شرح قرة عيون الموحدين 62

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 62، ألقاها

مقدمة في الفأل والطيرة

يبدأ الشرح بتوضيح معنى الفأل والفرق بينه وبين الطيرة، حيث يبين أن الفأل هو الكلمة الطيبة التي تعجب النبي وتدل على ما يسر. بينما الطيرة هي التشاؤم بمرئي أو مسموع وتسبب الضعف وسوء الظن بالله.

تحريم الطيرة وعلاقتها بالشرك

يتناول المقطع تحريم الطيرة وكونها نوعا من الشرك، حيث يشرح تأثيرها على القلب وتعلق الإنسان بغير الله. كما يبين أهمية التوكل على الله في دفع الضر وجلب النفع.

أحكام التطير والتشاؤم

يشرح المقطع حديث النبي حول التطير والتشاؤم، ويبين أن التطير نوع من الشرك الأصغر إذا أثر على قرارات الإنسان. كما يقدم كفارة لهذا الفعل ويشرح معنى الطيرة وما يترتب عليها من أحكام شرعية.

  • 14 جمادى الآخرة 1434هـ - 24/04/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، عليهم رحمة الله تعالى جميعا، في كتابه "قرة عيون الموحدين". قال: قوله: وله ما عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيارة، ويعجبني الفأل". قال: وما الفأل؟ قال: "الكلمة الطيبة". والحديث كما ترون في الصحيحين. قال أبو السعادة: الفأل مهموز فيما يسر ويسوء، والطيارة لا تستعمل إلا فيما يسوء، وربما استعملت فيما يسر. قوله: قال: وما الفأل؟ قال: "الكلمة الطيبة". بين صلى الله عليه وسلم أن الفأل يعجبه، فدل على أنه ليس من الطيرة المنهي عنها. إذن، في قوله صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن الفأل بأنه الكلمة الطيبة، معنى هذا أن الفأل الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم هو الكلمة الطيبة. وعلى هذا، ففيه دلالة على أن معناها الشرعي يدل على ما يسر به، وإن كان في اللغة يطلق على ما يسر أو ما يسوءه وما يسوء. قال رحمه الله تعالى: قال ابن القيم: ليس الإعجاب بالفأل ومحبته بشيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة وموجب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها. والله تعالى جعل في غرائز الناس من الإعجاب بسماع الاسم الحسن ومحبته وميل نفوسهم إليه. وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح والسلام والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر ونحو ذلك. فإذا سمعت الأسماع أضدادها، أو جلبت ضد هذه الحال، أحزنتها وآثر ذلك لها خوفا وتطيرا وانكماشا وانقباضا عما قصدته وعزمت عليه، فأورث لها ضررا في الدنيا ونقصا في الإيمان ومفارقة للشرك، أو نقصا في الإيمان ومقارفة للشرك. ومعنى هذا أن الفأل لما يبعث من النفوس من النشاط والسرور والإقبال، هذه المعاني معاني محمودة، إذ أنها تزيد العبد نشاطا وهمة، وكذلك إقبالا على الله جل وعلا، بخلاف الطيارة التي هي التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم. فإنها تجلب للنفس الانكماش والضعف والخور وسوء الظن بالله رب العالمين جل وعلا. وكذلك إلى جانب هذا وذا، تسبب للإنسان نوعا من الشرك بسبب ضعف توكله وحصول شيء من الالتفات إلى ذلك المتشاءم به. ففرق إذن بين الفأل وبين الطيارة، فرق بين شيء يرفع الهمة ويقوي عزيمة، وبين شيء يضعفها ويسبب الخور ويسبب سوء الظن بالله رب العالمين جل وعلا، بل ويجعل القلب يلتفت إليها متعلقا بها. قال رحمه الله تعالى: قوله: ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر، قال: ذكرت الطيارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أحسنها الفأل، ولا ترد مسلما". فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: "اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك". قوله: عن عقبة بن عامر، قال: هكذا