الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 71، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع أن الفحشة تشمل الكبائر وما دونها، ويبين شروط التوبة الصحيحة وهي الندم، الإقلاع، العزم على عدم العودة، والتحلل من حقوق العباد. ويحذر من توبة من ينوي معاودة الذنب لأنها غير مقبولة.
يعرض خلاف العلماء في الاستغفار مع الإصرار، حيث يعده بعضهم توبة كاذبة وإثماً بينما يراه الحنابلة وابن تيمية مأجوراً لعبادته وقد يوفق للتوبة الصادقة. ويؤكد أن الاستغفار وحده لا يمحو الكبيرة دون توبة، وأن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، داعياً إلى كثرة الاستغفار والدعاء.
توضح أن التوبة تتحقق بنية القلب وعزمه على ترك المعصية، وتكفي النية الصادقة وإن لم تُلفظ، بينما الاستغفار باللسان مع موافقة القلب أكمل. وتذكر أن الخوف من الله الناشئ عن تعظيمه أو الخوف من عقابه أو عاقبة الذنب، مع الرجاء والمحبة، يعين على ترك المعاصي، مستشهدة بقصتي صاحب الغار وذاكفل.
يختم المتحدث الدرس بذكر جزاء الذين لا يصرون على الذنب وهم يعلمون، وهو المغفرة من ربهم. ويعلن استكمال الشرح في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. قال رحمه الله: قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، قال: يصدر منهم أعمال سيئة كبيرة أو ما دون ذلك، بادروا إلى التوبة والاستغفار. إذا فعلوا فحشة أو ظلموا أنفسهم، الفحشة هي الكبيرة. وأطلق الله عز وجل على الفحشة في القرآن على عدة أمور، منها الزنا، واللواط، ونكاح الرجل زوجة أبيه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. فأطلق الله عز وجل الفحشة على هذه الأشياء، فالمراد بالفحشة هي الشيء الكبير أو العظيم. لهذا قال المؤلف: «كبير أو ما دون ذلك»، وهو قول: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، قلوبهم رجاء إلى الله، ولو أخطؤوا فهم يرجعون إلى الله ويتوبون إليه، لأن القلب إذا تعود الرجوع وعنده خوف، تجد أنه ولو أخطأ تاب. لكن الذي يتعمد مثل هذه الأشياء ويقول: سأتوب، هذا غالبا لا يتوب ولا يوفقه الله عز وجل للتوبة، لأنه ما يريد أن يتوب وإنما يريد أن يفعل هذه الفحشة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾، ولم يصر على ما فعله. وذكر العلماء أن من شروط التوبة: عدم الإصرار على الذنب، وعدم العزم على العودة إليه، وهذا من الإصرار كذلك. فلهذا إذا كان وقع له هذا الذنب مرة أخرى بدون عزيمة، فشيء يتوب إلى الله. لكن إذا كان عازماً على هذا الشيء، معناه ما خرج من قلبه، فهذه ليست توبة، هذه التوبة غير صحيحة، ولو استغفر. وكما ذكرنا قبل في هذه المسألة، أن العلماء اختلفوا فيها: لو أن الإنسان أتى بتوبة غير صحيحة، ما ندم على ما فعله، وأيضاً عازم على الرجوع، ولم يقلع من هذه المعصية، يعني ما إما أن يكون الشروط كلها لم تتوفر، أو حتى شرط واحد. إذا لم يتوفر شرط من هذه الثلاثة، وهي: الندم، والإقلاع، وعدم الرجوع أو العزم على الرجوع، فهذه ثلاثة شروط، إذا توفرت كانت التوبة صحيحة. وهناك شرط رابع كما تعلمون، إذا كان في حقوق لآخرين، وهو التحلل، أن يتحلل من المظالم. لكن هذه الثلاثة الأشياء