الدرس في شرح كتاب التوحيد 71، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الوفاء بالنذر، ويتناول تطبيقاته على مختلف الفئات. يشمل ذلك الطاعة لله لمن نذر، وحكم نذر الصغير قبل البلوغ.
يناقش هذا الفصل أثر النذر على الأعمال المستحبة، حيث يجعلها واجبة، ويبين حكم التراجع عن النذر بعد الالتزام به، مع التأكيد على عدم جواز النذر في معصية.
يتناول هذا الفصل آراء أهل العلم المختلفة حول حكم من نذر معصية، حيث يبين اختلافهم بين وجوب كفارة يمين وعدم وجوبها، مع استعراض الأدلة من الأحاديث النبوية.
يختتم الشيخ الدرس ويشير إلى استمرار مناقشة مسائل النذور في الدرس القادم، مع الدعاء بأن ينفعهم الله بما تعلموا والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح، والمؤلف رحمه الله تعالى إذا قال في الصحيح فإنه لا يسير على مصطلح معين، فإن من أهل العلم من يقول: في الصحيح، يريد البخاري، ومنهم من يقول كذلك، وفي الصحيح، يريد به ما في صحيح مسلم، ومنهم من يطلق الحديث بأنه في الصحيح، وقصد في ذلك أنه في أحدهما، إما في البخاري وإما في مسلم. قال عليه الصلاة والسلام: من نذر... ومن هنا شرطية، أي كائنًا من كان، وهذا صادر من أي أحد، ماذا فعل؟ نذر. قال عليه الصلاة والسلام: من نذر أن يطيع الله فليطعه. وقلنا هنا: من، من الألفاظ التي تدل على العموم، فهذا اللفظ عام، فكل من نذر أن يطيع الله فعليه بالطاعة. وهل يدخل في ذلك الكافر؟ الكافر إذا نذر وجب عليه أن يوفي بنذره، الجواب: نعم، وجب، حتى ولو كان كافرًا. يقول علماء: أن الكافر لو كان في كفره نذر، فوفى بنذره، بريئة الذمة. أما إن نذر في أيام كفره، فلم يوف، وأسلم، عليه أن يوفي بذمته بعد إسلامه. ويدل على ذلك ما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال عليه الصلاة والسلام: أوفي بنذرك. وتأمل متى هو نذر في أيام الجاهلية، فكانت العرب يعرفون النذر قبل الإسلام، وذلك بما جاء من شراع أهل الكتاب، فكان العرب ينذرون. فعمر نذر في أيام جاهليته في أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، ثم حباه الله بالإسلام، فلا يزال ذهنه يتذكر هذا العهد الذي أبرمه على نفسه، فلما سأل النبي عن ذلك، فقاله نبينا: أوفي بنذرك، لأنه نذر في طاعة، فأمره الله بالإيفاء، دل على أن الكافر، ولو في حال كفره نذر، فينبغي عليه أن يوفي بنذره. فيه بيان إلى عظيم منزلة الإيفاء بالنذور، الإيفاء بالنذور. وهل يلحق بهذه المسألة الصغير قبل البلوغ؟ نعم، فيه خلاف. لو أن طفلًا، مثلًا مميزًا بلغ سن التمييز قبل البلوغ، نذرًا، نذرًا، هل يجب عليه أن يوفي؟ فيه خلاف، والصحيح: لا، أن الصغير لا يلزم، لأن القلم رفع عنه. وفي هذا السن لا يتحمل التحمل والتكليف، رفع القلم عن ثلاث، وعن الصبي حتى يحتلم. فعلى القول الصحيح، فإن الصغير لو نذر، فإنه لا يوفي بنذره. فشاهد قوله عليه الصلاة والسلام: من نذر، هنا من نذر يحمل على العموم، يدخل في ذلك المسلم أصالة، والكافر ضمنًا، لما مضى من حديث عمر. قال: من نذر أن يطيع الله، الطاعة في لغة الشرع بمعنى موافقة الأمر، الطاعة معناها موافقة الأمر، فمن وافق الأمر الذي طلب منه، يقال عنه: مطيع. من وافق الأمر الذي طلب منه، يقال عنه: مطيع، فموافقة الأمر طاعة، موافقة الأمر طاعة. ولهذا يسمي الشرع ما يفعله المسلم امتثالًا لأمر الله طاعات، يسمى ما يقوم به المسلم امتثالًا لأمر الله بالطاعات، لأنه يوافق الأمر الذي وجه إليه. فالطاعة هي موافقة الأمر، فيشمل الطاعة بهذا المعنى فعل العبادات وترك المنهيات. لكن إذا ذكرت الطاعة والمعصية في مقام واحد، فهنا الطاعات في المأمورات، والمعاصي في ترك المنهيات. إذا جمعت الطاعات والمعاصي في لفظ واحد، فإن الطاعات يكون بفعل الأوامر، والمعاصي لترك النواهي. قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب الإيفاء بالنذر، فمن