الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 89، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الحديث عن إعجاز القرآن الكريم بنزوله متحديا العرب بأبلغ كلام، حيث كان التحدي بسورة مثله ولم يستطيعوا الإتيان بمثله. يُبين ذلك دليل الإعجاز في القرآن.
يتناول إثبات عجز البشر والجن عن الإتيان بمثل القرآن، ويرفض فكرة الصرفة التي تزعم قدرة العرب على تأليف مثله لكن الله منعهم، مؤكدًا أن القرآن معجز بذاته.
يشرح معنى إعجاز القرآن من حيث الألفاظ والمعاني والأخبار الماضية والمستقبلية، مؤكدًا أن إعجازه يكمن في كونه كلام الله تعالى، ويبين ذلك من خلال حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
يختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، ويشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يُظهر توجيهًا دينيًا وتأكيدًا على العلم الإلهي.
الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل إعجاز القرآن؟ وهذا السؤال مما له تعلق بالسؤال الذي مضى، عندما تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن معجزات الأنبياء، تطرق إلى معجزة نبينا عليه الصلاة والسلام ألا وهي القرآن. وهنا قال: ما دليل إعجاز القرآن؟ قال رحمه الله تعالى: الدليل على ذلك نزوله في أكثر من عشرين سنة، متحديا به أفصح الخلق وأقدرها على الكلام وأبلغها منطقا وأعلاها بيانا. هذا التحدي في زمن عليه الصلاة والسلام، أنزل ربنا القرآن وتحدى العرب، والذين يعتبرونهم أصل البلاغة في الجزيرة، ومع ذلك ما تجاسر أحد منهم أن ينسج على نسج القرآن. قال قائلا: «فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين»، وقال تعالى: ﴿قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾، وقال تعالى: ﴿قل فأتوا بسورة مثله﴾. وبهذا الترتيب أراد المؤلف رحمه الله تعالى كذلك أن يبين مراحل التحدي. وربنا في الآية الأولى: ﴿فليأتوا بحديث مثله﴾، أي مثل القرآن، تحداهم ربنا أن يأتوا بمثل القرآن. الآية الثانية: ﴿بعشر سور﴾، كان التحدي مخففا إلى عشر سور، إن لم تستطع على القرآن بكماله وتمامه، فلا أقل من عشر سور. ثم في الآية الأخيرة قال: ﴿فأتوا بسورة﴾، بسورة واحدة، إذا ما استطعتم على القرآن، وإذا لم تستطع على عشر سور، فلا أقل بسورة. تحداهم الله عز وجل أن يأتوا بسورة كسور القرآن. وهل استطاعوا؟ ما استطاعوا لذلك السبيل أبدا، مع أنهم أهل الفصاحة وأهل البلاغة والبيان، إلا أن ذلك يفوق ما عهدوه من الكلام، إذ أن هذا كلام الرب سبحانه وتعالى، ليس بكلام البشر. وهنا نبه على مسألة لربما يقع في تعبير بعضنا، إذا أراد أن يعبر عن هذه المسألة ومسألة التحدي الذي تحدى الله بها العرب. أن بعضهم يقول: لربما يسترسل في الكلام ويقول: إن الله تحداهم بعشر سور وتحداهم بسورة وتحداهم بآية، فما استطاعوا. لنتبه، لم يقم التحدي على آية. ما قام التحدي على آية. التحدي على آية ما ثبت أبدا، لا في كتاب ولا في السنة، ولا يمكن. لماذا؟ لأن من الآيات ما هي عبارة عن كلمة، «مدهمتان» آية، هل يمكن أحد أن يأتي على نسيجها، على منوالها؟ يمكن تأتي بكلمة تثنيها، فعلى هذا الوزن. أو في قوله تعالى: ﴿ثم نظر﴾ آية، هل يمكن أن يعجز الناس أن يأتوا بمثل هذه اللفظة؟ أو ما يقاربها؟ يمكن أن يأتي بها: ثم نظر، ثم خرج. هذا تحدي، أتحدى آية بآية. لهذا ما جاء التحدي بآية. التحدي ما جاء بآية، إنما التحدي أدنى تحدي بسورة. وقد قال العلماء: والسورة مطلقة، ليس من شرط السورة أن تكون طويلة، بل حتى أقصر سورة، وأقصر سورة كما يقول العلماء هي سورة الكوثر، متكونة من ثلاث آيات. إذن فمن أراد أن يتحدى في هذا الباب، فإما أن يأتي بأقصر سورة، أو يأتي بثلاث آيات يتحدى بها. ما أقول ثلاث آيات لأنها توازي أصغر سورة في القرآن. أما بآية واحدة، لم يقع التحدي بآية واحدة. فلتكن يا عبد الله على بينة من أمرك. فالذي جاء بالقرآن أبل القرآن بأكمله، أو بعشر سور منه، أو بسورة واحدة؟ قال رحمه الله تعالى: فلم يفعلوا ولم يروموا ذلك، مع شدة حرصهم على رده بكل ممكن، مع كون حروفه وكلماته من جنس كلامهم الذي به يتحاورون، وفي مجاله يتسابقون ويتفاخرون. ثم نادى عليهم ببيان عجزهم وظهور إعجازه. إذن العرب ما استطاعوا، مع أن هذا التحدي في ماذا؟ في أمر هم يتقنونه، ما يتعلق بالبلاغة والفصاحة، وهم أهل اللغة، وهم العرب الأقحاح، ممن عربوا ودرسوا، بل تربوا على العروبة وعلى فصاحتها وجزالة ألفاظها. والتحدي قائم بهذه الأحرف، خذوا الأحرف التي هي موجودة في اللغة، وصيغوا منها قرآنا. حتى يقول العلماء في مسألة الحروف المقطعة التي يأتي ذكرها في أوائل السور، في بعض السور. القرآن اختلفت أنظار العلماء، ما هو المغزى من هذه الحروف المقطعة؟ وليس هذا المقام مقام التحرير لهذه المسألة، لكن الذي يهمنا ما نحن بصدده في هذا المقام. أن قول المحققين من أهل العلم: أن وجود هذه الحروف المقطعة إنما لها مغزى، ومن مغزى هذه الحروف المقطعة: أن الله عز وجل يخاطب بها العرب، أن هذه الحروف: ألف لام ميم، ألف لام را، نون، صاد، قاف، هذه الأحرف هي حروف اللغة، وهي التي بني عليها القرآن. فخذوها وصيغوا لنا قرآنا من هذه الأحرف. فهذا المغزى من الحروف المقطعة. والذي استظهر هذا الرأي قال: ومن نظر إلى الحروف المقطعة، يرى أن بعدها فيها ذكر القرآن وذكر الكتاب. ألف لام ميم ذلك الكتاب، صاد والقرآن ذي الذكر. لو تتبعت الحروف المقطعة، تجد أن بعدها ذكر القرآن والكتاب، بمعنى أن القرآن والكتاب المنزل المقدس، إنما جاء من هذه الأحرف الموجودة. خذوها، خذوا الأحرف وأتوا لنا القرآن كالذي أتى به الرب سبحانه وتعالى، الذي أنزله على عبده عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك ما استطاع لذلك سبيلا. قال رحمه الله تعالى: فلم يفعلوا ولم يروموا ذلك، مع شدة حرصهم على رده بكل ممكن، مع كون حروفه وكلماته من جنس كلامهم الذي به يتحاورون، وفي مجاله يتسابقون ويتفاخرون. ثم نادى عليهم ببيان عجزهم وظهور إعجازه: ﴿قل إن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾. وهذه الآية فيها النداء