الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 69، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع خلاف العلماء في عدد الكبائر، حيث ذكر أقوال الصحابة بأنها أربع أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة أو سبعين، واستعرض تصنيف أبي طالب المكي للكبائر حسب الأعضاء. كما ذكر قول من لم يحصروها بعدد واعتبروا كل ما نهى الله عنه في القرآن كبيرة وما نهى عنه الرسول صغيرة.
يستعرض المقطع أقوال أهل العلم في ضابط الكبيرة التي جمعها ابن القيم، ومنها ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو لعن وغضب أو نفي إيمان أو نص صريح على كونها كبيرة. ويناقش مذاهب من لا يقسمون الذنوب إلى كبائر وصغائر كالمعتزلة والخوارج، ويرد قولهم بأن الذنوب كلها سواء عند الله لمخالفته للنصوص والإجماع.
يناقش المقطع حجة القائلين بتساوي جميع الذنوب لكونها معصية لله، ويرد عليها بأنها مبنية على نفي الصفات ومخالفة لعقيدة السلف. يبين أن العبرة بعظمة المعصية عند الله لا بمجرد الجرأة، وأن الجهل بالتحريم قد يعذر بخلاف الجهل بالعقوبة، مع ضرب أمثلة كالحج والزكاة والزنا لتوضيح تفاوت الواجب والعقوبة.
يختتم المتحدث المجلس بالدعاء للجميع بالتوفيق، ويشير إلى استكمال الحديث في مجالس قادمة إن شاء الله. ويختم بالصلاة على النبي والحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال شيخ الإسلام الإمام أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في رسالته النافعة وكتابه القيم المفيد الموسوم بـ «الداء والدواء»، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي. ولزال الحديث يتعلق بالعقوبات، وهكذا الذنوب والمعاصي التي يترتب على فعلها عقوبات شرعية، وهكذا أخرى قدرية. وذكر رحمه الله تعالى في آخر ما ذكر، ومر معنا ذكر فصل مفيد نافع يتعلق بجانب من جوانب الذنوب. فما هو آخر ما تكلمنا عنه فيما يتعلق بالذنوب والمعاصي؟ آخر ما مر معنا تكلم حول فصل يتعلق بـ... يا أبا حليفة: الكبائر والصغائر. الكبائر والصغائر. وذكر رحمه الله تعالى أن الذي دل عليه آيات القرآن وأحاديث السنة، وهكذا إجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الأئمة، على أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وإلى صغائر. وذكر أدلة من القرآن والسنة تدل على ذلك، تدل على ذلك. ثم قال رحمه الله تعالى: «قال: واختلف الناس في الكبائر هل لها عدد يحصرها؟ على قولين». ثم الذين قالوا بحصرها اختلفوا في عددها. إذن العلماء اختلفوا في الكبائر: هل لها عدد يحصرها أم أنها ليست بمنحصرة؟ فالذين قالوا أنها تنحصر في عدد اختلفوا في هذا العدد. قال: «فقال عبد الله ابن مسعود: هي أربع، هي أربع». وهذا أخرجه الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره المسمى بـ «جامع البيان في تفسير آي القرآن»، في تفسير آي القرآن. وجاء عن ابن مسعود من طرق وهو صحيح. وقال: «وقال عبد الله ابن عمر: هي سبع، هي سبع». وهذا كذلك أيضًا أخرجه الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره. أخرجه ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره. جاء عن ابن عمر، وهكذا أيضًا جاء عن علي ابن أبي طالب، وهكذا جاء عن أبي سعيد وأبي هريرة. وأبو سعيد وأبو هريرة يرفعانه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ويجتنب الكبائر السبع، ويجتنب الكبائر السبع». وأخذ من هذا أنها محصورة في سبع، أنها محصورة في سبع. وقال: «وقال عبد الله ابن عمرو بن العاص: هي تسع، هي تسع». وهذا وهذا كذلك عند ابن جرير الطبري في تفسيره، في تفسيره. