الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 70، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الدرس كيف رتب الله صفات المتقين بدءاً بالإنفاق في السراء والضراء ثم كظم الغيظ فالعفو وصولاً إلى الإحسان. ويستند الشرح إلى تفسير السعدي والأحاديث النبوية الحاثة على ضبط النفس ومكارم الأخلاق.
يبين المقطع أن الإحسان ينقسم إلى إحسان في عبادة الله بمراقبته، وإحسان إلى المخلوقين ببذل النفع ودفع الضرر. ويختلف هذا الإحسان باختلاف الأشخاص كالأقارب والوالدين والجيران.
يعرف الإحسان بأنه معاملة الخير وإيصال النفع الديني والدنيوي ودفع الشر، متضمناً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعليم والنصيحة. ويشمل أيضاً الإنفاق الواجب والمستحب وكفالة الأيتام والأرامل وبذل الندى وكف الأذى.
أشار المحاضر إلى وجود صفات أخرى سيؤخر بيانها إلى درس قادم واكتفى بما ذكر. واختتم بقوله: والله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنازلنا في قول الله عز وجل: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 133-134]. أخذنا في الدرس الذي مضى صفة العافين عن الناس، ثم قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في التفسير: «ثم ذكر حالة أعم من غيرها وأحسن وأعلى وأجل، وهي الإحسان». كأن الله عز وجل تدرج في هذه الصفات: أولاً ذكر الإنفاق، وأن الإنفاق هو من الأمور التي تشح بها النفس، فلذلك كان أجرها عظيمًا عند الله، فهو يفتدي الرجل بماله لأجل ثواب الله جل وعلا ومسارعته إلى رضا الله. ثم ذكر أيضًا شيئًا أعظم منه، وهو كظم الغيظ، وهو أيضًا ثقيل على النفس، ثقيل على النفس أن الإنسان يكظم غيظه ولا ينفذه، فقد يستطيع أن ينفق أمواله لكن لا يستطيع أن يكظم غيظه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم ذاك الرجل: «لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب»، أي: لا تجعل آثار الغضب تستولي عليك، وليس المراد به الغضب نفسه. ثم ذكر أيضًا صفة أعظم منها، أعظم من الغيظ وزيادة عليه، وهو العفو عن الناس، لأن كظم الغيظ صفة عظيمة من صفات النفس الجميلة، لكن تزينها أيضًا العفو، وهو الحلم الذي يكون فيه الإنسان، وهو من أعظم الأخلاق، فيعفو عن الناس، عمن ظلمه، ممن اعتدى عليه، ممن أخطأ عليه. ثم ذكر ربنا جل وعلا حالة أعظم منها وأعلى وأجل، قال: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. قال رحمه الله: «والإحسان نوعان: الإحسان في عبادة الخالق، والإحسان إلى المخلوق». والله كما جاء في حديث شداد بن أوس: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»، فهذا بالإحسان في المخلوق، وفي حديث جبريل الإحسان في عبادة الخالق جل وعلا. أما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». تعبد الله كأنك تراه: هذا مشهد المراقبة، تعتقد وفي نفسك إيمان عظيم ويقين أن الله عز وجل يراقبك ومطلع عليك. والأمر الثاني: إذا ضعف عندك يقين المراقبة، لا ينبغي أن يغيب عنك المشهد الآخر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك». يعني اليقين: المشهد الأول، يقين المشهد الثاني: المراقبة. فاليقين أعظم، لكن إن قل اليقين، فلا ينبغي للمسلم أن يقل عنده أمر المراقبة. قال: «فلذلك فالإحسان في العبادة من أعظم الأشياء، كذلك الإحسان إلى المخلوق». وهنا قصد الإحسان إلى المخلوقين؛ لأنه ذكر صفات التي يعامل بها العبد مع غيره. ثم قال: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. قال في الإحسان في عبادة الخالق: فسرها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وأما الإحسان إلى المخلوق فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم، ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم. وهذا يحصل بأمور: إما بالنصيحة، وإما بالإعانة، إعانة مالية أو إعانة بدنية، وإما كذلك بالألفاظ أو القول الحسن والألفاظ الحسنة، وأيضًا كذلك بالإكرام والاحتواء، وغيرها من الصفات العظيمة التي يكون فيها الإحسان. والإحسان ليس له حد معين يقال: هذا إحسان، وإنما كل بحسبه، فالإحسان إلى الوالدين غير الإحسان إلى غيرهما، والإحسان إلى الأرحام أيضًا ليس كالإحسان إلى غيرهما، والإحسان إلى الجار وإلى القريب، فكل أحد بحسب ما يكون إليه الإحسان. فالإحسان كلمة عامة لمعاملة في الخير، وإيصال النفع الديني والدنيوي إليهم، ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم. قال: «يدخل في ذلك أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وهذا من النصيحة التي يقوم بها الدين، الدين النصيحة، فلذلك يكون فيه أمر معروف ونهي عن المنكر». قال: «وتعليم جاهلهم، ووعظ غافلهم، والنصيحة لعامتهم وخاصتهم، والسعي في جمع كلمتهم، وإيصال الصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة». الواجبة: نعني بها نفقة الزوجات والأبناء والعبيد، والمستحبة: والصدقات للفقراء والمساكين غير الزكاة. قالوا: النفقات الواجبة معناها الزكاة تكون من النفقات الواجبة. قالوا: النفقات الواجبة والمستحبة إليهم على اختلاف أحوالهم. أيضًا كذلك كفالة الأيتام، والسعي في الأرامل، وغيرها من وجوه الإحسان. قالوا: «تبيان أوصافي» - يدخل في ذلك بذل الندى، والندى المراد به كل خير ونفع، وكف الأذى، واحتمال الأذى عن كفه واحتماله. كف الأذى معناه: أن يكف أذاه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كف شرك عن الخلق فهو لك صدقة». كف الأذى معناه: كف الشر أو ما يؤذي الناس، تكفه عنه، وتحتمله أيضًا منهم، وهو خلق عظيم. احتمال الأذى هو من كظم الغيظ، وكذلك من العفو عن الناس. قال: «كما وصف الله به المتقين في هذه الآيات، فمن قام بهذه الأمور فقد قام بحق الله وحق عبيده، وقد بلغ الدرجة العليا في هذا الدين، وهو أنه أحسن عبادة الله عز وجل، وأحسن كذلك في خلقه أو في معاملته لخلق الله سبحانه وتعالى». هذه الصفات من الصفات العظيمة التي يتخلق بها أهل التقوى وأهل اليقين، الذين أعدى الله عز وجل لهم هذه الجنات العظيمة: ﴿ سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. هؤلاء المتقون هم هؤلاء أصحاب هذه الصفات: الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين. ثم ذكر أيضًا صفات أخرى، إن شاء الله تعالى نؤخرها في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.