الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 105، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل تفاصيل الحساب يوم القيامة مستندا إلى حديث نبوي يفرق بين نوعين من الحساب: حساب المناقشة وحساب العرض. يبين أن حساب المناقشة قد يؤدي إلى العذاب بينما يكون حساب العرض يسيرا.
يصف هذا الفصل مشاهد يوم القيامة حيث يشهد الجسد على أفعال صاحبه، ويطلب الكافر الفدية بملء الأرض ذهبا. يبين الله له أنه طلب منه ما هو أيسر من ذلك وهو التوحيد، وكيف يحاسب الله عباده ويذكرهم بأعمالهم.
يوم القيامة، يحاسب الله العباد على أعمالهم، فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا ومنهم من يحاسب حسابا عسيرا. هناك طائفة لا حساب عليهم، وأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- أول من يحاسب، وأول ما يحاسب عليه العبد الصلاة والدماء.
يشير هذا الفصل إلى الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويختم بالتأكيد على علم الله تعالى. يُظهر الختام أهمية الصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف «أعلام السنة المنشورة» -رحمه الله تعالى-: «كيف صفة ذلك من السنة؟ كيف صفة ذلك؟ الإشارة إلى ما يتعلق بما مضى معنا من مسألة الحساب والعرض، كيف يكون الحساب والعرض للخلائق يوم القيامة؟ مضى ما يتعلق بوصف ذلك من القرآن، وسيذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- ما يتعلق بوصف ذلك من السنة». قال -رحمه الله تعالى-: «فيه أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب»، قالت عائشة -رضي الله عنها-: «أليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟» قال: «ذلك العرض». هذا الحديث، والذي هو في الصحيحين، أخبر فيه ربنا -جل وعلا- أنه «من نوقش الحساب وقعت عليه المناقشة في حسابه، فإذا وصل العبد إلى هذه المرحلة فليعلم أنه قد عذب». وهنا اختلف العلماء: ما المقصود بـ«عذب»؟ هل بمعنى أن نفس المناقشة وعرض الأعمال على العبد هي بذاتها تعذيب؟ أو أنها تؤول إلى العذاب؟ قيل هذا، وقيل هذا، والصواب الثاني والأظهر الثاني: أنه إذا كان العبد وجد من نفسه أنه دخل في نقاش في حسابه وفي سجلاته، فليعلم أن هذا سيؤول إلى العذاب، أن في آخر المطاف سيكون عذاب. قال -رحمه الله تعالى-: «من نوقش الحساب عذب»، قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «أليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟» هذا مما تشكل عند عائشة -رضي الله تعالى عنها-؛ بأن الله -سبحانه وتعالى- ذكر أن الحساب سيكون يسيرا على العباد، وكيف يخبر نبينا أن العذاب سيكون من النوع العسير، بل من النوع الذي من ورائه عذاب؟ فأرادت عائشة أن تستفهم من هذا الإشكال. فبين نبينا -صلى الله عليه وسلم- الفرق بين الحسابين، وأن حساب العباد ليس كله على حد سواء، بل إن حساب العباد يختلف من شخص إلى شخص وكل باعتبار. فقال -صلى الله عليه وسلم-: «ذلك العرض»، إذن الحساب على قسمين: هناك حساب مناقشة، وهناك حساب عرض. حساب المناقشة هو الذي يكون مع العبد نقاش، يدخل العبد مع ربه، لربما يجادل، الرب ينكر ويتبرم: «أنا ما فعلت، أنا كذا». وقد جاء ذلك في أحاديث صحاح: أن الله -عز وجل- يحاسب العبد على ذنوبه، فلا يرضى بهذا: «إني لا أرضى عليه إلا شاهدا من نفسي»، ولا زال ربه -سبحانه وتعالى- يقول: «أما ترضى بي شاهدة بالملائكة الكرام الكاتبين؟» فيقول العبد: «يا رب، إني لا أرضى عليه إلا شاهدا من نفسي»، حينها يختم على فمه، فتنطق جوارحه بما فعل وبما اكتسب. وحينها يفتضح هذا المخذول عندما أراد وظن أنه لا أحد يشهد على أفعاله، فربنا يأذن ويأمر الأعضاء أن تتكلم وأن تنطق، وهو ينظر إليها ولا يملك حيلة أن يسكت هذا العضو أو يسكت هذا العضو، كل يتكلم: «فعلنا، فعلنا، فعلنا، فعلنا»، وهو ينظر، ثم يفك عنه الكلام، فيتكلم، أول ما يتكلم به أن يسب هذه الأعضاء: «سحقا لكم، وبعدا لكم»، كان يجادل الله حتى لا يعذب، لا أنا ولا أنت، هذا كان الفائدة من جدالي مع ربي، الآن قد فضحتموني، أنتم الذين فضحتموني. قال: «ويقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم». هذا الكافر، بعدما يرى الأهوال ويرى الكربات والشدائد في يوم القيامة، حينها يسقط في نفسه، وعلم أنه هالك لا محالة، فيطلب منه ربنا -عز وجل-: لو أنه فتح لك باب الفدية، أكنت تفتدي بملء الأرض ذهبا؟ «نعم»، سيفتدي به، سيفتدي به من شدة ما يرى ما سينتظر من عذاب الله -سبحانه وتعالى- بكفره وشركه. فيقال له: «قد سئلت ما هو أيسر من ذلك»، وفي رواية: «قد سألتك ما هو أهون من هذا، وأنت في صلب آدم، أن لا تشرك بي، فأبيت إلا الشرك». سبحان الله، هذا الذي كان الله -عز وجل- يريده من عباده من الخلق كافة، «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، قال ابن عباس: «أن يوحدون»، هذا الذي ربنا من أجله خلق الخلق، أنهم يوحدوه -سبحانه وتعالى-، فيشهد له بالوحدانية وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد لم يلد ولم يولد، هذا المراد فقط. قال: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان». وهذا كذلك من صور الحساب، أن الله يختلي بالعبد، «ما منا من أحد»، والحساب لكل الخلق، «ما منا من أحد»، «إلا وسيحاسبه ربه حسابا على كل أعماله». وكما قلنا: وربنا أسرع الحاسبين، مع كثرة الخلائق الذي لا يعلم بهم إلا الله، فإن الله يحاسبهم كل على حدة، يحاسبهم كل على حدة، فيذكرهم بأعمالهم ويحاسبهم على أفعالهم. قال: «فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه». فاتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة. انظر ما أيسر هذا الدين، وما سماحة الإسلام، نار تلظى يا عبد الله يمكن أن تتقيها بعمل يسير، بعمل يسير، تتصدق بتمرة، أو تتخلص من هذه النار بكلمة أن تكون طيبة. قال: «يدنى أحدكم -يعني المؤمنين- من ربه حتى يضع كنفه عليه». و«كنفه» كما فسره أئمة السنة: «ستره»، ستره، كما قال ذلك عبد الله بن مبارك، ونقله عنه البخاري: «كنفه ستره». قال: «حتى يضع كنفه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم». أي أن الله -عز وجل- يذكر العبد بأعماله مما عمل: «عملت كذا وكذا»، وهذا العبد يقر بذنوبه، يقول: «نعم»، لا يكذب، يعرف أنه الآن ما ينفع إلا الصدق مع الله، فيعترف. قال: «إني سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم». وهذا هو العرض، وهذا هو الحساب اليسير، يا عبد الله، أن يتعامل العبد -سبحانه وتعالى- مع عبده في الحساب بهذه المعاملة: أن يقرره بأفعاله: «فعلت كذا وكذا»، فيقول العبد: «نعم»، ما يزيد عن هذا. يقر بذنوبه، فإن وجد العبد أن حساب الله معه بهذه الطريقة، حينها فليعلم أن ما بعد ذلك صفح، وما بعد ذلك يسر. قال: «وغير ذلك من الأحاديث». أي الأحاديث كثيرة متعلقة بباب الحساب. ومما يذكر -إخواني في الله- كذلك أن أحوال الناس في الحساب على أصناف: صنف من الناس من يحاسب حسابا يسيرا، وهم الذين سمعتموهم ممن يكون حسابهم عبارة عن عرض. ومنهم من يكون حسابه الحساب العسير، وهم الكفرة والفجرة، وأيضا بعض عصاة الموحدين الذين كثرت ذنوبهم ومعاصيهم، فهؤلاء يحاسبون حسابا عسيرا على أعمالهم. وهناك صنف من الناس لا حساب عليهم، لا حساب عليهم، وهم السبعون ألفا، طائفة من أمة الإسلام خصهم ربنا -عز وجل- بهذه الخصيصة: أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. فهذا صنف من الناس لا حساب عليهم، الناس يحاسبون، وهؤلاء يمرون من غير حساب، يدخلون الجنة مباشرة. طبعا، وهذا ما كان ذاك إلا لقوة يقينهم بربهم، فهم لا يسترقون، لا يطلبون الرقى من أحد، لعظيم اعتقادهم بالله، وأن الله -سبحانه وتعالى- هو الشافي. قال: «وأيضا كذلك -إخواني في الله- في مسألة الحساب: إذا قامت الأمم منذ من لدن آدم عليه السلام، فإن أول أمة تحاسب هي أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، إكراما لها وإشرافا لها، أول من ينادى عليهم الأمم: «أين أمة النبي الأمي؟» فينادى بها، فتجتمع أمة محمد، فيحاسبهم الله، أول من يحاسبهم، ثم تتوالى بعد ذلك الأمم». وما ذاك إلا إكراما وتشريفا لهذه الأمة المحمدية. وأيضا كذلك: أول ما يحاسب عليه العباد في الحقوق، أول ما يقع عليه الحساب في الحقوق، سواء كان من في حق الله أو في حق العباد. أما في حق الله: أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، فإن صلحت وحسنت، فإن ما بعدها أصلح، أحسن وأيسر، الحساب على ذلك أخف. أما ما يتعلق فيما بينه وبين العباد: الدماء، أول ما يحاسب فيه الدماء، فمن تطلقت يداه بدماء المسلمين، فالحساب عليه سيكون غليظا شديدا، لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما، إذا أصاب دما حراما، طاقت عليه الأمور، واشتد عليه الحساب والعقاب. فأسأل مولانا -جل وعلا- أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.