التي في الذنوب أو سائر الذنوب، إن فقد شرط من هذه الشروط فلا تنفع، فلا تنفع هذه التوبة، ولو استغفر، ولو استغفر من الصباح إلى الليل، فتوبته لا تقبل. لو أنه مثلاً يعلم أن هذا الذنب النظر إلى حرمات أو كذا، لكن أيضاً واضع في نفسه أنه سيفعل، وأنه سيرى ذلك الفيلم أو ذلك المسلسل أو ذلك كذا، وهو يستغفر الله، يعلم أنه خطأ ويستغفر الله، فهذه التوبة غير صحيحة، ولو استغفر. لكن هل هذا الاستغفار يؤجر عليه أم أنه يوزر عليه؟ قد ذكرنا ذلك قبل، وخلاصة الكلام: أن بعض الشافعية وبعض المالكية أيضاً ذكروا أن هذه توبة الكذابين، وجاء عن بعض السلف كذلك، جاء عن بعض السلف أنه يقول: توبة الكذاب الذي يستغفر وهو مصر على الذنب. قالوا: هذه توبة الكذاب، أنه يستغفر وهو مصر على ذنب. وقال أيضاً هكذا بعض المالكية والشافعية، وهذا يدل على أنه يأثم، ولو استغفر فهو آثم. وقال بعض الحنابلة، وهو قول شيخ الإسلام وغيره: أن هذا الاستغفار يؤجر عليه، لأن الاستغفار بحد ذاته عبادة، الاستغفار بحد ذاته عبادة، وأيضاً كثرة الاستغفار قد يوفق العبد إلى مرضاة الله جل وعلا، وإلى التوبة الصادقة، إذا كان يستغفر كثيراً، ولو كان مصراً على ذنبه، فإنه قد يوفقه الله عز وجل لكثرة استغفاره. فكثرة الاستغفار يخرج الله عز وجل بها العبد من الكربات، ويفرج عنه الهموم والغموم. فلهذا فالاستغفار عظيم، وهذا القول نصره شيخ الإسلام رحمه الله، بين أن الأدلة تدل عليه. فلهذا فلا يحرم الإنسان نفسه الاستغفار، ولو كان يعلم من نفسه أنه يريد أن يعود إلى هذا الذنب، وقلبه مصر على هذا الذنب، لكن لا يحرم نفسه الاستغفار، يستغفر، ولو كذلك هو على الذنب. بعضهم يقول: هذا استهزاء، وليس صحيحاً، وإنما هذا يتذكر، لعل الله ينقله عن هذا، وهو في استغفار يعظم الاستغفار، ويعظم الله عز وجل، فينجو من هذا الذنب الذي سيفعله، أو الذي هو مقيم عليه. فلهذا في التوبة لا بد أن تتوفر هذه الأشياء، وإن كان استغفار بدون توبة فهو مأجور عليه، لكن لا بد من التوبة، لأن هذا الاستغفار لا يمحو الذنب، أي ذنب هذه الكبيرة خاصة. وهل يمحو ذنب الصغيرة إذا كان مع إصرار؟ ظاهر كلام العلماء أنه لا، إلا إذا ترك الذنوب الكبار، وليس معه إلا صغائر. وبعضهم يقول: لا، حتى ولو كان كذلك، ما دام أنه مصر، فالصغيرة كبيرة تكون مع الإصرار، كما جاء عن ابن عباس: «الصغيرة مع الإصرار تكون كبيرة». فإذا أصر على الصغيرة، هذا إصرار، هذا يصيرها كبيرة. لكن العبد لا ييأس من رحمة الله جل وعلا، بل يستغفر الله، ويدعو أن الله عز وجل ينجيه، ولو كان قلبه معلق بهذه المعصية، ولو كان قلبه يحب هذه المعصية، وأيضاً لم يستطع أن يتركها، لا ييأس، لأنه لو يأس استولى الشيطان على قلبه، وكذلك استولت هذه المعصية على قلبه. لكن يحاول بكل ما أوتي، وبما وفقه الله عز وجل من الدعاء والاستغفار، لعل الله عز وجل يعينه على تلك المعصية. قال رحمه الله: «وذكروا ربهم وما توعد به العاصين». هذا من ذكر الله، أن ذكر الله كما تقدم ليس أن الإنسان يقول: استغفر الله، سبحان الله، لا إله إلا الله، هذا من الذكر، لكن الذكر أعم. قد يكون الذكر باللسان، قد يكون بالقلب، وقد يكون بهما معاً. