الدرس في شرح الأصول الثلاثة 23، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المقطع الأول بشرح معنى الشهادتين وأهميتهما في الإسلام، مشيرًا إلى ارتباطهما بالإخلاص والاتباع. يُبين أهمية العمل بشروطهما ولوازمهما.
يتناول المقطع الثاني مخاطبة الكفار بفروع الشريعة وعقابهم عليها، مستدلًا بآيات قرآنية على وجوب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ومعنى الحنيف.
يُوضح المقطع الثالث أهمية الصلاة والزكاة في الإسلام، حيث تُعد الصلاة من أعظم العبادات البدنية والزكاة من أعظم العبادات المالية، ويقرن القرآن بينهما.
يختتم المقطع الرابع بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويشير إلى صلاة الله على النبي محمد وآله وصحبه، معربًا عن الرغبة في نيل رضا الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، كان الكلام، إخواني في الله، فيما مضى حول الكلام عن شهادة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستدلال المؤلف بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، وذكرنا أن معنى هذه الشهادة طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يعبد الله بما شرع، لا بالأهواء والبدع، وذكرنا مرادفات هذا التعريف. ومما ينبه عليه، إخواني في الله، كذلك فيما يتعلق بأمر الشهادتين، الشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما ينبه على هذه الكلمة العظيمة أنهما يحسبان على أنهما ركنًا واحدًا، ولهذا ترون في حديث ابن عمر: "بني الإسلام على خمس"، فإذا أراد أن يحسب يجعل شهادة أن لا إله إلا الله واحدًا، وأن محمدًا رسول الله ثانيًا، فيضطرب عليه العدد. لا، بل شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله يعتبران ركنًا واحدًا؛ لأن الدين لا يقوم إلا عليهما. وأيضًا مما يذكره العلماء في مقتضى هذه الشهادة، وهي من النكتة اللطيفة، يقولون: إن في الشطر الأول من الكلمة "لا إله إلا الله" فيها اقتضاء الإخلاص؛ لأن "لا إله إلا الله" تستلزم منك أنك تخلص جميع العبادات لله جل وعلا، ففيها الإخلاص. وفي الشطر الثاني "أن محمدًا رسول الله" فيها الاتباع لنبينا عليه الصلاة والسلام في كل ما جاء به من دين، إذن ففي الشهادة التنبيه على أهم ركني العبادة، ألا وهما الإخلاص والاتباع. شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فيها التنبيه على ركني صحة العبادة، ألا وهما الإخلاص والاتباع. وأيضًا مما يذكر في أمر الشهادة، وفي أهميتها أمر مهم، إخواني في الله، وهو أنك يا عبد الله لا تظن أن أقصى ما يطلب منك في أمر الشهادة أن تنطق بها، لا، ليس هذا أقصى ما يراد منك، بل ما يكون منك من نطقك بها هذا أول مسائل، هناك ما هو أعظم من النطق بها، وهو العمل بأركانها، العمل بشروطها، العمل بلوازمها. الشهادة أن لا إله إلا الله لها أركان، لها لوازم، لها شروط، لها مقتضيات أنت ملزم بها، وهكذا شهادة أن محمدًا رسول الله لها كذلك ثمرة أنت ينبغي أن تحرص على تحصيلها. وهذا الذي جاء في التعريف: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يعبد الله بما شرع، يزداد على ذلك ما يتعلق بتعظيمه، بتوقيره، بإجلاله، إلى غير ذلك من حقوق النبي على أمته. إذن هناك أشياء حقوق، وهناك مقتضيات، وهناك لوازم أنت ملزم بها. والعجب أن كثيرًا من الناس من أمة الإسلام يظن الواحد منهم أنه إذا تلفظ بهذه الكلمة فإنه قد حاز الدنيا وما فيها، لا، يا عبد الله، الأمر ليس بهذه السهولة، بل هناك مقتضيات. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "قال من اعتقد أنه بمجرد لفظه بالشهادتين يدخل الجنة ولا يدخل النار فهو ضال، فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة". قال: "من اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادتين -هذا المعمول عندنا عند كثير من عامة الناس، وخاصة من أهل أهواء- أنهم يرون إذا أن الواحد منهم استطاع أن ينطق بهذه الكلمة أتى بشهادتين، قال اعتقد أنه يدخل الجنة ولا يدخل النار، فقال إنه ضال، قال فإنه ضال، هذا هو الضلال المبين، قال: إنه مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة". فهذا هو الضلال، يا عبد الله، فها تجد كثير من الناس من أهل الإرجاء، ومن كان فيهم هذه اللوثة، أو من ركن على هذه الكلمة، فتراه لا يعمل الأعمال الصالحة، ولا يأتي بلوازمها، بل الأعظم من ذلك أن من الناس من يتلفظ بها ويأتي بنواقضها، يأتي بالشهادة ويأتي بما يناقضها، ويرى أنه لا زال على الجادة، وما درى أنه قد خرج من الدين وخرج من الملة، دخل إلى الدين في باب وخرج من باب آخر، وهذا هو الضلال المبين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾"، هذه الآية ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى ليستدل بها على هذه الأركان الثلاث: أركان الإسلام، والتوحيد، وعلى وجوب الصلاة، وعلى وجوب الزكاة. في قوله تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ هذا التوحيد، ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذا الصلاة، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ هذا الأمر في أمر الزكاة. قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ الخطاب لمن؟ الخطاب هنا للكفار ولأهل الشرك؛ الكافر والمشرك؛ لأن سياق الآية السابق واللاحق يدل على أن الخطاب لأهل الكفر، يخاطب ربنا الكفار بماذا؟ قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، إذن هذه أوامر، أمر ربنا جل وعلا بها الكفار، هم ملزمون بتأدية هذه الطاعات، مأمورون بالتوحيد، وأيضًا مأمورون بالصلاة والزكاة. وعلى هذا وعلى القول الصحيح من أقوال أهل العلم: على أن الكافر وعلى أن المشرك مطالب بتأدية العبادات، مطالب بالصلاة، مطالب بالزكاة، وأنه يعاقب على ذلك، يعاقب على ذلك؛ يعني يقام مثل كافر، يقال: أنت يا كافر، مع أنك مطالب بالتوحيد بالدرجة الأولى، إلا أنك أيضًا مطالب بالصلاة، مطالب بالزكاة، مطالب بشعائر الدين، وأنك لإعراضك عن هذا كله فإنك ستحاسب على كل أمر، عقاب خاص به: عقاب على التوحيد، عقاب على ترك الصلاة، عقاب على ترك الزكاة، يعاقب على كل فعل هو مأمور به لم يفعله، ولو كان كافرًا، فإنه مخاطب على قول صحيح بفروع الشريعة، مخاطب بفروع الشريعة. وهذه مسألة قد تكلمنا فيها في دروس قديمة، وبينا الأدلة العقلية والنقلية الدالة على أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، وأنه يعاقب عليها. ومن أدلة العقلية قالوا: كيف يكون المؤمن أن الله جل وعلا يأمر المؤمن ويأمر المسلم، وهو الطائع لدين الله، والذي خضع لدين الإسلام، يأمره ربنا جل وعلا بالأوامر، ثم لا يعملها فإنه يستحق العقوبة، يستحق العقوبة. قال: هذا إذا كان في حق مؤمن، طيب كيف في حق كافر؟ كافر تأتيه الأوامر من ربنا جل وعلا فيعرض عنها، فلا يعاقب؟ لا، هو أولى بالعقاب، يعني واضح المسألة، هذا الدليل العقلي يسميه العلماء، زيادة على الدليل الشرعي. يقول العلماء: هذا كافر، وهذا مؤمن، المؤمن دخل في الإسلام حبًا في الدين وحبًا في الملة والشريعة، لكنه ترك بعض الواجبات أمر بها، ترك بعض الواجبات، بترك هذه الواجبات فإنه يستحق العقوبة، يستحق العقوبة. نأتي إلى كافر، هذا الكافر ما دخل في دين الله، معرض، مستكبر، استكبر عن دين الله، استكبر عن توحيد الله، ما دخل في دين الله، ومع ذلك يترك الواجبات التالية، فهل هذا الكافر الذي أعرض عن ربه لا يعاقب على تركه لهذه المأمورات؟ قال: لا، بل هو عقابه أعظم من هذا، عذابه أعظم. إذا كان المؤمن الطائع معرض لعقوبة الله لترك الأوامر، فإن الكافر المعرض عن دين الله فهو أولى بالعقاب على تركه للمأمورات. وهذا قول قوي ووجيه، ويدلل صحة هذا الترجيح على أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، وإنه يعاقب عليها. وهذه الآية من هذه الأدلة؛ فإن الله أمر الكفار بالتوحيد، وأمرهم بالصلاة، وأمرهم بالزكاة. وهكذا قصة عبد الله سأل الأديان والشرائع، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وهذا هو التوحيد، حقيقة التوحيد إخلاص الدين لله، قل: إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له ديني، مخلصًا له الدين، فإخلاص الدين لله جل وعلا هو هذا التوحيد العظيم الذي أمر الله جل وعلا به. والكفار في جميع الأديان في جميع الملل قد أمروا بالتوحيد، ما من نبي بعثه ربنا جل وعلا من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إلى خاتم الأنبياء إلى محمد عليه الصلاة والسلام، ما من نبي وما من رسول أرسل إلى قومه إلا طرق أول ما يطلق على مسامعهم: "يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره"، هذه دعوة قد اتفق عليها، فالكل على وجوب إخلاص العبادات لله. حتى نقل فيما نقل عن ابن عباس رضي الله عنه موقوفًا عليه، قال: "كان في التوراة والإنجيل أن يوحدوا الله"، كانوا في التوراة والإنجيل أي أمروا في التوراة والإنجيل أن يوحدوا الله، لكن أيدي التحريف نالت تلكم الآيات والأحكام فحرفت وصحفت. فالإخلاص، إخواني في الله، مطلوب من جميع الأديان والملل، وهو تعظيم أمر الله سبحانه وتعالى، قال: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، حنفاء جمع حنيف، والحنيف من الحنف، والحنف بمعنى الميل، فالحنيف والحنفاء الحنيف هو المائل عن ملل الكفر إلى دين الإسلام، هذه الملة، الملة الحنيفية، الملة الحنيفية هي الملة المائلة عن الأديان والملل إلى دين الإسلام. فالحنيف يقال: رجل حنيف، الحنيف هو الرجل المائل مائل عن الأديان والملل إلى دين الإسلام، هذا هو الحنيف. ومن كان على هذه الصفة فهذا هو الموحد لله جل وعلا. فربنا جل وعلا أمرنا أن نكون من الحنفاء، مع الحنفاء؛ أي أن نميل عن سائر الأديان والملل، ونُقبل على الله جل وعلا. كما قال ابن القيم: "الحنيف هو المُعرض هو المُقبل على الله، المُعرض عما سواه". قال ابن القيم في تعريف الحنيف: "أظنه في المدارج أو نحو ذلك"، قال: "الحنيف هو المُقبل على الله، المُعرض عما سواه". قال: "ويُقيم الصلاة ويُؤتِي الزكاة"، كذلك هذا الدليل استدل به المؤلف رحمه الله تعالى على أن إقامة الصلاة من الواجبات. ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، لكن قد يقول قائل: يقول: أين الدلالة على الوجوب عنده هنا؟ ﴿يُقِيمُوا﴾ فعل مضارع، فمن أين استفدنا أن الصلاة هنا واجبة؟ يقول العلماء: بالسياق، الآية ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا﴾، ﴿لِيَعْبُدُوا﴾ هي أصلها ﴿يَعْبُدُونَ﴾، فدخل عليها ماذا؟ "لا" من الأمر، فجُزِمَ الفعل: ﴿لِيَعْبُدُوا﴾، ﴿لِيَعْبُدُوا﴾ فعل مضارع مجزوم بحذف النون؛ لدخول لام الأمر عليها. وهكذا ﴿وَيُقِيمُوا﴾، فإن ﴿يُقِيمُوا﴾ هنا هي أصلها ﴿يُقِيمُونَ﴾، لكن دخلت عليها لام الأمر، فأصبحت ﴿لِيُقِيمُوا﴾، لام الأمر، فهنا فعل مضارع مجزوم بحذف النون؛ لدخول لام الأمر، أين لام الأمر في ﴿يُقِيمُوا﴾؟ لام الأمر على الصحيح أنها دخلت في الأول، فما دخل في العامل الأول دخل في ﴿يُقِيمَه﴾، هو نفس العامل الذي دخل على ﴿يُقِيمَه﴾، ودخل على ﴿يُؤْتُوا﴾، فعال قول الصحيح. فإنه ﴿يُقِيمُ﴾ في المضارع مجزوم بحذف النون؛ لدخول لام الأمر، وذلك في العامل الأول. قال: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، الصلاة يا إخواني في اللام العبادات العظيمة، من أعظم الواجبات التي أمر الله جل وعلا بها بعد التوحيد. ويدلك على ذلك عدة أمور، الأمر الأول: كثرت الآيات الآمرة بالصلاة، بذكر فضائلها، بذكر مناقبها، بذكر كرامة أهلها، بتوعد الله جل وعلا على من تركها، فهذا التكرار لأمر الصلاة دلالة على أهمية الصلاة. ومما يستدل بها كذلك على أهمية الصلاة عن سائر العبادات: أن الصلاة هي العبادة التي أمر ربنا جل وعلا بها، وأوحاها إلى نبينا مباشرة، كما يقول العلماء: "أمر الصلاة وأمر العبادات وشعائر الدين ينزل ربنا فيها وحيًا من السماء من السماء إلى نبينا في الأرض". لكن في أمر الصلاة ما فرضت على نبينا إلا لما عرج نبينا إلى ربه في إسراء المعراج، فرضت الصلوات الخمس المعهودة المعروفة، وذلك عند الإعراج، فقال العلماء: "فكان الأمر بها بغير واسطة"، لعظمة الصلاة. مما يؤدلك على عظمة الصلاة، يا عبد الله، على أن الصلاة هي العبادة التي لا تسقط بأي حال من الأحوال، بخلاف سائر الأركان والعبادات، الصيام إن كنت مريضًا فسقط الصيام عليك، أو رجل كذلك، ما يتعلق بالحج إن لم يكن عنده استطاعة يسقط، رجل ما عنده مال تسقط الزكاة، إلا الصلاة، فكيف كنت على أي حال فإن الصلاة تجب في ذمتك. بما أن النفس تضطرب فإن الصلاة تجب فيك حتى في حال الخوف، في حال الخوف العدو أمامك، لربما مع المسايفة تقاتل عدوًا بالمسايفة وأنت ماذا تصلي؟ بل حتى قالوا: حتى لو كنت مريضًا في أي صورة من صور المرض فإن الصلاة تجب في حقك في أي صورة، صلي قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب، قالها نبينا للبراء رضي الله تعالى عنه. فدل ذلك على أهمية الصلاة، وأنها لا تنفك، أعظم من ذلك كأن جماعة من العلماء حكموا على تارك الصلاة بالكفر، وأنه كافر، وأنه كافر ليس باستحلال أو جحود، لا، حتى الترك الفعلي، يرى العلماء جماعة من أهل العلم، ومنهم من دعا لجماعة على هذه المسألة أن تارك الصلاة يكفر. ابن حزم رحمه الله تعالى في "المحلى" ذكر أن من ترك فرضا واحدًا متعمدًا حتى يخرج وقته فقد كفر، من ترك فرضا واحدًا، ليس عدة فروض، وليس عدة أيام وليالي أو فترة من الزمن، فرض واحد، دخل وقت الظهر الآن علينا، صلينا الظهر، سينتهي وقت الظهر في الساعة الثالثة إلا ربع تقريبًا مع دخول العصر، فمن ترك صلاة الظهر في هذه الساعات، ترك صلاة الظهر وهو متعمد، متعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها، قال ابن حزم: "فهذا كافر". بل أيد هذا المذهب عن نقل عن جمع من الصحابة، نقل عن أبي هريرة، وعن ابن عباس، عن جمع من الصحابة، وقالوا بهذا القول، بل وعلى هذا فتوى بعض المعاصرين، سماحة شيخنا بن باز رحمه الله تعالى، يقول بهذا: "أنه من ترك فرضا واحدًا متعمدًا حتى يخرج وقته فقد كفر". فالأمر ليس بهذه البساطة، يا عبد الله، للأسف نجد كثيرًا من الناس من يتهاون في أمر الصلاة، الصلاة والصلاة، بل بعض الناس ربما تمر عليه أيام وليالي منحرفًا لله ما سجد لله قط، فهذا، إخواني في الله، على شفا جرف هار. وخطابنا في هذه المسألة متعلق بأصل الصلاة، فلا يلتبس الأمر بصلاة الجماعة، صلاة الجماعة أمرها آخر، أمر حكمه آخر، لا يتعلق بما نحن بصدده، نحن بصدد فرضية الصلاة، من كونها الصلاة تصليها عبد الله لله عز وجل. وعلى قول جماعة من العلماء: أن من تركها فقد كفر، وذهب البعض إلى أنه فاسق، إلى أنه عاصي، إلى أنه مجرم. ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، الزكاة هي إخراج مال مخصوص لطائفة مخصوصة، بشارة مخصوصة، وتعتبر الزكاة من العبادات المهمة. وكم يلاحظ المسلم متى ما أقبل على القرآن كيف أن الله جل وعلا يقرن بين الصلاة وبين الزكاة بكثرة، قال علماء: "وجه الجمع أن الصلاة تعتبر من أعظم العبادات البدنية، وأن الزكاة تعتبر من أعظم العبادات المالية"، فالمسلم يحتاج إلى هذا، ويحتاج إلى ذلك. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، هذا إشارة إلى ماذا؟ إشارة إلى هذه الأمور الثلاث: التوحيد، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، هذا المشار إليه، قال جل وعلا: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، القيمة أي المستقيمة، المستقيمة. وقال أهل التفسير: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، القيمة صفة، صفة لماذا؟ قال: صفة لموصوف محذوف، تقديره: وذلك دين الملة القيمة، ذلك دين الملة القيمة، فالملة هي الملة المستقيمة. وكثير ما يصف ربنا جل وعلا هذا الطريق بالاستقامة، وأن هذا صراط مستقيمة، فاتبعوه ولا تتبعوا السبل. فهذا، إخواني في الله، ما أراد به المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين على وجوب الصلاة، وقبل هذا على وجوب التوحيد، ومن ثم الصلاة، ومن ثم الزكاة، وأن ذلك من أركان الدين. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.