الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 103، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
نهى الإسلام عن التشبه بأعياد المشركين كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. استدل ابن تيمية بحديث أنس وحديث ثابت بن الضحاك على تحريم الاحتفال بأعياد الجاهلية.
يشرح الحديث نذر والد ميمونة بنت كردم ونذر ذبح غنم في رأس بوانة، ورد فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي سأل عن وجود أوثان ثم أمر بالوفاء بالنذر لله.
تطرق المقطع إلى جواز الوفاء بنذر الذبح في مكان معين بعد التأكد من عدم وجود وثن أو عيد جاهلي فيه، كما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة الوفاء بنذرها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فذكر الشيخ الإسلام المتعيم رحمه الله أن مسألة النهي عن أعياد المشركين أو التشبه بأعياد المشركين جاء فيها النص من الكتاب والسنة. فذكر بعض الآيات، وذكر أيضًا من السنة حديث أنس: «ما هذان اليومان؟» قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما هذان اليومان؟» قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية -نلعب معناه نحتفل- فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله أبدلكما بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر». رواه أبو داود، وذكرنا أنه صحيح. قال هنا الآن الحديث الثاني، أي الذي يدل على تحريم أعياد المشركين والتشبه بهم في أعيادهم. قال الحديث الثاني ما رواه أبو داود، قال: حدثنا داود بن رشيد الهاشمي، وهو ثقة، قال: حدثنا شعيب بن إسحاق، وشعيب بن إسحاق هو بصري ثقة، قال: عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، وهو أبو نصر إمام من أئمة الحفظ، قال: حدثني أبو قلابة، هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري، قال: حدثني ثابت بن الضحاك، وثابت بن الضحاك هو أنصاري أشهلي، أن بني عبد الأشهل قال -أي ثابت بن الضحاك-: نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة -ببوانة كما هو معروف منطقة قرب مكة أو ما بين مكة والمدينة- قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي هذا الرجل الذي نذر أن ينحر إبلا ببوانة- فقال -أي هذا الرجل-: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» قالوا: لا. قال: «فهل كان فيها عيد من عيادهم؟» قالوا: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوف بنذره؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». قال: أصل هذا الحديث في الصحيحين -أي حديث عائشة-: «لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد». قال: وأما حديث عقبة بن عامر، فقال: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» قالوا: لا. قال: «فهل كان فيها عيد من عيادهم؟» قالوا: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». قال: أصل هذا الحديث في الصحيحين. وهذا الإسناد على شرط الصحيحين، وإسناد كلهم ثقات مشاهير، وهم متصل بلا عنعنة. وفي رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير شيء، لكن إذا تبين الخطأ، فالأوزاعي حافظ كبير وإمام، إلا أنه احترقت عليه الأحاديث التي كانت أخذها من يحيى بن أبي كثير، وقيل: إنه أخذها وهو صغير، ولهذا حصل له تخليط في بعض الأحاديث، لكن الأصل أنه حافظ. قال: أبوانة بضم الباء، موحدة من أسفل، وفيه يقول وضاح اليمن: أيا نخلتي أيا نخلتي، وادي بوانة حبذا إذا نام حراس النخيل جناكما. قال: وسيأتي وجه الدلالة منه. قال أبو داود -أي من الحديث-: وحدثنا الحسن بن علي، أو الحسن بن علي الفلواني السعدي، قال: حدثنا يزيد بن هارون، هو الواسطي أبو خالد، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد بن مقسم الثقافي، من أهل الطائف، قال: حدثتني سارة بنت مقسم. وهذه سارة لا تعرف، وغالب النساء مجهولات -كما ذكر الإمام الذهبي رحمه الله-: أنا إذا رأيت امرأة في الإسناد، فغالبًا تكون مجهولة، إلا القليل من النساء التي هن مشهورات، مثل -مثلا- من التابعيات: عمرة بنت أسعد، وأيضًا كذلك حفصة بنت