الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 78، ألقاها
يناقش حكم قول ما شاء الله وشئت ويبين أنها من ألفاظ الشرك اللفظي الأصغر. يستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عنها.
يشرح خطورة سب الدهر واعتباره إساءة لله تعالى. يبين أن من يسب الدهر قد يقع في الشرك، ويستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن ذلك.
يفصل حكم سب الدهر ويعتبره شركا أكبر إذا اعتقد الشخص أن غير الله يتصرف في الكون. يفرق بين سب الدهر والإخبار عن شدة الأيام دون قصد الذم.
يمثل ختامًا للدعاء حيث يسبح الله ويحمد ويستغفر ويتوب إليه. يظهر فيه تواضع الداعي واعترافه بذنوبه ورجوعه إلى الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله تعالى في كتابه «قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين»، قوله - أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله - في كتابه «التوحيد الذي هو حق الله على العبيد». قال رحمه الله تعالى: قوله: باب قول ما شاء الله وشئت. ومعنى هذا أن هذا الباب معقود في الكلام على حكم التلفظ بهذه اللفظة، وهي قول القائل: ما شاء الله وشئت. والإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله تعالى ذكر هذا الباب في كتابه «التوحيد» لمناسبة ظاهرة، وهي أن قول القائل: ما شاء الله وشئت من ألفاظ الشرك، لما تحمله الواو من معنى التسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، فهو من قبيل الشرك اللفظي - أي من الشرك الأصغر - المنافي لكمال التوحيد. قال رحمه الله تعالى: قوله: باب قول ما شاء الله وشئت، عن قتيلة: أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت. رواه النسائي وصححه، والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في «الصحيحة»، وشيخنا العلامة الوادعي في «الصحيح المسند»، رحمهم الله تعالى جميعا. قوله: قتيلة، بضم المثنى مصغرة، بنت صفي الأنصارية، صحابية مهاجرة. قوله: لها حديث في سنن النسائي، وهو المذكور في الباب، ورواه عنها عبد الله بن يسار الجعفري، وفيه قبول الحق، وفيه بيان النهي عن الحلف بالكعبة وغيرها، مع أنها بيت الله التي حجها الناس وقصدوها بالحج والعمرة فريضة. قال رحمه الله تعالى: وأنت ترى ما وقع مما يخالف ذلك من الحلف بالكعبة ودعائها، أي أن يحلف بالكعبة، وأشد من ذلك أن تدعى الكعبة من دون الله جل وعلا في إجابة المطلوب أو تفريج الكروب، والعياذ بالله. وكذلك مقام إبراهيم، أي يقسم به ويدعى من دون الله جل وعلا. قال: وقل من يسلم من هذا ممن يحج من أهل الآفاق وأهل مكة، أي في ذلك الزمن، كما كان يفعل بغيرها. والكعبة عظمها الله بأن جعل حجها ركنا على من استطاع، وشرع العبادة عندها، وخصها بالفضل، فالمشروع إنما هو الطواف بها والصلاة إليها، لا الحلف بها ونحوه من الشرك في العبادة. قال: فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم. فالحاصل من هذا أن الكعبة مكان مقدس جعله الله جل وعلا للعبادة، فالمسلمون يأتون الكعبة إذا صلوا طاعة لله رب العالمين جل وعلا، أن جعلها الله جل وعلا قبلة لهم، ويطوفون حولها كذلك طاعة لأمر الله جل وعلا الذي أمرهم بالطواف بها، لا أن تعبد من دون الله جل وعلا، وأن تقصد من دون الله جل وعلا بطلب أو دعاء أو حلف أو غير ذلك من أنواع العبادة، فهذا كله من الشرك بالله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قوله: وله أيضا عن ابن عباس: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده. قال: هذا يبين ما تقدم من أن هذا شرك، لأن المعطوف بالواو يساوي المعطوف عليه، لأن الواو وضعت لمطلق الجمع، فلا يجوز أن يجعل المخلوق مثل الخالق في شيء من الإلهية والربوبية، ولو في أقل شيء. قال رحمه الله تعالى: وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى حمى التوحيد وسد طرق الشرك في الأقوال والأفعال. قال قوله: هو لبني ماجع عن الطفيل أخي عائشة لأمها، قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزير بن الله، قال: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح بن الله، قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. قال: فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: ألا أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني رأيت رؤيا أخبرت بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده. قال رحمه الله تعالى: قوله: باب من سب الدهر فقد آذى الله، أي قول إمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله. باب من سب الدهر فقد آذى الله. والشيخ رحمه الله تعالى عقد هذا الباب في بيان حكم من سب الدهر، لذا قال: فقد آذى الله، كما هو نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كما هو نص الحديث القدسي على ما سيأتي ذكره بإذن الله جل وعلا. قال: ومناسبة ذكره هذا الباب في كتاب التوحيد ظاهرة، وهي أن من سب الدهر فقد وقع في الشرك بالله جل وعلا، وذلك لأن الساب للدهر لا يخل من أحد أمرين، كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «زاد المعاد»: أن ساب الدهر لا يخل من أحد أمرين: إما أن يسب الدهر وهو يعتقد أن الدهر بيده النفع والضر بذاته، فهو الذي يقلب الأحوال ويغيرها بذاته، فهذا شرك أكبر، إذ أنه اعتقد أن غير الله جل وعلا يتصرف في الكون من دون الله جل وعلا. قال: وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ الآية. قال العماد بن كثير في تفسيره: يخبر تعالى عن دهرية الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد، وقالوا: ما هي إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، ولا ثم معاد ولا قيامة. قال قوله: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: «يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار». وفي رواية: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر». وقول الله جل وعلا في الحديث القدسي: «وأنا الدهر»، أي أن الله جل وعلا هو الفاعل للدهر، لا أن الدهر من أسماء الله جل وعلا، وخلافا لابن حزم ومن قال بقوله ممن زعم أن الدهر من أسماء الله جل وعلا. قال: قال في «شرح السنة»: حديث متفق على صحة إخراجه من حديث معمر، عن أبي هريرة، قال: ومعناه أن العرب كانت من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعله - أي سبوا الله جل وعلا - فكان مرجع سبهم إلى الله عز وجل، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصفونها. قال: فنهوا عن سب الدهر، لأجل هذا المعنى. قال: ونسبة الفعل إلى الدهر ومثله كثير في أشعار المولدين. وأشعار المولدين هم الذين كانوا في زمن الدولة العباسية، في أواسط زمن الدولة العباسية، ظهر الشعراء المولدون، وإذا قيل: شعراء المولدون، فهم الذين لا يحتج بشعرهم في كلام العرب، على الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله. قال: كابن المعتز والمتنبي وغيرهما. وليس من سب الدهر وصف السنين بالشدة، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ الآية. ومعنى هذا: لو أن إنسانا قال: هذه الأيام حصل فيها شدة، أي طاحق، أو حصل فيها شدة باعتبار أنها حارة شديدة، أو حصل فيها شدة باعتبار أنها باردة شديدة البرد، أو ما شابه ذلك، على سبيل الإخبار عن واقع الحال، فهذا ليس فيه شيء، لأنه مخبر عن واقع الحال. قال: أما إن قال: هذه سنين شديدة، وقصد الذم لها والسب لها، فإنه يدخل في هذا المعنى - أي في سب الدهر - ومنه يعلم أن قول القائل لشيء من الأمور التي تحصل في الكون: إن كان قوله على سبيل الإخبار، مجرد إخبار محض، فلا شيء عليه، أما لو قصد بذلك الذم والسب والتنقص لتلك الأيام، فإنه يدخل في معنى سب الدهر. قال: وإلى هنا وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.