التعليق على كتاب الداء والدواء 70

التعليق على كتاب الداء والدواء 70

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 70، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر وخطر الإصرار والاستهانة بالصغائر

يؤكد المقطع إجماع السلف على تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر مستدلين بالقرآن والسنة، ويحذر من أن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة. كما يبين أن الاستهانة بالصغائر وتراكمها قد تهلك صاحبها مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن محقرات الذنوب.

أثر اجتناب الكبائر في تكفير الصغائر

يتناول المقطع قاعدة شرعية مفادها أن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر، مستدلاً بآيات من القرآن الكريم وأقوال للعلماء كابن حجر وابن القيم. ويربط ذلك بغاية الخلق وهي التوحيد والعدل، مبيناً أن الشرك ظلم عظيم والتوحيد أعدل العدل.

التوحيد مقصود الخلق والشرك أعظم الكبائر

يبيّن المقطع أن العبادة حق خالص لله، وأن الشرك هو أظلم الظلم لأنه ينافي مقصود الخلق وهو التوحيد. ويوضح ابن القيم أن الذنوب تتفاوت في الكبر والصغر بحسب منافاتها للتوحيد، فالشرك أكبر الكبائر لكونه يجعل لله ندًّا.

الخاتمة والدعاء

يختتم المتحدث بالدعاء للجميع بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، ويصلي على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين مع الإقرار بأن الله أعلم. وتكون هذه الخاتمة ختاماً للمجلس العلمي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع هذه الفصول الهامة التي تتعلق بالذنوب والمعاصي. وقد ذكر رحمه الله تعالى في آخر هذه الفصول مسألة تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر، وذكر رحمه الله تعالى أن قول جماهير السلف، بل إجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الأئمة، على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر. ودل على هذا آيات القرآن، وهكذا أحاديث السنة. وخالف في هذا كما سبق الخوارج والمعتزلة، وقال بقولهم بعض الأشاعرة. قالوا: إن الذنوب كلها بالنسبة إلى جرأة العبد على فعلها ومخالفة أمر الله عز وجل فهي تعتبر كلها كبائر، كلها كبائر. وذكر رحمه الله بعض ما استدل به القائلون بهذا القول، وتلاحظ أنها عبارة عن مفهومات واستحسانات بعيدة عن ماذا؟ عن نصوص الكتاب والسنة. وآيات القرآن كما سبق فيها دلالة ظاهرة وصريحة على هذا التقسيم، أي للذنوب إلى كبائر وإلى صغائر. ويضاف إلى ما سبق من آيات القرآن قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49]. ولا يظلم ربك أحدا. وذكر أهل العلم أن هناك ثلاثة أمور ينبغي أن يتنبه لها العبد فيما يتعلق بالصغائر والكبائر: أولها: قالوا الإصرار على الصغيرة قد يجعلها كبيرة. الإصرار على الصغيرة من الذنوب قد يجعلها كبيرة، فتصبح كبيرة لا لنفس الفعل، وإنما بسبب إصرار العبد عليها. ولهذا قال بعض السلف: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار». ومعنى هذا أن الإصرار على الصغائر يجعلها كبائر، وهكذا الاستغفار عند فعل الكبائر يعتبر سببا لغفرانها، وهكذا لمحوها. ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه النافع «إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان» قال رحمه الله تعالى: «قال: الإصرار على الصغيرة قد يساوي إثمه إثم الكبيرة، أو يربى عليها». ما معنى «أو يربى عليها» يا أخانا أبا طاهر؟ قال: «قد يساوي إثمه إثم الكبيرة، أو يربى عليها». أعيد: قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان»: «الإصرار على الصغيرة قد يساوي إثمه إثم الكبيرة، أو يربى عليها». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فما معنى قوله: «أو يربى عليها»؟ يعني يزيد أو ينقص؟ «أو يربى عليها»... اهتزت وربت... نعم، ومنه الربا، الربا: زيادة. أحسنت. إذن قوله: «أو يربى عليها» أي يزيد عليها. الإصرار يا إخوان قد يجعل إثم الصغيرة مساويا لإثم الكبيرة، وفي بعض الأحيان قد يزيد، أن يربى عليها إذا عظم الإصرار، إذا عظم الإصرار. وذكر العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى كما في «لقاء الباب المفتوح» وهو عبارة عن سلسلة له رحمه الله تعالى، قال: «إذا أصر الإنسان على الصغيرة، وصار هذا ديدنه، وصار هذا ديدنه يعني غلب على فعله، لربما أصبح صفة لازمة يعرف بها». قال: «وصار هذا ديدنه صارت كبيرة بالإصرار لا بالفعل». وضرب أمثلة على ذلك، منها: مثل نظر الرجل إلى النساء، الأصل أنه صغيرة، لكن إذا أكثر منه وأصر عليه، وأصبح يترتب عليه ماذا؟ يترتب عليه خوف الفتنة على هذا الإنسان، فإنه يصبح عندها كبيرة، لا بالفعل نفسه، وإنما بسبب إصرار صاحبه. إذن الأمر الأول: قالوا أن الإصرار على الصغيرة قد يجعلها كبيرة، قد تجعلها كبيرة. الأمر الثاني: قالوا الاستهانة بالصغائر، الاستهانة بالصغائر يعتبر مهلكة. الذي يستهين بالصغائر فهذا يا إخوان قد يكون سببا لهلاك صاحبه. وذكر العلماء حديث ابن مسعود في مسند أحمد وغيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحقرات الذنوب، إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه». قال: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه». وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب مثلا لمحقرات الذنوب، فقال عليه الصلاة والسلام: «كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، أي أرض قاحلة، أرض نائية بعيدة، أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، أرادوا يعني أن يطبخوا إلى غير ذلك، قال: فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، قال: حتى جمعوا سوادا، أي أعوادا كثيرة، قال: فأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا فيها». والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «صحيح الترغيب والترهيب» وغيره. الأمر الثالث: قالوا اجتناب الكبائر، اجتناب الكبائر مكفر للصغائر. اجتناب الكبائر مكفر للصغائر. طيب يا إخوان، من يأتي يا إخوان بدليل على هذا؟ يا أبا خالد... نعم، هل تستحضر دليلا على أن اجتناب الكبائر يعتبر سببا لتكفير الصغائر؟ نعم، مكفرات لما بينهم إذا اجتنبت الكبائر... حديث أبي هريرة في صحيح مسلم... نعم يا أبا أحمد، أحسنت. أيضا من القرآن قوله عز وجل: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ [النساء: 31]. نكفر عنكم سيئاتكم، وندخلكم مدخلا كريما، أي الجنة، أي الجنة. وهكذا أيضا: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114]. ما وجهه الدلالة على ما نحن بصدد الحديث عنه فيه؟ أن الحسنات يذهبن السيئات. لكن نريد دليلا على أن اجتناب الكبائر يعتبر سببا لتكفير الصغائر، لا اجتناب الكبائر سبب لتكفير الصغائر... نعم، وإلا أحل على غيرك. وإذا أحلت فأحل على سمين، سمين، سمين، حسا أو معنى، معنى... على من؟ على أبي جعفر... ما شاء الله أنت نحيف حسا، لكن إن شاء الله سمين معنى. والذي ينفع يا إخوان السمن المعنوي، أما الحسي فقد يضر أكثر مما ينفع. نعم يا بلال فاروق، أحسنت: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ [النجم: 32]. ما هو اللمم؟ أي الصغائر، الذنوب الصغائر المعفو عنها. ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فيما أو عند نقله لكلام الإمام أبي سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: «قال: فيؤخذ من الآيتين، فيؤخذ من الآيتين أن اللمم من الصغائر، وأنه يكفر باجتناب الكبائر، أن اللمم من الصغائر، وأنه يكفر باجتناب الكبائر». قال رحمه الله تعالى: «قال: فصل وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال، ولحظوا يا إخوان، ابن القيم رحمه الله تعالى لما أورد فيما سبق الإيرادات، الإيرادات التي احتج بها من يقول بالتسوية بين الصغائر والكبائر، وأنها بالنظر إلى جرأة العبد على مخالفة أمر الله عز وجل كلها كبائر، لما ذكر هذه الإيرادات التي احتج بها من يقول بهذا القول، أتبعها بما يكون به كشف الغطاء، كشف الغطاء وتحقيق الأمر في هذه المسألة، وأن الصحيح هو أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، كما دل على هذا آيات القرآن وأحاديث السنة، وهكذا إجماع السلف من الصحابة والتابعين، وهكذا من بعدهم من أئمة المسلمين، من أئمة المسلمين. وذكر في هذا الفصل الماتع أصولًا عظيمة مهمة يأتي بيانها، ويأتي الكلام عنها في هذا الفصل وما بعده». قال رحمه الله تعالى: «قال: وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال: إن الله عز وجل أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السماوات والأرض ليعرف ويوحد ويعبد، ويكون الدين كله له، أي لله عز وجل، والطاعة كلها له، والدعوة له، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ [الحجر: 85]، وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12]، وقال تعالى: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 97]». قال رحمه الله تعالى: «قال: فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقصد، قال: وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد: 25]. قال: فأخبر أنه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل، وهو العدل. قال: ومن أعظم القصد التوحيد، ومن أعظم القصد قال: التوحيد، بل هو رأس العدل وقوامه. قال: بل هو التوحيد رأس العدل وقوامه، وإن الشرك لظلم عظيم. فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل. ولهذا ربنا عز وجل قال كما في وصية لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]. ظلم يا إخوان، فالظلم حقيقته وضع الشيء في غير موضعه المناسب، إعطاء الشخص ما لا يستحقه وإنما يستحقه غيره. والعبادة يا إخوان حق خالص محض لله تبارك وتعالى، فحين أن تصرف العبادة لغير الله فهذا يعتبر أعظم الظلم. ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]. أي بشرك، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. وهذه جاءت في سياق مناظرة ومحاجة إبراهيم لقومه، حين أخوفوه بأصنامهم وآلهتهم التي يعبدونها، قال: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 81-82]». قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «قال: فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل، فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر». ركز على هذه العبارة، يقول: «فما كان أشد منافاة لهذا المقصود»، أي مقصود يا إخوان؟ أي مقصود؟ نعم يا خان محمد ابن زكيد... أي مقصود؟ قال: «فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر». عكسه الظلم... طيب، أحسنت. يعني المقصود أن الإنسان لا يقع في الظلم، وهو ماذا؟ أن يقوم بالتوحيد. المقصود ها هنا الذي قال فيه: «فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر»، أي توحيد الله ومعرفة الله تبارك وتعالى وعبادة الله، فما كان منافيا لهذا الأمر فماذا؟ فهو يعتبر أكبر الكبائر. قال: «وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له»، تتفاوت على حسب اختلافها في ماذا؟ في هذه المنافاة. قال: «وما كان أشد موافقة لهذا المقصود، أي للتوحيد والعبادة لله عز وجل ومعرفة الله سبحانه وتعالى، قال: فهو أوجب الواجبات وأفرض الطاعات». قال رحمه الله تعالى: «قال: فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر به، واعتبر به». وفي بعض النسخ: «واعتبر ب». جملة تفاصيله تعرف به حكمة أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، وهو الله عز وجل، فيما فرضه على عباده وحرمه عليهم، وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي. وهنا يا إخوان ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أصلًا عظيمًا نافعًا في هذه المسألة، وهي مسألة ماذا؟ الذنوب وتفاوتها، وهكذا أشار إلى الطاعات ودرجاتها. بالنسبة للذنوب بينا أنها تتفاوت إلى كبائر وصغائر، بل الكبائر نفسها أيضا تتفاوت، فمنها أكبر الكبائر، كالشرك، وهكذا عقوق الوالدين، وهكذا قول الزور، كما بينا، عليه الصلاة والسلام، وغيرها. والحاصل، الحاصل يا إخوان في هذا الأمر أن الذنوب متفاوتة، وتفاوت هذه الذنوب على حسب تفاوتها في منافاتها لهذا المقصود العظيم، ألا وهو توحيد الله وعبادة الله ومعرفة الله عز وجل، الذي هو المقصود من خلق الخلق: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾. فكلما كان الذنب منافيا للتوحيد ومنافيا لعبادة الله عز وجل، كلما كان أعظم. وكلما كانت المنافاة أقل، كلما كان الذنب أخف. وهكذا بالنسبة للطاعات، فما كان من الطاعات والعبادات موافقا لهذا المقصود، أي التوحيد والعبادة، كان من أوجب الواجبات وأفرض الفرائض التي شرعها ربنا تبارك وتعالى. ولأجل هذا كان التوحيد أعظم الحسنات، وكان الشرك أعظم السيئات التي حرمها ربنا تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «قال: فلما كان الشرك بالله منافيا، منافيا بالذات لهذا المقصود، كان أكبر الكبائر على الإطلاق، أي الذنب أعظم، قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، كما مر معنا في حديث ابن مسعود في الصحيحين. قال: وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد، وأن يتخذوهم عبيدا لهم، لما تركوا القيام بعبوديته. قال: وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملا، أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة. فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله، حيث جعل له من خلقه ندا، وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه. وإن كان المشرك لم يظلم ربه، وإنما ظلم نفسه. إذا كان الشرك بالله عز وجل ظلمًا بل وعظيمًا، فآماذا في حقيقة الأمر؟ المشرك لم يضر الله شيئا، لم يضر الله شيئا، ولم يظلم ربه عز وجل حقيقة. فربنا عز وجل غني وقوي وكبير وعظيم، وإنما ظلم المشرك نفسه. ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46]». الحديث له تتمة حول ما ذكره رحمه الله تعالى في مسألة الصغائر والكبائر، وترجيح ما عليه السلف من تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر، يأتي معنا إن شاء الله عز وجل الكلام عن ذلك في درس لاحق، إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.