سيرين، وغيرهم من هؤلاء. قالت: أنها سمعت ميمونة بنت كردم -ميمونة بنت كردم، وهذا كردم صحابي، كردم نسفيان- قالت: خرجت مع أبي في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعت الناس يقولون: رسول الله صلى الله عليه وسلم -أنا هذا ميمونة تقول هذا- قالت: فجعلت أبده بصري -أو أبده بصري- معناه: أنظر إليه ولا ألتفت إلى غيره، معناه: كأن تديم النظر وتتبع بصره. رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فدنا إليه أبي وهو على ناقة له، معه درة -كدرة- الكتاب -الكتاب معناه: الذين يحفظون الأولاد القرآن، فيكون معهم درة حتى يؤدبوا من لا ينتبه- قال: فسمعت الأعراب والناس يقولون: الطبطبية -الطبطبية هي الدرة على وجه التحذير- معناه: عندما طبطب الأقدام. قال: فدنا إليه أبي، فأخذ بقدمه، قالت: فأقر له ووقف فاستمع منه -الطبطبية معناه: كأنه يقول ابتعدوا- النبي صلى الله عليه وسلم يسعى، فلهذا أخذ بقدمه، وهو كان على ناقته -النبي صلى الله عليه وسلم- هذا الكردم، وهو أعرابي أيضًا. قال: فأقر له ووقف فاستمع منه، فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن ولد لي ولد ذكر أن أنحر على رأس بوانة، في عقبة من الثنايا، عدة من الغنم -معناه: سينحر عدة من الغنم في عقبة الثنايا في رأس بوانة- قال: لا أعلم إلا أنها قالت: خمسين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «هل بها من هذه الأوثان شيء؟» قال: لا. قال: «فأوف بما نذرت به لله». قال: فجمعها، فجعل يذبحها، فانفلتت منه شاة، فطلبها وهو يقول: اللهم أوفي بنذري. فضفر بها فذبحها. قال: فهذا الحديث إسناده كما ذكر أنه فيه هذه المرأة سارة بنت مقسم، وهي مجهولة، وهي مجهولة، لكن الحديث يشهد له الحديث الذي تقدم، بمعنى قريب. قال أبو داود: وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو بكر الحنفي، وهو عبد الكبير بن عبد المجيد البصري، وهو من مشايخ -معنى محمد بن بشار- معناه: من مشايخ الإمام أحمد أيضًا، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، وهو أيضًا ثقة ثبت، أو ثقة، قال: عن عمر بن شعيب، عن ميمونة بن كردم بن سفيان -أنا هذه ميمونة التي تقدمت، وهي صحابية، والآن الراوي عنها عمر بن شعيب، وهناك رواية عنها روت عنها سارة بنت مقسم، وفي هذه الرواية روى عنها عمر بن شعيب- قال: عن أبيها نحوه مختصرًا شيء منه، قال: «هل بها وثن أو عيد من أعياد الجاهلية؟» قال: لا. قال: قلت: إن أمي عليها نذر مشي، أفأقضيه عنها؟ وربما قال ابن بشار: أن نقضيه عنها. قال: نعم. قال: وقال حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد، أبو الحسن البصري، قال: حدثنا الحارث بن عبيد -والحارث بن عبيد أيضًا بصري، أبو قدامة، ومنزلته عندنا حديثه حسن ما لم يخطأ أو يهم أو يخطأ- قال: عن عبيد الله الأخنس -عبيد الله الأخنس وهو أيضًا كذلك صدوق- عن عمر بن شعيب، عن نبي عن جده. كان الآن خالف عبد الحميد بن جعفر، لكن الظاهر أن هذا الوهم من حارث بن عبيد، فجعل عمر بن شعيب عن نبي عن جده، وهي الجادة كما يسميها العلماء -عن سلك الجادة-. وأما أبو بكر -عبد الحميد بن جعفر- فذكر الصحيح أنه عمر بن شعيب عن ميمون بن كردم، قال: أن امرأة أتت النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف. قال: «أوفي بنذرك». قالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا -مكان كان يذبح فيها للجاهلية- قال: «لصنم؟» قالت: لا. قال: «لوثن؟» قالت: لا. «أوف بنذرك». لكن كما قلنا: الظاهر أنه فيه خطأ في الإسناد، فقد يكون من الحارث بن عبيد، وإلا فالصحيح أن عمر بن شعيب رواه عن ميمون بن كردم. قال: فوجه الدلالة أن هذا الناذر كان قد نذر أن يذبح نعما -إما إبلا وإما غنما- وإما كانت قضيتين بمكان سماه رسول الله، فسأله النبي عليه الصلاة والسلام: «هل كان بها من أوثان الجاهلية يعبد؟» قال: لا. قال: «فهل كان بها عيد من عيادهم؟» قال: لا. قال: «أوف بنذرك». ثم قال: «لا وفاء لنذر في معصية الله». ثم ذكر الشيخ هنا أوجه لدلالة هذا الحديث على ما قصده، وهو النهي عن التشبه بعياد المشركين. إن شاء الله تعالى نتركه في درس آخر.