وقع في نسخ التوحيد، وصوابه عن عروة بن عامر. كذا أخرجوا أحمد وأبو داود وغيرهما. قال: وهو مكي، اختلف في نسبه. فقال أحمد: عن عروة بن عامر القرشي، وقال غيره: الجهني. واختلف في صحبته، فقال الماوردي: له صحبة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وقال المزين: لا صحبة له تصح أو تصح. وعلى هذا، فهو من التابعين. وإذا كان كذلك، فيكون الحديث مرسلا، والمرسل من قسم الضعيف. قال رحمه الله تعالى: قال ابن القيم: أخبر صلى الله عليه وسلم أن الفأل من الطيرة، هذا على صحة الحديث. وأما وقد علمنا أن الحديث ليس بالصحيح، فليس منها. قال: أخبر صلى الله عليه وسلم أن الفأل من الطيرة، وهو خيرها، فأبطل الطيرة وأخبر أن الفأل منها، ولكنه خير منها، ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهما من الامتياز والتضاد ونفع أحدهما ومضرة الآخر. قال رحمه الله تعالى: قوله: ولا ترد مسلما، قال: الطيب تعريض بأن الكافر بخلافه. وفيه أيضا أن من وقع في قلبه شيء من ذلك، ففيه شبه بالكفار في هذه الخصلة، أي خصلة التطير والتشاؤم وعدم المضي فيما أراد من أمر. قال قوله: "اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك". قال: أي لا تأتي الطيارة بالحسنات، ولا تدفع المكروهات، بل أنت وحدك لا شريك لك الذي تأتي بالحسنات وتدفع السيئات. والحسنات هنا النعم، والسيئات المصائب. ففيه نفي تعلق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر، وهذا هو التوحيد. وهو دعاء مناسب لمن وقع في قلبه شيء من الطيرة، وتصريح بأنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا، ويعد من اعتقدها سفيها مشركا. قال رحمه الله تعالى: قوله: ولا حول ولا قوة إلا بك، والحول التحول والانتقال من حال إلى حال، والقوة على ذلك بالله وحده. قال: ففيه التبرؤ من الحول والقوة والمشيئة بدون حول الله وقوته ومشيئته، وهذا هو التوحيد في الربوبية. أي أن العبد يعلم أنه لا حول له ولا قوة ولا مشيئة ولا إرادة إلا بالله رب العالمين جل وعلا، وأنه لا يكون إلا ما شاء الله، وأنه لا يجلب النفع إلا الله، ولا يرفع الضر ولا يدفعه إلا الله جل وعلا الذي بيده كل شيء سبحانه وتعالى. قال: وهو الدليل على توحيد الألوهية الذي هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة، وهو توحيد القصد والإرادة. وقد تقدم بيان ذلك بحمد الله. قوله: عن ابن مسعود مرفوعا: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل". قال: رواه أبو داود والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود. ولفظ أبي داود: "الطيرة شرك، الطيرة شرك ثلاثا". قال رحمه الله تعالى: وهذا صريح في تحريم الطيرة وأنها من الشرك، لما فيها من تعلق القلب بغير الله. وكما سمعتم أنها من الشرك الأصغر، كما نص على ذلك غير واحد من العلماء رحمهم الله. قال: قال ابن مفلح، كما في "الآداب الشرعية": الأولى القطع بتحريمها، أي تحريم الطيرة لأنها شرك. وكيف يكون الشرك مكروها، الكراهة الاصطلاحية؟ ومعنى هذا أن ابن مفلح رحمه الله تعالى نقل أو ذكر خلافا في المسألة، أي منهم من قال بأنها محرمة، ومنهم من قال بأنها مكروهة. والكراهة في عرف المتقدمين من الأئمة يطلقونها على المحرم. قال رحمه الله تعالى: قوله: وما منا إلا، قال أبو القاسم الأصبهاني والمنذر: في الحديث إضمار، والتقدير: وما منا إلا وقد وقع قلبه في شيء من ذلك. انتهى. وقع قلبه أي شيء من التطير. قال رحمه الله تعالى: قوله: ولكن الله يذهبه بالتوكل، قال: لكن إذا توكلنا على الله في جلب النفع ودفع الضر، أذهبه الله تعالى عنا بتوكلنا عليه وحده. قوله: وجعل آخره من قول ابن مسعود، قال ابن القيم: وهو الصواب. فإن الطيرة نوع من الشرك. ومعنى