الواضح الذي أعلن فيه الرب سبحانه وتعالى: أن البشر لا يستطيعوا أبدا، ما استطاعوا، ولن يستطيعوا، لا في الماضي ولا في المستقبل ولا في الحاضر أبدا. لن يقدر أحد منهم على أن ينسج على منوال القرآن. ليس البشر فقط، بل حتى الجن. ليس هذا العالم، بل حتى عالم الجن، لو أنه أردف مع عالم البشر، على أن يتفق الجميع على أن يصنعوا أو يأتوا ويألفوا قرآنا، ما استطاعوا. وبهذا تعلم أن الإعجاز، أن إعجاز القرآن هو معجز لجميع الخلق من الإنس والجن. لهذه الآية قول: ﴿إن اجتمعت الإنس والجن﴾، فكلهم عجزوا عن ماذا؟ عن كتابة أو إتيان بقرآن. وهذه الآية إخواني في الله، كذلك فيها رد على بعض المبتدعة، على بعض المبتدعة ممن أتى لنا بفلسفة غريبة عجيبة حول مسألة إعجاز القرآن، وهو ما يسمى عندهم بالصرفة. بالصرفة، ما معنى الصرفة؟ يقولون: أن هذا هو الإعجاز الحقيقي للقرآن. ما هو الإعجاز عندهم؟ كالمعتزلة يقولون: أن القرآن الذي أنزله الله على رسوله وخاطب به العرب وتحدى به العرب، قالوا: أن العرب بإمكانهم -انتبه لهذا التعبير- أن العرب بإمكانهم أن يؤلفوا قرآنا، بإمكانهم. لما عندهم من فصاحة وبلاغة وبيان، عندهم القدرة، عندهم القدرة على هذا. لكن لماذا ما ألفوا؟ أن الله أعجزهم. قال: هنا المعجزة أن الله أعجزهم، وإلا الواحد منهم قادر على أن يمسك قلما ويأتي بمحبرة ويكتب هذه السورة الأولى وهذه الثانية. فتخيل منهم جماعات من فحول العرب، ومن شعرائهم، ومن كبرائهم، لو اجتمعوا لأمكنهم هذا. يمكن هذا أن يؤلفوا مثل القرآن. لكن ما الذي منعهم؟ الله، الله هو الذي منعهم، فأخذ على أيديهم وما استطاعوا. قالوا: هذا الذي يسمى بالإعجاز القرآن، أن الله صرف عنهم العرب، وهذا ما يسمى عندهم بالصرفة. وهذا قول لأهل البدع، وهذا قول المعتزلة، كأمثال النظام. وهذا القول حقيقته: أن القرآن ليس بمعجز، لا ليس بمعجز. بدليل يقول: أن العرب بإمكانهم أن يؤلفوا على منواله، بإمكانهم. طب لماذا ما صنعوا؟ قالوا: الله منعهم. هذا كذب، هذا بهتان، بل هذا فيه إضعاف كلام الله عز وجل. والصحيح من أقوال أهل السنة في هذا الباب: على أن القرآن هو معجز بذاته، لا أن الله صرفهم عنه، بل أن الله عندهم القدرة، وحاولوا، ما استطاعوا. بدليل هذه الآية: قول: ﴿لأن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾، هم ما يستطيعون أبدا، لضعفهم، ليس أن الله صرف وجوههم، لا، بل وجوههم كانت منصرفة إلى القرآن وإلى الطعن فيه. ولو أرادوا وتمكنوا من تأليف القرآن لألفوا، لكن عجزوا، ما استطاعوا أن يؤلفوا على منوال القرآن. هذا هو القول الصحيح. ومن هنا إخواني نبه العبارة لربما يأتي بها بعض المعاصرين، أنه يقول في حق القرآن: وأن الله أعجز العرب، أعجز العرب عن أن يؤلفوا مثل القرآن. انتبه، من كلمة أعجز العرب، هذا يقول إلى معنى من قال بالصرفة، بمعنى أن العرب عندهم القدرة إلا أن الله صرفهم. هذا ليس بصحيح، بل الصحيح في التعبير: أن تقول أن القرآن عجز العرب أن يؤلفوا على منواله، هم عجزوا، وإلا هم أرادوا كما استطاعوا. ففرق بين العبارتين يا عبد الله. فالقول الذي يقول بالصرفة، بأن الله أعجز العرب، هذا قول مبتدع، وليس من أقوال أهل السنة بشيء، بل هو قول ضعيف، بل حتى أن المتأخرين من المعتزلة ردوا هذا القول، ردوه لنكارته ولضعفه. كيف هذا؟ بإمكان العرب أن يؤلفوا مثل القرآن، حاشا ما يمكن. فقال رحمه الله تعالى: وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات»، وما المقصود بالآيات هنا؟ المعجزات. وتأمل إلى نص السنة، ما سماها بالمعجزات، سماها آيات. وقد ذكرنا في درس أمس إخواني في الله الفوارق بين لفظ المعجزة ولفظ الآية، من حيث اللفظ، من حيث الدلالة. فالأفضل الاقتصار على كلمة آيات، لأنها جاءت لفظ القرآن ولفظ السنة. قال عليه الصلاة والسلام: «ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر». وهذا فيه دلالة على أن ما من نبي بعثه الله إلا ويجعل له ربنا سبحانه وتعالى آية وبين وبرهان، تدل على صدق نبوة ورسالته. ما من نبي، ما من نبي. قال: «وإنما الذي أوتيت» يتحدث عن نفسه صلوات ربي والسلام، ويتكلم عن الآية -ليست المعجزة- عن اللفظ الصحيح، عن الآية التي أعطاه الله إياها. قال: «وإنما الذي كان أوتيت وحيا أوحى الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». يخبر نبينا أن ما من نبي إلا وله آية، ذاك بكذا، وذاك بذكذا. مرة معنا في درس أمس. أما الذي أوتيته أنا، يحدث عن نفسه صلوات ربي والسلام، عبارة عن وحي، وهو القرآن، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي. وحي القرآن هي الآية الكبرى والعظمى التي من الله بها على نبيه عليه الصلاة والسلام. قد يقول قائل: لكن في قول نبينا: «وإنما الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إليه»، يعني هل معنى هذا أن النبي إنما أعطاه الله آية القرآن، بمعنى معجزة القرآن فقط؟ قد مر معنا في درس أمس: أن هناك عدة آيات أعطاها الله للنبي، ما مر معنا من كلامه مع الجمادات، ما كان من ينبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والذا من تسبيح الطعام، إلى غير ذلك. هذه آيات قد وقعت. يعني كيف يحمل هذا الحديث؟ قالوا علماء: إنما أراد نبينا بالآية الذي أعطاه الله إياه، ومن الله به عليه من دون الأنبياء، هي الآية التي باقية إلى قيام الساعة. تلك الآيات التي مرت معنا من تسبيح الطعام، ومن كذا، ومن كذا، من الذي يعتقد بما فيها؟ الذي رآها، والذي عاشرها، والذي حضرها. هذا الذي رأى الآية، فهي اندثرت وانقضت بانقضاء تلك العصور. لكن ما هي الآية التي باقية؟ الآية التي باقية إلى قيام الساعة هو القرآن. فهذه آية نبينا الكبرى عليه الصلاة والسلام، ما تندثر. ومن آثارها قال: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». لأنها باقية، باقية، ولا زال الناس من أهل الكفر، من اليهود والنصارى، ومن سائر الأمم، أعظم ما يأخذ بقلبه هداية لصدره، ما يكون من تمعن في كتاب الله سبحانه وتعالى. يدخل الناس إلى دين الله، ويكونوا تابعين لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذا معنى الحديث. قال: وقد صنف الناس في وجوه إعجاز القرآن، من جهة الألفاظ والمعاني والأخبار الماضية والآتية من المغيبات. طبعا هذه مسألة طويلة. وما وجه الإعجاز؟ قلنا: على قول أن القرآن معجز، أعجز الناس بماذا؟ هنا اختلفت أنظار العلماء. منهم من يقول: أن القرآن معجز بألفاظه. ألفاظه في غاية من الفصاحة، في غاية من البيان. العرب، وهم العرب الذين ألفوا المعلقات، تكتب بماء الذهب. ولما نظر القرآن، وجدوا أن معلقاتهم لا شيء أمام فصاحة القرآن. فقالوا: أن القرآن إنما أعجز العرب من حيث الألفاظ. وطرائف من أهل العلم يقول: لا، ليس الألفاظ، وإنما التحدي والإعجاز القرآن، إنما كان في معانيه، في معانيه، في مواعظ، في أخباره الذي أتى بها. أما الألفاظ، يمكن لأي واحد أن يتلبس بها. لكن المعاني ما يمكن. معاني القرآن غزيرة عميقة، ما يمكن لأي أحد أن يتفهم هذه المعاني. فالقرآن معجز في معانيه. وهكذا منهم من قال: أن القرآن معجز بالإعجاز العلمي، بذكر الأمور المغيبة على الناس، من أمور مضت، ما أحد يعرف، من لدن الأمم السالفة، من لدن آدم عليه السلام، وتوالي الأجيال والأمم، أمة بعد أمة، في أزمان سالفة بائدة، ما أحد علم بها إلا نبينا. من أين هذا؟ هذا إعجاز. وهكذا أمور مستقبلة أخبر بها نبينا عن طريق وحي القرآن، وأظهرت للناس. قالوا: هذا وجه الإعجاز. وتنوعت أقوال العلماء: أين وأين تكمن حقيقة إعجاز القرآن؟ والصحيح الذي عليه جماعة من أهل العلم قالوا: أن القرآن هو معجز من جهة أنه كلام الله، لا يساوي كلام البشر قط. هذا إعجازه. نقول: وكلام الله، وهو يشتمل على كل ما يذكره هؤلاء العلماء. قال رحمه الله: وغصن. فالناس في وجوه إعجاز القرآن، من جهة الألفاظ والمعاني والأخبار الماضية والآتية من المغيبات. وما بلغ من ذلك إلا كما يأخذ العصفور بمنقاره من البحر. العصفور ما هو حجمه أمام البحر الخضم الذي تنقطع الأبصار دونه، تبلغ الآفاق هذا البحر الخضم؟ تخيلوا أن عصفورا أخذ شيئا من الماء، قطرة من هذا البحر، أينقص شيء من هذا البحر؟ ما ينقص شيء. قال: وهكذا العلماء الذين قديما وإلى الآن يستخرجون وجوه الإعجاز القرآن، مع كل ما ألفوا وكتبوا وصنفوا من أجزاء ومفردات ومجلدات حول إعجاز القرآن، ما أخذوا وما أظهروا من إعجاز القرآن إلا هذا الحيز. كحال العصفور أخذ قطرة من ماء البحر. أي ماذا؟ لا زالت إعجاز القرآن فيه. فهي آية عظيمة. وانظر عباد الله، ولا زال الناس، لا زال الناس تستفتح عليهم فتوح عظيمة من القرآن. يأتي كذا بفائدة بيانية هنا، فائدة بلاغية هنا، فائدة علمية هنا، فائدة تاريخية هناك، فائدة. ولا زال الناس إلى هذه الساعة، إلى الساعة، يخرجون من هذا القرآن، من هذا الكتاب المقدس، من الأمور التي تنبهر لها القلوب وتنبهر لها العقول. وكيف لا؟ فهو كلام رب العالمين جل في علاه. فهذا إخواني في الله هو معجزة رسول الله، كما يعبر عنها بالعلم، وهي آية نبينا صلى الله عليه وسلم، ألا وهو القرآن، الكتاب المنزل والكتاب المقدس. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.