الدرس في شرح الأصول الثلاثة 21، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
هذا الفصل يشرح الشطر الثاني من الشهادة ومعناها ودليلها من القرآن، ويوضح طاعة النبي وتصديقه فيما أخبر. كما يتطرق إلى معنى كلمة 'رسول' وضابطها.
هذا الفصل يبين بعض صفات رسول الله وحرصه على أمته، ويوضح أن رسالته ملزمة لجميع البشر وليس للعرب فقط. كما يشير إلى تحمل النبي للمشقة من أجل أمته.
هذا الفصل يحث على الاهتمام بمصائب المسلمين ونصرتهم، ويبين أهمية الرحمة في التعامل مع الآخرين مستشهدًا بصفات النبي وسلفنا الصالح.
هذا الفصل الأخير يشير إلى الصلاة على النبي وآله وصحبه ويختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، ويظهر الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل يا إخوان، الله عما تم ذكره حول التركيز أو الاهتمام بأمر الشهادة. ومرت مَباحث سريعة متعلقة بشهادة أن لا إله إلا الله. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ودليل شهادة أن محمدًا رسول الله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. وحتى تتضح لنا خطة المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة التي بين أيدينا، أن المؤلف رحمه الله تعالى انتقل إلى الأصل الثاني، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. ثم بيّن أن الإسلام يقوم على مراتب ثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان. فبدأ بالأمر الأول والمرتبة الأولى، ألا وهي الإسلام، وذلك بذكر أركان هذه المرتبة. وأن أركان الإسلام تقوم على المباني الخمس، أولاها الشهادة. فبدأ بالشطر الأول من الشهادة، وهي أن لا إله إلا الله، ذكر ما يدل على تعريفها وعلى أركانها. ثم انتقل الآن إلى الشطر الثاني من الشهادة، وهي شهادة أن محمدًا رسول الله. إذن فالمؤلف رحمه الله تعالى يسير معنا على هذه الخطوات، فينبغي التأمل في مبحث الرسالة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ودليل شهادة أن محمدًا رسول الله. وقد مر معنا ما يتعلق بكلمة شهادة، وأن المقصود بالشهادة ليس فقط إقرار أو نطق اللسان، بل لابد أن القلب يواطئ اللسان على هذه العقيدة. فتشهد بلسانك بأن محمدًا رسول الله، وهكذا القلب يذعن ويصدق ويقرر بهذه العقيدة بأن محمد عليه الصلاة والسلام هو رسول الله حقًا وصدقًا. كلمة "رسول" تحتها مباحث في ذكر ضابطها. ما هو الضابط للرسالة؟ ومن هو الرسول؟ هو كل ذكر حر بشر، لإخراج الجن، فليس هناك على القول الصحيح، وقول جماهير العلماء، ليس في الجن رسل. وإنما الجن لهم من يبلغ دين الله، أما الرسل فلا يكون إلا من الإنس. وهذا مذهب جماهير العلماء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ودليل شهادة أن محمدًا رسول الله، ومحمد بن عبد الله الهاشمي القرشي، صلاة ربي وسلامه عليه. وسمي محمدًا بهذا الاسم، فيقال: لكثرة حمد الحامدين له، أو قيل: سمي محمدًا لأنه يستحق أن يحمد المرة تلو الأخرى. وما هذا الحمد الذي يأتيه من الناس إلا من أجل خصاله ومآثره. وهذا الذي سمه بذلك هو جده، كما جاء ذلك في السيرة. إنما أراد من هذا الاسم التيمّن بهذا المولود الصغير، بأنه يكبر. وكان العرب هذا من طبعهم، أنهم لا يرمون بالأسماء جزافًا، بل كان العرب إذا أرادوا أن يسموا المولود، يسمونه لأمر مستقبلي يظنون فيه الخير. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ودليل شهادة أن محمدًا رسول الله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. هذه الآية عظيمة القيمة، بينة يبين فيها الرب جل وعلا بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، وأيضًا الشيء العظيم من جوانب أخلاقه، ومن أجل صفاته التي اتصف بها المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه. قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾. قال العلماء: في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ﴾، اللام هنا هي موطئة للقسم، وهي واقع في جواب قسم. وكأن التقدير: والله لقد جاءكم. أي هنا قسم يا الله. من الذي أقسم؟ الرب جل وعلا أقسم على ماذا؟ أقسم على بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا فيه التقرير لتأكيد لأهمية بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام. ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾. وهنا المجيء أي للعرب. وليس معنى ذلك ما يدعيه النصارى أن نبينا إنما بعث للعرب خاصة، لا يا عبد الله. بل إن نبينا بعث للناس كافة. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾. فكل الناس وكل الأديان تقع تحت دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام. فلو جاء رجل وسأل: من النبي في أمريكا؟ من النبي في أستراليا؟ من النبي في أوروبا؟ نقول: من هو محمد عليه الصلاة والسلام؟ أرسل لهؤلاء جميعًا. وصحيح أن مبعثه كان في جزيرة العرب، إلا أن دعوته تشمل الجميع. ولهذا ما من يهودي أو نصراني يسمع بنبينا عليه الصلاة والسلام ثم لا يؤمن به إلا كان من أهل النار، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم. فبعثة نبينا ملزمة لجميع البشر، من الجن والإنس، والشرق والغرب، من اليهود والنصارى والمجوس، وكل الملل والأديان، ينبغي أن تخضع لدعوته عليه الصلاة والسلام. هو بنفسه، وهكذا القرآن، لأنذركم به ومن بلغ. فنبينا والقرآن الذي أتى به حج للناس، وملزم لكافة الخلق. قال جل في علاه: ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾. قرأ بعضهم "أنفسكم" بضم الفاء، وفي قراءة بفتحها. والفرق بين الضم وبين الفتح يختلف المعنى. فعلى قراءة الضم: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، هنا تعني: من جنسكم. أي من جنسكم، معناها أن الله جل وعلا بعث للناس نبيًا رسولًا، وهو من جنسهم، من خلقتهم، بشر مثلهم، يمشي معهم، يذهب ويجيء، يتكلم بلسانهم، من عشائرهم، من لحمهم ودمهم. فهو ليس ملكًا بحيث يكون يستصعب الوصول إليه، بل هو ممن يمشي بينهم، ويأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون. فهذا معنى "من أنفسكم". وفي "من أنفسكم" بالفتح: من النفاسة، وهو كريم النسب. معناها كريم النسب، من أنفسكم، أي أن نبينا بُعث من أشرف القبائل، من أشرفها. فهو عالي المقام في شرفه وفي نسبه عليه الصلاة والسلام. فهو خيار ابن خيار ابن خيار عليه الصلاة والسلام. قال جل في علاه: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾. معنى "عزيز عليه": أي أنه يعز عليه، يعز عليه الذي يُعنتكم. وما معنى "ما عنتم"؟ "عنتم" هي المشقة. أي الذي يكون فيه مشقة عليكم. فإن نبينا عليه الصلاة والسلام من أول من يتحمل الشفقة عليكم. عليه الصلاة والسلام. فقال ربنا: "عزيز عليه" أي عز عليه الذي يشق عليكم. وهذا واضح في سيرة عليه الصلاة والسلام. ما بعثه ربنا جل وعلا إلا بالحنيفية السمحة، بالحنيفية السمحة التي فيها رفع الأصرار، ورفع الأغلال عن هذه الأمة المحمدية عليه الصلاة والسلام. فلهذا ينبغي إخواني في الله، من أراد أن يتصف بالصفات العظيمة، فعليه أن يقتدي بالصفات التي امتثلها نبينا عليه الصلاة والسلام. فليكن هذا حالك عبد الله، أنه يشق عليك أينما وجدت المشقة على الأمة. وجدت المشقة، ظهر العنت عليك، أنك يظهر هذا فيك. ثم قال: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾. حريص عليكم، كذلك كان نبي يحرص. يحرص بأي حرص، كل ما كان فيه منفعة دينية، منفعة دنيوية، فكان نبي يحرص على بذلها لهذه الأمة. ما كان يبخل عليه الصلاة والسلام بأي شيء. مثل نبينا بمثال عظيم، يبين مدى حرصه على أمته، كما جاء في الصحيح. مثل نبينا حال الأمة بحال رجل أوقد نارًا، فأصبحت الفراش والجنادب يقعن فيها. وهذه عادة عند الفراش والحشرات أنها تهرع إلى النار، تظن أن هذا فيها المخرج. فتهرع. فقال نبينا: "وأنا آخذ بحجزكم عن النار". أين الحجز؟ هذا موضوع الوسط، وهو أقوى شيء في الإنسان. وما أحد يتشبث بأحد لقوة التمسك إلا من هذا الموضع. موضع الإزار يتشبث. نبينا بالأمة حينما يرى دخولهم في الهلكة، دخولهم في الفتنة. قالوا: "أنا آخذ بحجزكم من النار، وأنتم تتفلتون مني". هذا لا لعبد الله على حرص النبي على نفع الأمة. وهكذا يا عبد الله، فليكن أحوالنا أنك تحرص، تحرص على أنك تنفع الأمة، وخاصة عند المصائب، عند المدلهمات، عند الطوام. وهكذا كان شأن نبينا عليه الصلاة والسلام، هو حريص على الأمة. لكن إذا وقع ما فيه المآسي والأمر العظيم، كان يستنفر الجميع. صلوات ربي والسلام عليه. وقد تكلمنا في دروس ماضية خلت، أو تذكرون ما يتعلق بالتكافل الذي كان نبينا يفعله. فكان إذا وقعت المآسي على أصحابه، فكان يستنفر الصغير والكبير، ويستنفر القاصي والداني، والبعيد إلى ضرورة البذل والعطاء. لماذا؟ لمساعدة أهل الإسلام. فنبينا من صفة يا عبد الله، أنه حريص عليكم، حريص على الأمة بما ينفعها. والعجب يا عبد الله، العجب كل العجب، أن نرى مثل هذه المآسي التي ابتليت بها الأمة في بلادنا، وفي خارج بلادنا، في العالم العربي والإسلامي. وحمامات الدماء التي تسفك هنا وهنا، هناك على يد أهل الكفار المعتدين الغاصبين الحاقدين. إما من الكفار الخلص، أو ممن يدعي الإسلام من الفرق الباطنية كالروافض، الذين يذبحون في أهل الإسلام. بعد هذه المذابح، تجد أن أناسًا من أمة محمد من لا يعير لهذا اهتمامًا. أحدهم لربما هم في يومه وليلته أن يحافظ على تسريحة شعره، وأحدهم يتابع ذاك المسلسل، وذاك البرنامج، أو أنه يذهب إلى مباراة. لا يفكر بدين الله، ولا بأمة محمد. هلكت، ذهبت، زالت، اندست، اندثرت. ما بال به؟ لا يا عبد الله. ما كان هذا نبيك عليه الصلاة والسلام. كن على خلقه، أنك تحرص، تحرص على هذه الأمة بما تستطيع. إن كنت بنفسك، إن كنت بيجاهك، ولو أقل يا عبد الله. وإن كنت حتى بالدعاء، تدعو للمستضعفين من المسلمين، أن الله جل وعلا يفرج عنهم، ويجعل لهم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا. ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. نعم عباد الله، من أعظم صفات نبينا أنه نبي الرحمة. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. من أرحم الناس بعباد الله عليه الصلاة والسلام. فهكذا يا عبد الله، فلنكن رحماء. إياك والظلم، إياك والقسوة، إياك والشدة، إياك يا عبد الله والتصلط على أهل الإسلام بالجبروت والغطرسة. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «من خرج على أمتي، يضرب برها وفاجرها، وليتحاش من مؤمنها، فليس مني، وليس مني، براءة مني منه». فكن رحيمًا يا عبد الله بأمة محمد عليه الصلاة والسلام، بمسلمين عمومًا، وخاصة من كان من تحت يدك من أهلك وزوجك وقرابتك وأصحابك. فإن الله جل وعلا يرحم من عباده الرحمة. وخاصة طالب العلم، يا عبد الله، كن من أرحم الناس، كن أسوة بنبيك. فلتكن هذه الصفة هي الغالبة عليك، الرحمة. وقد كان من شأن سلفنا الصالح من أهل العلم، أن الطالب إذا أراد أن يأخذ الحديث من فم الشيخ، فكان الشيخ أول ما يحدث الطالب بهذا الحديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن». حتى سمي هذا الحديث عند أهل المصطلح بحديث "الأولوية". لماذا سمي بذلك؟ لأن هذا أول حديث كان الشيخ يمليه للطالب. ما القصد من ذلك؟ أراد أن يربي هذا الطالب على ضرورة الرحمة. رحمة في طالبك للعلم، رحمة في بثك للعلم، رحمة كذلك في دعوتك للناس. «الراحمون يرحم الرحمن». فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.