هذا أنها لا تليق بمقام النبوة، فهي من قول غير النبي صلى الله عليه وسلم قطعا. قال قوله: ولأحمد من حديث ابن عمر، أي من حديث عبد الله بن عمر بن العاص: "من ردته الطيارة عن حاجته، فقد أشرك". قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: "أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك". هذا الحديث رواه أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمر بن العاص. وفي إسناده ابن لهيعة، وبقية رجاله ثقات. والحديث أقل أحواله بأنه حسن. قال قوله: من حديث ابن عامر، هو عبد الله بن عامر بن العاص بن وائل السهمي، أبو محمد، وقيل أبو عبد الرحمن، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء. مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الصحيح بالطائف. قوله: من ردته الطيارة، قال: وذلك أن الطيارة هي التشاؤم بالمرئي والمسموع. فإذا ردته عن سفر أو عمل أو حاجة، فقد أشرك لما يخامر قلبه من الخوف من ذلك، فيكون شركا بهذا الاعتبار، فهو نوع شرك، وهو من قبيل الشرك الأصغر. قال رحمه الله تعالى: قوله: قالوا: فما كفارة ذلك؟ وقوله: ما كفارة ذلك؟ يدل على أن الطيارة من الكبائر، إذ أن من تعارف من العلماء رحمهم الله تعالى للكبيرة ألا تترتب عليها كفارة. قال رحمه الله تعالى: قال: "أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، إلى آخره". فيه تفويض الأمر إلى الله تقديرا وتدبيرا وخلقا، والبراءة مما تعلق بغير الله تعالى كائنا من كان. قال: وبالمناسبة، يعني كما ذكر: "من ردته الطيارة عن حاجته، فقد أشرك". وكما قال ابن مسعود رحمه الله تعالى: "الطيارة شرك، والطيارة شرك" في حديث. ثم قال: "وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل". يذكر في قصة مقتل الحسين بن علي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه وأرضاه، أنه لما سار يوم عاشوراء، فمر على كربل، فسأل: ما اسم هذه البلدة؟ فقيل له: كربل. قال: "إنا لله وإنا إليه راجعون، كرب وبل". انظر كرب وبل، لكن لصحة إيمانه وتوكله بالله وتوكله على الله جل وعلا، مضى. وما ردته تلك التسمية لتلك البلدة. وإلا هي نوع من التشاؤم بالمعلوم، نوع من التشاؤم بالمعلوم أو بالمسموع. قال رحمه الله تعالى: قوله: "ولا إله غيرك"، أي لا معبود مستحق سواك. فإذا قال ذلك، وأعرض عما وقع في قلبه، ولم يلتفت إليه، واستمر على فعل ما عزم عليه توكلا على الله وتفويضا إليه، كفر الله عنه ما وقع في قلبه من ذلك. قال رحمه الله تعالى: قوله: وله من حديث الفضل بن عباس رضي الله عنه: "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك". قال: هذا الحديث عند الإمام أحمد من حديث الفضل بن عباس. قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فساقه إلى أن قال: "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك". وهذا الحديث في ضعف، لأنه من طريق مسلم بن عبد الله جهني، وفيه جهالة، وفيه كذلك انقطاع بينه وبين الفضل. قال رحمه الله تعالى: لكن الحديث قد يتقوى بالأحاديث الماضية في الباب. كما مر معنا في حديث عبد الله بن عمر بن العاص، وحديث ابن مسعود، وما جاء كذلك في معناها. قال رحمه الله تعالى: قوله: إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك، قال: هذا حد الطيرة المنهي عنها، أنها ما يحمل الإنسان على المضي فيما أراد، أو يمنعه من المضي فيه. قال رحمه الله: وأما الفأل الذي كان يحبه صلى الله عليه وسلم، ففيه نوع بشارة، فيسر به العبد ولا يعتمد عليه، بخلاف الطيرة. فافهم الفرق. وهذه لطيفة اختتم بها الشيخ رحمه الله تعالى الفرق بين الطيرة وبين الفأل. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على