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، هنا ذكر الله غالباً بالقلب، أي عظموا الله عز وجل، وخافوا الله، فتركوا هذا الذنب. فقد يصرح به العبد، وقد لا يصرح، بل يصرح بلسانه أنه يقول: تبت إلى الله، وقد يقول: لا، ما يقول: تبت إلى الله، لكن لابد من التلفظ. لكن لو لم يحصل التلفظ وحصلت النية، يكفي، لو حصلت النية في ترك والعزم على ترك هذه المعصية والتوبة إلى الله، فهذا يكفي في التوبة. لكن لابد من الاستغفار والتوبة حتى يعين، حتى يواطئ اللسان القلب. فلهذا ذكر الله، فالمراد هنا بذكر الله قد يكون الخوف، يخاف الله عز وجل فيترك هذه المعصية، يعظم الله جل وعلا في قلبه. لأن الخوف يحصل بثلاثة أسباب: إما بتعظيم الله عز وجل وتعظيم جنابه سبحانه وتعالى، وتكون عظمة العبد في قلبه، عظمة الله عز وجل أقصد في قلب العبد، فيترك هذه المعصية. أو يكون بالخوف من الله سبحانه وتعالى ومن عذاب الله جل وعلا. أو بالخوف من العاقبة التي تعقب هذا الذنب. وكذلك السبب الثالث: هو الرجاء والمحبة التي تمنعه من ذلك، وتبعده عن المعاصي والذنوب. فلهذا فالخوف يحصل بهذه الأسباب. طيب، فإذا خاف العبد وذكر الله، فإنه قد اتصف بصفة من صفات أهل الإيمان: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، أن يتوبوا بقلوبهم ثم يستغفروا بألسنتهم. فلهذا كما قلنا، حمل كثير من أهل العلم هنا الذكر، قد يكون ذكر باللسان مع تواطئ القلب، وقد يكون بالقلب وحده. ما جاء في الصحيحين في ذكر أصحاب الغار الذين طبقت عليهم الصخرة، فمنهم من قال: أنه كانت لي بنت عم، وكنت أراودها عن نفسها وهي ترفض، فاحتاجت لي يوماً، احتاجت للمال، فجاءت وطلبت المال من عند ابن عم، فقال: لا أعطيك حتى تمكنيني من نفسك. حاولت فلم تستطع أن تقنعه، فرضيت بذلك، لكأنها سلمت أمرها له. فلما أراد أن يفعل الحرام معها، قالت له: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فذكرته بالله جل وعلا، فقام من فوقها وهو ينتفض. خاف الله عز وجل، وعظم الله عز وجل في ذلك الموقف، فشكر الله عز وجل صنيعه ذلك. وأيضاً حصل هذا لما ذكره الإمام النسائي وأحمد في قصة ذلكفل، وإن كان بعض العلماء يقول: أنها فيها ضعف، الأصل وبعضهم صححها أيضاً. أنه حصلت له مثل هذا، رجل يقال له ذلكفل من بني إسرائيل، حكى النبي صلى الله عليه وسلم قصته، أنه هكذا أراد بنت عمه حتى تمكن منها، فلما أراد أن يأتي منها ما يأتي الرجل من امرأة، خاف وانتفض، ثم قام منها ولم يفعل بها شيئاً، فأصبح وقد مات، ووجد مكتوباً في بابه: غفر الله لذلكفل، أو للكفل: غفر الله له، مع أنهم كانوا يعلمون أنه رجل لا يعمل الخير، لكن بهذا العمل العظيم، هو خوف الله جل وعلا، صار مغفوراً له. بل أراد الله عز وجل أن يري الناس أنه قد غفر له. طيب، قال: «وذكروا ربهم وما توعد به العاصين، ووعد به المتقين، فسألوه المغفرة لذنوبهم، والستر لعيوبهم، مع إقلاعهم عنها وندمهم عليها، لأن هذا لابد حتى تكون توبة صحيحة». فلهذا قالوا: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات، قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. إن شاء الله تعالى نكمل في درس اللاحقة، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.