نذر نذرًا، حينها وجب عليه أن يوفي بهذا النذر، ولو كان هذا النذر في أصله في أمر مستحب، لكن ينقلب عليه واجبًا، مثل صيام الاثنين والخميس. صيام الاثنين والخميس من الأعمال الفاضلة، أمر مندوب، لكنك بالنذر صار في حقك واجبًا، لأنك التزمت، لأن النذر نوع عهد وعقد بينك وبين الله، لله علي أن أفعل كذا، فلما التزمت وجب عليك أن تلتزم. وأشرنا إلى هذه المسألة إخواني في الله، أن النذر شديد، شديد، ووجه الشدة في النذر أنك في عافية، فتلزم نفسك بطاعة ما أنت ملزم بها أصلًا، صيام الاثنين والخميس هي أمر مستحب، فأنت فيها بالخيار، إن شئت صمت وإن لم تشأ لم تصم، لكن لما تنذر وجبت عليك. هذه الأيام الصدق من الأمور المستحبة، تتصدق متى ما شئت ومتى ما أردت بالمقدار الذي تريد، فأنت في عافية، فلما تنذر بأن تتصدق بالمبلغ الفلاني، كذا وكذا وكذا، إذن وجب عليك واجب. وكما قلنا: أن من دخل في هذا الوجوب ليس له حق التراجع. كما ذكرنا هذا في حق كثير من أهل النذور، لربما هو في سعة، فيدخل في باب النذر، فما هي إلا مدة يسيرة، ثم إذ به يبحث عن مخرج، يبحث عن مخرج ومخلص من نذره، وما الذي أقحمك؟ وما الذي أوقعك؟ فما ينبغي، فأنت في عافية. وكما قلنا: على هذا القول ما جاء به الأحاديث من النهي عن النذر، لما فيه من تكليف الإنسان نفسه بما قد لا يقدر عليه، وخاصة من نذر نذرًا مطلقًا إلى الأبد، إلى الأبد، أنه يؤدي هذا النذر. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: من نذر أن يطيع الله فليطعه، واجب. ومن أخذ فترة ثم ترك هذا آثم. يقول بعض الناس: لله علي أن أصوم يوم الاثنين والخميس، إن شفاني الله. أصابها الله بمرض شديد، فإذ به تتضرع إلى الله، كان يكفيها الدعاء، لكن خرج منها نذر: إن شفاني الله لأصومن الاثنين والخميس مدى الدهر. فهنا هل لها أن تتراجع؟ الجواب: لا، ما يجب لها أن تتراجع، واجب عليها أن تصوم الاثنين والخميس. لكن هناك بعد ذلك مسائل، إذا وصلت إلى أمر وحد لا تقدر عليه، هذا أمر آخر. لكن هكذا لهوى تغيير رأي، ما يغير أحد رأيه، لا يغير أحد رأيه في مسألة النذر، من دخل فيه يلزم به، من دخل فيه يلزم به. قال عليه الصلاة والسلام: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه. وأحيانًا من ضلال بعض الناس، من جهله وقلة ورعه، أو قل قلة علمه، لربما ينذر لله في معصية، ينذر لله في معصية، إن شفى الله مريضي لأعزم أحصى أصحابي على مجلس قات، مجلس قات، يرى أن هذا بر وإحسان، بمثل هذا المجلس المأفون بمجال السلقات التي حرمها العلماء. يقول لها أخي: هذا إيش من نذر؟ هذا، هذا ما يجوز، هذا فعل معصية، هذا فعل معصية. أو إن شفى الله عز وجل ابني لأفعلن حفلة صاخبة، لآتين بالفرق الغنائية، لا وهلما جر من هذا البلاء، يتقرب إلى الله جل وعلا إن حقق الله مراده أن يأتي بمعصية. هنا قال عليه الصلاة والسلام: ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، فهذا حرام، وقد قام إجماع العلماء على عدم تأدية النذر المحرم، لا يجوز. فمن نذر نذرًا محرمًا لا يجوز أن يوفي به، فلا يمكن من فعل هذه المعصية. فإذا قال لك قائل: يا أخي أنا عندي سؤال، قل: تفضل يا أخي، أنا نذرت... تقول: يا أخي أوفي بنذرك، فلا تتعجل، اسمع منه ما هو النذر الذي قطعه على نفسه، فإن كان هذا النذر عبارة عن معصية، كأن يفعل شيء حرام، قول له: لا يجوز أن تفعل ذلك، فأنت آثم، فأنت آثم. ولهذا قام إجماع العلماء على أن فعل النذر المعصية لا يجوز، لا يجوز إبرامه ولا يجوز أداؤه، لا إبرامًا ولا أداءًا، لأن ما عند الله لا ينال بالحرام، إنما عند الله لا ينال بالحرام، كما جاء عن ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. لكن اختلف العلماء في مسألة وهي هذا النذر الذي نذر بمعصية الله، لا يمكن، هل عليه كفارة؟ هل عليه كفارة؟ نعم، وقع الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة، من نذر معصية، أولًا لا يجوز أن يوفي بها، ثانيًا هل عليه كفارة؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن عليه كفارة، وكفارته كفارة يمين، وكفارته كفارة يمين، وهو أولًا أن يعتق رقبة، أو إطعام عشر مساكين، أو كسوة عشر مساكين، فإن لم يستطع على العتق ولا الإطعام ولا الكسوة، وبعد ذلك يصوم ثلاثة أيام، هذه تسمى كفارة يمين. فجماعة من أهل العلم يرى أن الإنسان إذا نذر معصية، فلا يوفي بمعصيته، وعليه أن يستبدلها بكفارة يمين، هذا تطهير لذنبه الذي أبرمه وقطعه على نفسه. واستدل هؤلاء بما جاء في بعض أحاديث السنة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وكفارته كفارة يمين. وكفارته كفارة يمين، طبعًا هذه الزيادة خارج الصحيح، هذه الزيادة خارج الصحيح، واختلف فيها العلماء، فمنهم من يحسنها، ومنهم من يعلها. فالشيخ الألباني رحمه الله تعالى على تصحيحها، يرى أنها زيادة صحيحة، إذن يكون العمل عليها. فالذي ينذر معصية لا يوفي بمعصيته، وعليه كفارة يمين. بالمقابل شيخنا مقبل رحمه الله تعالى يرى ضعف الحديث، يرى أنه ضعيف، لذا لا يعمل به. فهذا الحديث مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم. كذلك استدل هؤلاء بالكفارة بما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: كفارة النذر كفارة يمين. هذا من ذهب إلى أن من نذر معصية عليه أن يكفر كفارة يمين. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن نذر المعصية حرام، هذا بالإجماع، وليس عليه كفارة، لأنه باطل، ليس عليه كفارة، لأنه باطل. ومما استدل به العلماء أولًا لعدم وجود نص صريح صحيح يدل على وجوب كفارة اليمين على من نذر معصية، الحديث الذي سمعتموه اختلف فيه العلماء، قالوا: لا نستدل به. زيادة على ذلك أن هناك من نذر فيما لا يجوز، ولم يأمره نبينا بالكفارة اليمين، مثل ما جاء في قصة ذاك الرجل، كما في حديث ابن عباس. أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد، فوجد رجلًا قائمًا في الشمس، فسأل عنه، قيل: إنه أبو إسرائيل، وإنه نذر... تأمل في كلمة نذر، إنه نذر أن يقف ولا يجلس، وأن لا يستضل، وأن لا يتكلم، وأن يصوم. نذر هذا الرجل أربعة نذور في نذر واحد، أن يقف ولا يجلس، وأن يبقى في الشمس ولا يستضل، وأن لا يتكلم، وأن يصوم. النبي صلى الله عليه وسلم نذر إلى هذه النذور الأربع، فما كان من شريعته أقره، وما لم يكن رفضه. فقال عليه الصلاة والسلام: مروه، مروه أن يجلس، وأن يستضل، وأن يتكلم، وأن يتم صومه، وأن يتم صومه، فقط أقره بإتمام الصيام، لأن هذا مما يشرع. أما تلكم الأمور، عدم الجلوس وعدم الاستضلال وعدم الكلام، هذا ليس من شريعته، فأمره أن يلغيه، يلغي هذه النذور. وهذا فيه إشارة إلى أن الإنسان ينبغي أن يكون نذره في طاعة، هذا الأمر الأول. وفيه ثانيًا هذه المسألة: هل نبينا أمره بعد ذلك بكفارة اليمين؟ لم يأمر. لهذا استدل جماعة من أهل العلم على هذا الحديث، أن الكفارة أن النذر إن كان في معصية، وفيما حرم الله، ليس عليه كفارة يمين. الشاهد: هذه مسألة خلافية بين أهل العلم في حق من نذر نذر معصية، ثم أراد أن يتحلل منها، التحلل بالتوبة وعدم الوفاء، ثم هل عليه كفارة يمين أم لا؟ كما قلنا: على قولين اثنين. فمن أهل العلم من يلزمه بكفارة اليمين، ومن أهل العلم من لا يلزمه بذلك. هذا ما يتعلق إخواني في الله في هذا الحديث: من نذر أن يطيع الله فليطعه. وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى بإيراد هذا الحديث في هذا الباب، في بيان أن النذر عبادة، عبادة من العبادات، من نذرها على نفسه وجب أن يوفي بها. فإذا علم هذا، فلا تصرف إلا لله، فلا يكون نذرك إلا لله، فمن صرف نذره لغير الله فقد وقع في الشرك. وبقيت مسائل متعلقة بالنذور تترك إن شاء الله في درس غد. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.