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وغيره عن ابن عمر، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، يعني موقوفًا على ابن عمر، موقوفًا على ابن عمر. وجاء مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكن ضعفه جماعة من أهل العلم، قالوا: هو من طريق أيوب ابن عتبة وهو ضعيف. وهكذا أيضًا اضطرب فيه، فيرويه ثارة مرفوعًا وتارة أخرى موقوفًا. وقال: «وقال غيره: هي أحد عشرة، هي أحد عشرة». وكونها إحدى عشرة هذا جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وقال: «وقال آخر: هي سبعون». وهذا جاء عن ابن عباس وغيره، جاء عن ابن عباس وغيره. ابن عباس سئل عن الكبائر: هي سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب، هي إلى السبعين أقرب. وصنف من صنف من أهل العلم في الكبائر فعدها سبعين، اعتمادًا على مثل هذا الذي ورد عن ابن عباس، وهكذا عن غيره، وهكذا عن غيره. والإمام أبو عبد الله شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى له كتاب مشهور في الكبائر، فعدها رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «وقال أبو طالب المكي: قال: جمعتها من أقوال الصحابة فوجدتها أربعة في القلب، وهي: الشرك، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والأمن من مكر الله. هذه تتعلق بالقلب. وقال: وأربعة في اللسان، قال: وهي: شهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسحر. وقال: وثلاث في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وأكل الربا. وقال: واثنان في الفرج، وهما: الزنا واللواطة، الزنا واللواطة. وفي بعضها: واللواط، وفي بعضها: واللواط. وقال: واثنان في اليدين، وهما: القتل والسرقة. وقال: وواحد في الرجلين، وهو: الفرار من الزحف، الفرار من الزحف. وهذا فيما إذا التقى الصفان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾، فلا تولوهم الأدبار. وقال: وواحد يتعلق بجميع الجسد، وهو: عقوق الوالدين، وهو عقوق الوالدين. وهذا الذي ذكره رحمه الله تعالى على حسب علمه وما وصل إليه اجتهاده، وقد يأتي من يأتي فيذكر زيادة على ذلك، زيادة على ذلك. قال رحمه الله تعالى: «قال: والذين لم يحصروها بعدد، قال منهم من قال: كل ما نهى الله عنه في القرآن فهو كبيرة، وما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو صغيرة، فهو صغيرة». وهؤلاء الذين لم يحصروها بعدد، لم يحصروها بعدد، جعلوا الكبائر أكثر مما ذكر، أكثر مما ذكر. وهكذا لم يصح عندهم في حصرها حديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما قول من يقول: إن الكبيرة هي كل ما نهى الله عنه في القرآن، كل ما نهى عنه ربنا عز وجل في القرآن، وأما ما جاء النهي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو صغيرة، فهذا مما لا يسلم، فقد جاء في السنة ذكر عدد من الكبائر التي لم تذكر في القرآن، التي لم تذكر في القرآن. قال رحمه الله تعالى: «قال: وقال الطائفة...» وسيذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أقوالًا ومذاهب لأهل العلم في حد الكبيرة وضابطها، ثم سيرجح رحمه الله تعالى، سيرجح ما صح عنده في ضابط هذه الكبيرة الذي يميزها عن الصغائر. قال: «قال رحمه الله تعالى: قال: وقال الطائفة، أي من أهل العلم: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة، وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة، فهو صغيرة». وقال: «وقيل: كل ما رتب عليه حد في الدنيا، حد في الدنيا». مثل ماذا من الذنوب التي ترتب عليها حد في الدنيا؟ يا عبد الرحمن: ذنب من فعله أقيم عليه حد في الدنيا، إما جلد أو رجم أو غيره، قطع أو قتل. حد القتل: نعم، وما هو حد القتل؟ النفس بالنفس، يقتل من قتل غيره متعمدًا بغير حق. وهكذا وهكذا حد السرقة: القطع. وهكذا حد الزنا: إن كان بكرًا فالجلد مع التغريب، تغريب عام، وإن كان محصنًا فالرجم. وهكذا غيرها من الذنوب التي رتب على فعلها حد في الدنيا. «قال: أو وعيد في الآخرة، أو وعيد في الآخرة، قال: فهو كبيرة، فهو كبيرة. وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا، أي: لا حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة، قال: فهو صغيرة، فهو صغيرة». وقال: «وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو كبيرة من الكبائر، فهو كبيرة من الكبائر. وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة». وقال: «وقيل: كل ما لعن الله أو رسوله فاعله فهو كبيرة، فهو كبيرة». وقال: «وقيل: الكبائر هي ما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ». وهذا ذكره ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وابن القيم رحمه الله تعالى جمع هذه الأقوال، جمع هذه الأقوال في ضابطي وحد الكبيرة، ورحمه الله تعالى ذكر أن الصواب أو ماذا؟ ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر هذه الأقوال عن هؤلاء الأئمة رحمة الله عليهم، والذي صوبه جماعة من أهل العلم في ضابطها: أن الكبيرة ما ترتب عليها... ما ترتب عليها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو وعيد في الآخرة، أو ترتب عليها لعن أو غضب، أو دخول إلى النار، أو عدم دخول الجنة، أو عدم دخول الجنة، أو ورد فيها نص أنها من الكبائر، أنها من الكبائر، أو ترتب على فعلها نفي الإيمان: ﴿لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ﴾، لا يؤمن أحدكم، نفي للإيمان. فهذه أمور تعتبر علامات على أن المعصية إذا ترتب عليها شيء مما ذكر فهي... فهي من الكبائر، وإلا فهي تعتبر من النوع الآخر، ألا وهي الصغائر، ألا وهي الصغائر. إذن الكبيرة: ما ترتب على فعلها... ما ترتب على فعلها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو وعيد في الآخرة، أو ترتب عليها لعن أو غضب، أو دخول النار، أو عدم دخول الجنة، أو نفي الإيمان عن صاحبها، أو ورد في ذلك نص على أنها كبيرة، فهذا يدل على أنها من الكبائر، وإلا فهي من الصغائر، وإلا فهي من الصغائر. وتجد أن هذا موجود فيما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى من أقوال الأئمة في حد الكبيرة. قال رحمه الله تعالى: «قال: والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر، إلى كبائر وصغائر، من هم يا إخوان؟ الذين سبق معنا أنهم لا يقسمون الذنوب إلى كبائر وصغائر: الخوارج، والخوارج. أحسنت. أيضًا هم أقرب إلى الخوارج فيما يتعلق بمرتكب الكبيرة. الخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة، بينما هؤلاء يقولون: لا، لا يكفر. طيب، مؤمن؟ قالوا: لا، ليس بمؤمن. إذن ماذا قالوا؟ منزلة بين منزلتين. فمن هم؟ الإباضية. أحسنت يا أبا أحمد: المعتزلة، المعتزلة. ماذا؟ لا يقسم الذنوب إلى كبائر وصغائر. وهكذا جاء عن بعض الأشاعرة، أم بعض الأشاعرة؟». قال: «والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر، قالوا: الذنوب كلها بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه... الجراءة يعني: الجراءة والإقدام على فعلها، قال: كلها... كلها بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه ومعصيته ومخالفة أمره كبائر، حتى لو كانت صغيرة. لكن بالنسبة إلى جرأة العبد على... على ارتكاب هذه المعصية فهي تعتبر بالنسبة للجراء... وهكذا أيضًا المعصية والمخالفة لأمر الله كبائر. قال: فالنظر إلى من عصي أمره وانتهكت محارمه يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر. قال: وهي مستوية في هذه المفسدة. وهذا لا يصح، هذا القول باطل لأنه قول مصادم لآيات القرآن وأحاديث السنة، وهكذا إجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم، فمن بعدهم». قال رحمه الله تعالى: «قالوا: ويوضح هذا أن الله سبحانه لا تضره الذنوب ولا يتأثر بها، ولا يتأثر بها، فلا يكون بعضها بالنسبة إليه أكبر من بعض، أكبر من بعض. فلم... فلم يبقَ إلا مجرد معصيته ومخالفته، ولا فرق في ذلك بين ذنب وذنب. وهذا يا إخوان هذا لا يصح، هذا لا يصح. وهذا التعليل الذي ذكره هؤلاء القائلون بعدم تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وأنها بالنسبة للجرأة على الله عز وجل ومعصيته ومخالفة أمره كلها كبائر، هذا التعليل كما ذكر بعض أهل العلم مبني على نفي صفات الرب عز وجل. لاحظوا أصول الخوارج وأصول المعتزلة. فهذا التعليل مبني على ذلك، على نفي صفات الرب تبارك وتعالى. وهذا كما سبق يعتبر خلاف عقيدة السلف رحمة الله عليهم. فربنا تبارك وتعالى يحب أن يطاع، وهكذا يرضى عمن أطاعه. وربنا عز وجل يكره أن يعصى، ويغضب على من عصاه، ويغضب على من عصاه. وكلما كبر الذنب كلما قبح وعظم عند الله عز وجل، وكلما كان الذنب أصغر كلما كان دون ذلك، كلما كان دون ذلك». قال رحمه