الدرس في شرح كتاب التوحيد 70، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
درس يشرح مسألة النذر لغير الله ويبين أقسام النذر وكيفية الجمع بين مشروعية النذر والنهي عنه. يذكر آراء أهل العلم في النذر المقيد والمطلق.
يشرح كيف يحدد العلماء ما إذا كان فعل معين شركًا بالله، إما عن طريق التنصيص الشرعي أو بكون الفعل عبادة. يطبق ذلك على النذر باعتباره عبادة وفقًا للآيات القرآنية.
النذر عبادة يحبها الله وتدل الآيات على أن صرفها لغير الله شرك. العلماء بينوا أن النذر لغير الله من الشرك الظاهر بين الناس عند العتبات والأضرحة.
النذر لغير الله يعتبر شركاً إذا توجه به الإنسان لغير الله سبحانه وتعالى، وله صور كثيرة وردت في الأحاديث النبوية. يمكن أن يدخل الإنسان في النذر الشركي أو البدعي بفعله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: بابٌ من الشرك النذر لغير الله. في درس أمس، إخواني في الله، كانت الإشارة إلى هذا التبويب الذي بواب عليه المؤلف رحمه الله تعالى، وكان التمهيد لمسألة وهو كيف الجمع بين مشروعية النذر مع ما جاء من النهي عنه، كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر، وذكرنا أن من أفضل ما يكون به الجمع ما ذكره جماع من أهل العلم من أن النذر ينقسم إلى قسمين: إلى نذر مطلق وإلى نذر مقيد. فما كان من النذر المطلق الذي من غير مقابل فهذا الذي يمدح عليه صاحبه، وما كان من النذر المقيد فهذا الذي لا ينبغي بل يذم ويكره، بل من أهل العلم من ذهب إلى التحريم تمسكًا بظاهر النص، النذر المقيد كأن يقول إنسان: إن شف الله مريضي فعلي كذا وكذا، فهذا مما وقع فيه الخلاف: فيجوز أو لا يجوز؟ فمنهم من ذهب إلى الحرمة، وإن الأمر ليزداد إثمًا إذا كان ذلك مصاحبًا باعتقاد، كأن يعتقد صاحب النذر بأن الله لن يلبي طلبه إلا بنذر، فمن اعتقد بهذه المعاملة في الله جل في علاه بأن الله لن يعطيك ما تؤمله من رجاء وفي دفع ضراء إلا بمقابل بعمل تؤديه عن طريق النذر، فهذا سوء ظن بالله جل في علاه. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى من أعظم ما استدل به في هذه الآية بقوله سبحانه وتعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾، استدل المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية الأولى، ثم أيضًا استدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾. ما الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى من إيراد هاتين الآيتين وهو في مقام ذكر مسألة من الشرك: النذر لغير الله؟ إن من طريقة العلماء أن الأمر المعين شرك بالله يكون على أحد صورتين: إما التنصيص أن الشرع يصرح ويبين على أن الأمر الفلاني قولًا أو فعلًا أو اعتقادًا هو شرك، فأمره واضح لا لبس فيه ولا غموض، أو إن الدلالة على أن هذا الأمر المعين عبادة، فإذا علمنا أن الأمر المعين عبادة، إذن ستأتي القاعدة المتفق عليها أن صرف العبادة لغير الله شرك. فهذه طريقة وتلك طريقة، أعيد: طريقة العلماء في بيان والحكم على أن الأمر المعين شرك بالله يكون بأحد أمرين: إما التنصيص أن الشرع ينص على أن هذا الأمر المذكور شرك بالله، فيدخل في حكم الشرك، ثم يتناول العلماء هل هو من الشرك الأكبر أم من الشرك الأصغر؟ لكن لا يخرج أبدًا عن كونه شركًا لأن الشرع صرح بهذا، فيبقى على الأصل. الطريقة الثانية في الحكم على أن الأمر المعين شرك بالله وهو أن يعلم بأنه عبادة، فإذا علمنا أنها عبادة حينها ستأتي القاعدة المتفق عليها أن صرف العبادة لغير الله شرك. هنا المؤلف رحمه الله تعالى اتخذ الطريقة الثانية، وهو الدلالة على أن النذر عبادة. وكيف علمنا أن النذر عبادة؟ تأمل في النص الأول، يقول الله جل وعلا: ﴿يوفون بالنذر﴾، هذا المقام مقام مدح وسياق مدح في حق أهل الإيمان، بل من صفات أهل الجنة أن من أمرهم أنهم يوفون بالنذر، يوفون به. والعبادة ضابطها عند أهل العلم هو كل أو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، فأمر يحبه الله ويرضاه الله عز وجل فهو عبادة. فإذا نظرنا في هذه الآية تجد أن الله يحب هذا الفعل من عباده أنهم يوفون بالنذر، ﴿ويخافون يوما كان شره مستطيرا﴾، فلما كان من أمرهم الوفاء بالنذور وهذا أمر مرغب به محبوب محمود عند الله جل وعلا دل على أن الإيفاء بالنذر مما يحبه الله ويرضاه، إذا فالنذر عبادة، فصرفها لغير الله شرك. وهكذا في الآية الثانية: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، فإن الله يعلمه، هنا ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ نكرة في سياق النفي تفيد العموم، تفيد العموم بغض النظر عن حجم هذه النفقة، أو ما نذرتم من نذر، نكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي نذر بغض النظر عن حجمه، أي نذر تقدم عليه. وما أنفقتم من نفقات أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه، قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: أي أن الله يجازي عليه، يجازيك عليه. وبما أن الله يجازيك على هذا الفعل دل على أن هذا الفعل عبادة. فمن خلال النص الأول والثاني نصل إلى أن النذر عبادة من العبادات يحبها الله، جعلها الله من صفات أهل الإيمان من صفات أهل الجنان، الله جل وعلا يجازي أصحابه عليه. وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه، فإذا بهذه النصوص، إخواني في الله، دلت على أن النذر عبادة، فصرفها لغير الله شرك، صرفها لغير الله شرك. وقد بيّن العلماء أن من الشرك الركوع والسجود والنذر واليمين والذبح، هذا من أقوال بعض أهل العلم أن قال: خمسة من الشرك الركوع والسجود والذبح والنذر واليمين. هو ما أراد التخصيص، من قال هذه العبارة من أئمة السنة ما أراد التخصيص، لكن هذه من أظهر الأمور التي استشرت بين الناس: الركوع لغير الله، السجود لغير الله، الذبح لغير الله، الحلف بغير الله، النذر لغير الله. فالشاهد أن النذرة ذكرت من الأمور العظيمة التي انتشرت، وهذا موجود كما ذكر جماعة من أهل العلم على أن من النذر النذر الشركي. ما نجده يصرح به عند العتبات وعند الأضرحة والمزارات أن يأتي الآتي من مكان بعيد فينطرح على عتبة ذاك الميت فيقول: إما أن يقول: لله علي، لله علي أني أوفي نذري للقبر الفلاني، له علي كذا وكذا. ومنهم من يأتي باسم الولي مباشرة فيقول: للولي الفلاني نذر، جعل الولي بمقام الرب، الناس يتقربون إلى الله بنذورهم: لله علي كذا إن شف الله مريضي، وهذا يقول: للولي الفلاني نذر إن شف الله مريضي. كيف تتقدم لمن يا عبد الله؟ إذا كان الله هو الشافي، فلما تتقدم بالنذر لهذا الميت لهذا الميت؟ فالشاهد، إخواني في الله، أن من الشرك النذر لغير الله إذا توجه صاحبه بهذا الأمر لغير الله سبحانه وتعالى، وهذا له صور كثيرة. وسأتي من خلال الأحاديث النبوية بعض الإشارة إلى مثل بعض الصور التي إن فعلها الإنسان دخل في النذر الشركي، ومنها يدخله في النذر البدعي. أن نكتفي إلى هذا الحد إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.