شرح أعلام السنة المنشورة  121

شرح أعلام السنة المنشورة 121

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 121، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الرحمة الإلهية ودخول الجنة

يتناول هذا الفصل أهمية الرحمة الإلهية في دخول الجنة، حيث يشير إلى أن الأعمال الصالحة وحدها لا تكفي لدخول الجنة، وأن النجاة من النار تتطلب رحمة الله تعالى. كما يوضح عظمة حق العبودية وضرورة الاستغفار حتى بعد أداء العبادات.

الجمع بين الأحاديث والآيات حول دخول الجنة

يفسر هذا الفصل كيفية الجمع بين حديث "لن يدخل الجنة أحد بعمله" وآية "أورثتموها بما كنتم تعملون"، موضحًا الفرق بين باء السببية وباء الثمنية، وبين أن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة وليست ثمنًا لها.

دور الأعمال الصالحة في دخول الجنة

يشرح هذا الفصل أن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة وليست ثمنًا لها، وأن الأعمال وإن كانت ضعيفة فإن الله جعلها سببًا لدخول الجنة، وأن الباقي هو فضل من الله ورحمة، ويؤكد أن الله لا يعذب إلا بذنب وينفي الظلم عن نفسه.

ختام الحديث والصلاة على النبي

يشير هذا الفصل إلى انتهاء الحديث وتناول الدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه، ويظهر تواضع المتحدث بإقراره بأن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف كتاب «الوابل الصيب من الكلم الطيب» رحمه الله تعالى: هل يدخل الجنة أو ينجو من النار أحد بعمله؟ هل هذا بالإمكان؟ أن الواحد منا بعمله الذي يقوم به يدخله الله جل وعلى الجنة؟ قال رحمه الله تعالى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله»، قالوا: يا رسول الله، ولا أنت؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». أخبر عليه الصلاة والسلام أنه لا يمكن لأحد أن ينجو بعمله، العمل ليس بكاف للنجاة، قال: «ولا أنت يا رسول الله؟» قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة من عنده». قال: وفي رواية: «سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحد عمله». قالوا: «ولا أنت يا رسول الله؟» قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة». واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل. هذا الحديث في الصحيحين عن عائشة، والذي سبق في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم جميعا. وفي هذين الحديثين إشارة إلى ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يدلل عليه، أن الأعمال ليست كافية بإدخالنا الجنة، وإن الواحد منا لو دخل الجنة إنما دخوله بفضل من الله ورحمة، رحمة الله وفضل من عنده هو الذي به دخلت يا عبد الله الجنة، أما الأعمال ما تكفي. ووجه ذلك عدة أوجه، كيف الأعمال ما تكفي؟ قال علماء: إن العبد في هذه الدار أمره ربنا جل وعلا بأن يؤدي العبادة وأن يؤدي الطاعة التي بها يتحصل على الجنة. الجواب: لا، لأن حق العبودية عظيم، حق الله جل وعلا أن يطاع فلا يُعصى، وأن يُذْكَرَ فلا يُنسَى، وأن يُشكَرَ فلا يكفُر. من هذا الذي قام بهذا الأمر؟ من هذا الذي لسانه لا تفتأ بذكر الله؟ من هذا الذي أعماله خالصة لوجه الله؟ من هذا الذي أوقاته عامرة بطاعة الله؟ من هذا؟ فضلا عن أعمال القلوب، أن يكون قلبك لله محبةً وإجلالًا وإعظامًا ورغبةً إليه وتوكلًا عليه. من هنا تجد أن الشريعة تأمر المسلم بالإكثار من الاستغفار، ليس فقط عند الذنوب بل حتى عند العبادات. ومن هنا شريعة المصلي بعد أن يصلي أن يستغفر الله: «أستغفر الله، أستغفر الله». لما؟ مع أنك خرجت من عبادة. ما وجه الاستغفار فيها؟ وجه الاستغفار لما وقع من تفريط، ما وقع من تقصير. الصلاة نعم نصليها كهيئة، لكن الله أعلم هل أدينا حقها باستحضار النية والحضور والخلوص والخشوع والخضوع لله عز وجل بالتأمل والتفكر بما أراد الله جل وعلا منا. ولهذا ذكر العلماء أن الله سبحانه وتعالى يأمر عباده بعد إتيان الطاعات بالاستغفار، لماذا؟ لوجود القصور في طاعاتنا وعباداتنا لربنا. إذن الأعمال التي نقوم بها والأعمال الصالحة -أعني- لا تنهض بنا، لا تنهض بنا إلى أن نصل إلى الجنة. زد على ذلك كما يقول العلماء: إن الجنة التي تريدها يا عبد الله غالية، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إن سلعة الله هي الجنة، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». فعبر نبينا أن سلعة الله غالية جنة. فتدري ما فيها يا عبد الله؟ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. يا ترى ما الذي بذلت في سبيل أن تتحصل عليها؟ لو بذلت ما بذلت يا عبد الله لن تصل إلى شيء من نعيم الجنة، وما ستقول إليه من هذا النعيم وهذا التنعيم المقيم الذي لا يخطر على قلب بشر مهما وصف الواصفون. ما يمكنك يا عبد الله أن تتخيل ما في الجنة. فما هو الجزاء؟ ما هو العمل الذي بذلته للجنة؟ لو صليت ما صليت وتصدقت وأنفقت، ما بلغت يا عبد الله شيء أمام ما سيأتيك من الجزاء. لو أن الجنة ليس فيها إلا الخلود فقط، أنك تخلد خالدا مخلدا فيها، هذه نعمة أو هذا نعيم. نعيم الجنة كم يا ترى يستحق من العمل؟ لو أفنيت عمرك كله صباح مساء عبادة وذكرا لله، على أنك تنال فقط نعمة الخلود في الجنة لكفاها. فما ظنك بما فيها من الحور والدور والقصور والجنات والأنهار وما يذكره ربنا عز وجل من نعيمها؟ قال علماء: فالأعمال ما تنهض إلى أن تستحق الجنة بأعمالك. الأمر الثالث، قال علماء: كذلك أن الأعمال ليست كافية لأن الأعمال ما قامت أصلا أولا بأداء شكر الله عز وجل. أمرنا ربنا عز وجل بالشكر: «وَاشْكُرُوا لِي». فشكر الله عز وجل على نعمه، وكم هي نعم الله؟ قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. ما من أحد إلا ويتقلب في نعم الله. ما من أحد. طب هذه النعم تستلزم منا أداء الشكر من طاعات وعبادات. قال عليه الصلاة والسلام: «كل سلامة من الناس عليه صدقة». سلامة فسر على أنه العظم، وفسر على أنه المفصل. عظام هذا تسمى سلامة. كل عظم يحتاج منك إلى صدقة أو يفصل. أو قيل في السلامة: إنه المفاصل بين العظام تحتاج إلى شكر، تحتاج إلى عبادة. من هذا الذي أدى شكر العظام؟ شكر الجسد؟ فضلا يا عبد الله عن سائر النعم: نعمة الحياة، نعمة الصحة، نعمة المال، نعمة العافية، نعمة الهواء، نعمة الأمن، نعمة الأمان، نعمة النطق، نعمة السمع والبصر والفؤاد، نعمة الإيمان والإسلام. نعم، من هذا الذي أدى شكرها؟ ولو أنك يا عبد الله كما قال العلماء: لو أنه حسبت جميع العبادات في سبيل أن تؤدي شكر نعمة واحدة قد ما تصل إليها. نعمة واحدة فقط ما وصلت إليها. فباقي النعم كيف ستصل إليها؟ وعلى هذا خرج الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث زيد بن ثابت عن غير واحد من الصحابة أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم». لو عذبهم الله من أي باب من هذا الباب؟ أنه ما أدوا حق الله في باب شكر النعم. التقصير واضح، التقصير واضح. كم يعبد الله من نعم تتقلب فيها صباح مساء ليل نهار؟ وأين الشكر؟ لا شيء، لا شيء. لهذا لأن الله عذب الخلق لعذبهم من هذا الباب. وكان تعذيبه حقا لأنه ما أدوا شكر نعم الله عز وجل. طيب إذا كانت الأعمال ما بها ننال الجنة، إذا بماذا ندخل الجنة؟ برحمة من الله وفضل، برحمة من الله وفضل. فربنا هو الذي يتغمدنا برحمته فيدخلنا إلى فسيح جناته. قال رحمه الله تعالى هنا أتى بسؤال، وهذا السؤال لا بد أن يقرن بالسؤال الذي سبق. قال: ما الجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟ هذا إشكال، وإشكال ينبغي أن يحل. الحديث السابق أخبر نبينا أننا لن ندخل الجنة بأعمالنا، كما قال نبينا: «لن يدخل الجنة أحد بعمله». وهذه الآية في ظاهرها تدل على أن الناس إنما يدخلون الجنة بأعمالهم. قال سبحانه: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي هذا بأعمالكم نلتم الجنة. إذن كيف الجمع؟ فبينا يخبر أن الجنة ما ننالها بأعمالنا، وربنا أخبرنا بأن الجنة تنال بالأعمال. إذن كيف الفهم؟ سيأتي المؤلف رحمه الله تعالى بإزاحة الإشكال الذي قد ينقض في أذهان بعض الناس عند النظر في الآية والحديث. قال رحمه الله تعالى: لا منافاة بينهما -بحمد الله-، وهذا الأصل. الأصل لا تعارض. ما عندي تعارض كون أن تظن يا عبد الله في أدلة الكتاب والسنة شيء تعارض بحيث ما يمكن الجمع بينهما، هذا مستحيل. التعارض إذا انقضح -إنما ينقضح عند بعض الناس- هو قدح وتعارض في أذهاننا، في أفهامنا. وعلى ذلك على حسب علمنا. لكن أن تجد أنه تعارض حقيقي تصل إلى أن آية مع حديث أو حديث مع آية أو آية مع آية لا يمكن الجمع، لا. فإن هذا القرآن وهذا الوحي المنزل من عند الله لا تعارض فيه. وإنما الاختلاف في غير كتاب الله. «لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا». هذا في غير كتاب الله، ولا في غير شرع الله ما أنزله الله وحي، ووحي الله لا يتعارض البتة. قال رحمه الله: لا منافات بينهما بحمد الله، فإن الباء المثبت في الآية هي باء السببية، لأن الأعمال الصالحة سبب في دخول الجنة، لا يحصل بها، لا يحصل إلا بها، إذ المسبب وجوده بوجود سببه. والمنفي في الحديث هي باء الثمنية، فإن العبد لو عمر عمر الدنيا وهو يصوم النهار ويقوم الليل ويجتنب المعاصي كلها لم يقابل كل عمله رشر معشار أصغر نعم الله تعالى عليه الظاهرة والباطنة. إذن إذا أردت لشكال يا عبد الله أن نعلم من مقصود بالباء: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله»، بعمله هنا الباء منفية. ما هو الباء المنفي؟ الباء المنفي هو باء الثمنية، باء باب العوض، بمعنى من ظن أنه سيدخل الجنة أجرة لعمله لا، ما يمكن، ما يمكن أبدا. يعني بعض الناس يقول: هذه الجنة أنا إذ دخلت وسأدخلها بما عملت من أعمال صالحة. لا تظن هذا، ما أحد أبدا يدخل الجنة بعمله الذي عمله بحيث يعتقد أن الجنة سيصل إليها بمحض جهده، بمحض عمله الخالص فقط. أي كما يقول بعضهم: أنا عملي يؤهلني يؤهلني أن أدخل الجنة. فمن ظن أن عمله عوض وأن هذه الجنة سيدخلها عوض بعمل، قل: لا، عملك قاصر، عملك قاصر. كما سمعت لو عملت ما عملت، لو قدر بأنك ولي من أولياء الله وعملت ما عملت من الصالحات واجتنبت المحرمات، اعلم أن أعمالك ما تكون عوضا عن الجنة. لماذا؟ ذكرنا أن أعمالك لو جمعت لا ردت إلى شكر نعم الله فقط. فأين العبودية؟ وأن عبادك لو جمعت كمقابل الجنة؟ فالجنة أبعد من ذلك ما بذلت ولا لشيء. فمن ظن أن أعماله تكون أجرة تكون مقابل تكون عوض بالجنة، فهذا الذي يدخله الحديث. فلا أحد يدخل الجنة مقابل عمله. إذن هذا المنفي في الحديث. وأما في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي بسبب أعمالكم. الأعمال الصالحة اعتبرها سبب اعتبرها سبب. الله عز وجل طلب منك وأمرك أن تؤدي العبادات أدها. فكونك تؤدي العبادات هذا السبب فقط لدخول الجنة، سبب وليس أجرة وثمن. وبهذا يا عبد الله يزاح الإشكال الذي في الأذهان. فالذي منع في الحديث أنك لا تعتقد أن العمل يدخلك الجنة هو العمل أن يكون مقابل الجنة. هذا القصر في الجنة وما فيه من حور، إنما كان جزاء هذا، هذا أجرة هذا، يا رب، هذا أجرتي، هذا عملي أريد المقابل. لا، إذا تريد مقابل ما ستصل. فمن ظن أن عمل سيكون مقابل شيء لا، طب ما هو العمل؟ العمل سبب، إنما هو سبب من الأسباب الذي أمرك الله أن تؤديه. وبظل هذا السبب يدخلك الله الجنة، جعله الله سببا. وهذا الفهم الصحيح لها الحديث والآية. فأعمالنا أسباب لدخول الجنة، وليست أعمالنا شراء للجنة، لا تكون مقابل للجنة، ما تكون عوضا، لأن الأسباب الأعمال ضعيفة، لكن أعدها الله السبب، والباقي فضل من الله ورحمة. وهذه مسألة اختلف فيها أهل البدع. فمن أهل البدع -وهم القدرية- من يرون أن الإنسان إنما يدخل الجنة على قدر عمله، ينال الجنة على قدر عمله. فليس هناك عندهم شيء اسمه يتغمده الله برحمته، لا، على قدر عملك تنال جنة، تنال جنة، تأخذها بعملك، تأخذها بما تستحق. وهذا قول القدرية من المعتزلة. والجبرية من الأشاعرة قولهم أعظم، قالوا: إن الأعمال ليست سبب، الأعمال ليست سبب في دخول الجنة. وإلى ماذا قال؟ ما عندنا أسباب، عندنا مشيئة محضة. وما معنى المشيئة المحضة عندهم؟ وهذا مسألة ينبغي أن تفهم، لأن قد عظمت بها البلية، وأخذ من يروج لهذا الفكر الأهوج. وهو أنه يرون أن الإنسان إذا دخل الجنة إنما يدخله الله بمشيئته، بمحض إرادته، لا بسبب عملك. فعندهم مثلا أن الله بإمكانه -شل في علاء- أن يأتي بعبد مؤمن صالح تقي زكي نقي ويدخله النار. وأن الله بالمقابل يأتي إلى كافر مشرك وثني ماجد ويدخله الجنة كيف؟ قال: ما عندنا شيء اسمه أسباب، ما عندنا شيء اسمه أعمال. عندنا إرادة الله، إذا شاء الله بهذا الجنة دخل الجنة، وإذا أراد الله بهذا النار دخل النار. أعمال قال: لا، ما نعتبر شيء اسمه أعمال. وهذا قول الجبرية، وعلى غرار الأشاعرة. وعلى هذا الفكر أتى ذلكم الذي يقول به قائله: «وَجَازَ لِلْمَوْلَى أَنْ يُعَذِّبَ الْوَرَى بِغَيْرِ مَا ذَنْبٍ وَلَا جُرْمٍ جَرَى». يمكن الله أن يعذب جميع الخلق، يعذبهم بغير ذنب وبغير وزر كيف؟ هذا؟ قال: إذا ربنا أشاء -يعني يأتي ربنا إلى رجل صالح أنفق أمواله وأنفق أعماله في سبيل الله ثم يدخل إلى نارة- يمكن، أهل السؤال قالوا: لا، ما يمكن هذا. نقول: نعم، ربنا قادر على هذا، لكن الله يمتنع -منع ربنا الظلم عن نفسه-، وهذا من الظلم، وهذا من الظلم الذي نزه ربنا نفسه العلي عنه. يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا. ومن الظلم أن تأتي يا عبد الله إلى إنسان بذل وبذل وأعطى وأنفق ثم تمحي هذا كله. هذا لا يكون في بين عباد الله، فكيف يكون في حق الخالق جل في علاه؟ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما، لا يخاف ظلم ولا هضم. ربنا أمن العباد يوم القيامة ما هناك ظلم، بحيث لا تأتي يا عبد الله مثلا يوم القيامة تجد أن ذنوب عباد طرحت على ظهرك كيف؟ خلاص أنت ستحاسب على ذنوب هؤلاء. هذا ما يكون. والظلم منفي، ولا هضم أن تهضم شيء من حقوقك، أن تأتي أعمال صالحة أعطيت وبذلت وأنفقت وصليت وقرأت ثم تمحى، تجرد من أعمالك. لا، لأنك فعلت شيء من محبطات لا، إنما هكذا تجرد من أعمالك. أمن ربنا العباد من هذا، لا تخاف يا عبد الله ظلما ولا هضما. ولهذا القول الصحيح كما قال شيخ الإسلام، والذي دلت عليه الأدلة: أن الله لا يعذب إلا بذنب، أن الله لا يعذب إلا بذنب، على قدر الذنب يعذب، ما في ذنب فتبقى يا عبد الله من أهل الصلاح. ولهذا خطى من يظن أن الله جل وعلا فعال لما يريد لدرجة أنه يأتي إلى عباد الله الصالحين ويمحي عنهم الحسنات ويدخلهم النيران هكذا. فإن الله نفى عن نفسه ذلك جل في علاه. فلنعلم مقدار الأعمال، الأعمال سبب. عليك أن تعمل، تعمل يا عبد الله على الأعمال الصالحة، فإنك على قدر أعمالك يعينك ربك عز وجل. فالأعمال سبب من أسباب دخول الجنة. وأنت في أثناء عملك اعلم أنك لا تنال جنة فقط بعملك، لا، بل هناك وهو سبب أعظم من عملك، وهو مغفرة الله ورحمة الله، وسعة رحمة الله جل وعليه أعظم من أسباب هذه الأسباب، لأن أسبابك إن رأيتها لرأيت أنها قاصرة، قاصرة. لكن تأتي رحمة الله فتجعل يا عبد الله من شأنك أرفع من ذلك، فتوفاك الله برحمته. هذا إخوانا في الله الذي يذكر في هذا الحديث في فهم الإشكال الذي قد ينقض في الأذهان بين الجمع بين الآية والحديث. ولا إشكال في هذا الباب، وإنما أن نعلم أن الأعمال سبب وليست ثمن، سبب لدخول الجنة وليس ثمن لدخول الجنة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.