الله تعالى: «قالوا: ولزال ابن القيم يذكر ما استدل به القائلون بهذا القول الفاسد وهذا المعتقد... آماذا الذي هو خاطئ وليس بصحيح. قالوا: ويدل عليه أن مفسدة الذنوب إنما هي تابعة للجراءة والتوثب على حق الرب تعالى. قال: ولهذا لو شرب رجل خمرًا أو وطئ فرجًا حرامًا وهو لا يعتقد تحريمه، لكان قد جمع بين الجهلي... وبين مفسدة ارتكاب الحرام، وبين مفسدة ارتكاب الحرام. قال: ولو فعل ذلك من يعتقد تحريمه لكان آتيًا بإحدى المفسدتين، وهي مفسدة ارتكاب الحرام، وهي مفسدة ارتكاب الحرام. قال: وهو الذي يستحق العقوبة دون الأول، الذي يستحق العقوبة دون الأول. قال: فدل على أن مفسدة الذنب تابعة للجراءة والتوثب. وهنا يشير إلى مسألة العذر بالجهل: أن الشخص قد يقع في الحرام وهو يجهل حرمة ذلك، فماذا فعندها؟ لا يستحق العقوبة، ولا يقام عليه الحد، ولا يقام عليه الحد. يشير إلى ذلك في قول هؤلاء، في قول هؤلاء. وإن كان هذا الكلام صحيحًا في الذنوب التي قد يسع المسلم جهلها، يسع المسلم جهلها، فنعم قد يُعذر من يجهل ذلك، قد يُعذر من يجهل تحريم هذا الفعل. وأما من كان يعلم الحرمة أنه حرام، لكن لا يعلم أنه يترتب على فعل هذا الحرام إقامة الحد والعقوبة، فهذا لا يُعذر. شخص متزوج وقع في الزنا: ما لك يا فلان لماذا زنيت؟ ألست تعلم بأن الزنا حرام؟ قال: نعم أعلم بأن الزنا حرام، لكن لست أعلم أن المحصن إذا زن يرجم حتى الموت. نقول: جهله هذا لا ينفعه، ما دام أنه يعلم حرمة هذه المعصية، فيقام عليه الحد، وتقام عليه هذه العقوبة، هذه العقوبة. قال: فدل على أن مفسدة الذنب تابعة للجراءة والتوثب. قالوا: أي مما استدلوا به كذلك، قالوا: ويدل على هذا أن المعصية تتضمن الاستهانة بأمر المطاع ونهيه، وانتهاك حرمته، وهذا لا فرق فيه بين ذنب وذنب. ولاحظوا يا إخوان أن الكثير من هذه الحجج هي عقلية في مصادمة النصوص الثابتة من الكتاب والسنة، وهكذا هم المعتزلة ومن على نحوهم، يقدمون العقل على النقل، يقدمون العقل على النقل، فأوتوا ذكاء ولم يؤتوا ذكاء، أعطوا عقولًا ولم يعطوا فهومًا، كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم كابن الذهبي وغيره». قال رحمه الله تعالى: «قالوا: أي من حججهم، أو قل: من شبههم، قالوا: فلا ينظر العبد إلى كبر الذنب وصغره في نفسه، ولكن ينظر إلى قدر من عصاه وعظمته، وانتهاك... وانتهاك حرمته بالمعصية. وهذا وإن كان في معناه صحيحًا أن العبد لا ينظر إلى صغر المعصية ولكن ينظر إلى عظمة من يعصي، لكن ليس فيها دليل على ما ذهبوا إليه من عدم التفريق بين الصغائر والكبائر. قال: وهذا لا يفترق فيه الحال بين معصية ومعصية، فإنه لو أن ملكًا مطاعًا عظيمًا أمر أحد مماليكه أن يذهب في مهم له إلى بلد بعيد، وأمر آخر أن يذهب في شغل له إلى جانبي الدار، يعني إلى مكان قريب. قال: فعصياه وخالفاه في أمره ذلك، لكان في مقته... أي في غضبه والسقوط من عينه، سوى... والسقوط من عينه سوى. قالوا: ولهذا لما كانت معصية من ترك الحج من مكة، أو ترك الجمعة وهو جار المسجد، أقبح عند الله من معصية من تركه من المكان البعيد، والواجب على هذا أكثر من الواجب على هذا. ولو كان مع رجل مئة درهم، فمنع زكاتها، ومئة درهم... أي نصاب الواجب إخراجه، أو الذي يجب أن يخرج منه الزكاة من الفضة. قال: فمنع زكاتها، ومع آخر مئة ألف... ألف، فمنع زكاتها، لاستويا في منع ما وجب على كل واحد منهما، ولا يبعد استواءهما في العقوبة، في العقوبة، إذ كان كل منهما مصرًا على منع زكاة ماله، قليلا كان المال أو كثيرا. فهذه بعض الشبه وبعض الأمور التي استدل بها من لا يفرق بين الصغائر والكبائر، ويجعلها بالنسبة لجرأة العبد ومخالفته ومعصيته لله عز وجل أنها كبائر، وكلها... كما سبق فيها مصادمة لما سبق ذكره من الأدلة من الكتاب والسنة، وهكذا إجماع السلف من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وسيجيء لابن القيم كلام يكشف فيه الغطاء عن هذه المسألة، ويحقق القول فيها، وينصر قول أهل الحق، رحمه الله تعالى. يأتي معنا الكلام عن ذلك في مجالس لاحقة، إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم».