعندهم إلهان: إله هو إله الخير والنور، وإله آخر هو إله الشر والظلمة». وقال: «ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث منه بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا أشباه المجوس، كانوا أشباه المجوس. بل ورد أن القدرية هم مجوس هذه الأمة، وحسنه جماعة من أهل العلم. ومنهم القدرية الغلاة الذين يقولون: إن الله عز وجل قدر الخير ولم يقدر الشر، وهكذا القائلون بأن الله عز وجل لا يعلم بالشيء إلا عند حدوثه، أن الأمر أنف، وأنه لا قدر». كما جاء بعض التابعين يسأل عبد الله بن عمر عن هذه البدعة التي ظهرت عندهم في البصرة، والبصرة يا إخوان تعتبر معقلاً لبدعة القدر، لبدعة القدر. فقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه مجيباً: «أخبرهم أنهم، أو أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، أنه أو أن الله عز وجل لا يقبل من أحدهم شيئاً حتى يؤمن بالقدر خيره وشره»، أو كما قال رضي الله تعالى عنه. ثم ذكر حديث أبيه عمر الطويل المشهور في سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنه السؤال عن الإيمان، فذكر أركان الإيمان الستة: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». وقال: «ومن هذا شرك الذي حاج إبراهيم في ربه، في ربه، قيل أنه النمرود، ذلك الطاغية الذي ادعى الألوهية، ادعى أنه إله وأنه رب، وأنكر وجود الله عز وجل، وكان يختبر الناس، وكان يختبر الناس في شدة ومجاعة، فيسأله: من ربك؟ فإذا قال: أنت، أعطاه من الطعام والزاد ما أعطاه، وإذا قال: الله، منعه الزاد ومنعه الطعام ومنعه الطعام». فكانت تلك المناظرة المشهورة بين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وبين ذلكم الكافر بالله عز وجل. قال: «ومن هذا شرك الذي حاج إبراهيم في ربه، إذ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت». قيل: يأتي برجلين حكم عليهما بالقتل، فيقتل أحدهما ويبقي الآخر، قال: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: «فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأتِ بها من المغرب»، قال: «فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين». قال رحمه الله تعالى: «فهذا جعل نفسه نداً لله يحيي ويميت بزعمه، كما يحيي الله ويميت. قال: فألزمه إبراهيم أن فرض قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها. قال: وليس هذا انتقالاً كما زعم ذلك بعض أهل الجدل، بل إلزاماً على طرف الدليل، إن كان حقاً، أي: إن كنت كما تقول أنك تحيي الموت، وأنك رب، فالله عز وجل ربي يأتي بالشمس من المشرق، فإن كنت كما تقول فائتِ بها من المغرب، فائتِ بها من المغرب. وليس معناه أن إبراهيم سلم له أنه يحيي ويميت، وإنما انتقل معه إلى ما يبين كذبه ويظهر عجزه للناس أجمعين». وقال: «ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أرباباً مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم، مشركي الصابئة وغيرهم. وأيضاً يذكر بعض العلماء أن هؤلاء الصابئة ممن ليس لهم دين معلوم، وهم كما أشار هنا، هم من المشركين الذين تعلقت قلوبهم بالكواكب، فاتخذوها آلهة من دون الله عز وجل، وجعلوا لها تدبيراً وتسييراً لأمر هذا الكون، لأمر هذا الكون، وهذا من أبطل الباطل». وقال: «ومن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم، وعبادة الشمس عبادة قديمة، وهكذا مثلها عبادة النار، ولكل قوم وارث، فلا زال من يعبدون النار إلى يومنا هذا، ومن يعبدون الشمس إلى يومنا هذا. قبل أيام كانت هناك في بعض البلدان احتفالات لعباد الشمس، لعباد الشمس. فانظر كيف تُضل العقول وتنحرف عن الفطر، وتبتعد عما جاءت به الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم». وقال: «ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، واعتنى به». ويرد على هذا كله قوله تبارك وتعالى: ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد﴾، أي الذي تصمد إليه الخلائق، فترفع حوائجها إليه، كل من أراد شيئاً قال: يا الله. وهكذا ترفع المخلوقات حوائجها إليه. ﴿الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد﴾. وهكذا قوله عز وجل: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾. فالله حق، وغيره من المعبودات والآلهة كلها باطل، وعبادتها باطلة، ولا تغني عن أصحابها شيئاً، ولا تغني عن أصحابها شيئاً. وقال: «ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى إذا عبده يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه، حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله سبحانه، فتارة تكفر الوسائط وتارة تقل». وهكذا شرك المتقدمين الذين عبدوا الأصنام والأشجار والأحجار وغيرها، قالوا: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾. هذه واسطة باطلة، هذه واسطة شركية، لأنهم جعلوهم بينهم وبين الله عز وجل، وصرفوا لهم من أنواع العبادات ما صرفوا، من الدعاء والاستغاثة والاستعاذة والاستعانة، وهكذا غيرها، فذبحوا لها الذبائح، ونذروا لها النذور، وهكذا اعتقدوا فيها ما لا يجوز أن يعتقده العبد إلا في الله تبارك وتعالى. وكونهم يعبدونها لكي تقربهم إلى الله عز وجل، هذا ليس بنافعهم، وليس حجة لهم تبرر عملهم، وإنما هو يعتبر كفراً وشركاً بالله تبارك وتعالى. فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذا النوع، الذي هو يعتبر نوعاً من أنواع الشرك، ألا وهو شرك... الشرك الذي يتعلق بذات المعبود تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله. ولا زال ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق الحديث حول الشرك وحول أنواعه، وسينتقل رحمه الله تعالى لبيان النوع الثاني من أنواع الشرك، ألا وهو شرك العبادة، شرك الألوهية، أن يعبد مع الله عز وجل غيره. يأتي معنا إن شاء الله عز وجل الحديث عن ذلك في الدرس القادم، إن شاء الله عز وجل. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يجنبنا الشرك والبدع والمصائب والفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.