شرح الأصول الثلاثة 22

شرح الأصول الثلاثة 22

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 22، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

معنى شهادة أن محمدا رسول الله ووجوب طاعته

المقطع الأول يشرح معنى شهادة أن محمدا رسول الله ويبين أهمية طاعة الرسول وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه. كما يشدد على فهم مراتب السنة النبوية والالتزام بطاعة الرسول.

وجوب تصديق الرسول فيما أخبر به

أكد إمام أحمد على أهمية طاعة الرسول وتصديقه فيما أخبر، مشيرا إلى ورود طاعة الرسول في القرآن في ثلاث وثلاثين موضعا. يجب على المسلمين تصديق نبينا في الأخبار التي أتى بها.

اتباع السنة واجتناب المنهيات

يجب على المسلم اتباع السنة النبوية واجتناب المنهيات التي نهى عنها النبي، وعدم الاكتفاء بالقرآن دون السنة، واتباع هدي النبي في العبادات والمعاملات. من يعتقد أنه يمكنه الهداية بغير هدي النبي فهو على ضلال.

ختام الخطبة والدعاء

المقطع الأخير يمثل ختام الخطبة حيث يذكر الداعي إلى الله تعالى توديعًا للمحتوى السابق ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يُظهر الاعتراف بعلم الله تعالى وأفضليته.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله في شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الدليل على هذه الشهادة، ما جاء في قول ربنا جل وعلى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف الرحيم﴾، وذكرنا ما يتعلق بالمعنى الإجمالي لهذه الآية، والتي فيها الإيضاح لأهم الصفات التي تحلى بها نبينا صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. هذه مساهمة من المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر معنى هذه الشهادة العظيمة. ولابد إخواني في الله أن المؤمن يتعرف إلى هذه الشهادة وإلى معانيها، وإلا كيف تعتنق كلمة يا عبد الله وأنت لا تعلم وأداها؟ هذا لا يمكن. ولهذا أمر ربنا جل وعلى بتعلم وتفقه في كلمة التوحيد، قال جل في علاه: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾. وهكذا شهادة أن محمدا رسول الله ينبغي أن نعلم ما معناها وما مؤداها. المؤلف رحمه الله تعالى كما قلنا ساهم وأعان في معرفة حقيقة هذه الكلمة. والعلماء في تعريفهم لكلمة "محمد رسول الله" صلى الله عليه وسلم، بل في غيرها من المصطلحات، هم يختلفون في التعاريف. فمن أهل العلم من إذا أراد أن يعرف شيئا عرفه عن طريق ذكر الماهية والكيفية، ومنهم من يعرف الشيء بذكر الثمرة والحكم، ومنهم من يعرف الشيء بالمثال. وهذه أشياء مبثوثة مذكورة في كتب العلماء، وبعضهم يفضل الشيء على الآخر للفائدة الذهنية. والمؤلف رحمه الله تعالى هنا أتى بتعريف "محمد رسول الله" من حيث الثمرة، لا من حيث الماهية، فقال رحمه الله تعالى: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر. وهذه من أعظم أركان معنى "محمد رسول الله" صلى الله عليه وسلم. ولهذا نجد أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كثير من كتبه، في التدمرية، في درء التعارض بين العقل والنقل، وغيرها، يذكر هذه الأصول أن أركان "محمد رسول الله" طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر. فقوله المؤلف رحمه الله تعالى: طاعته فيما أمر، أي أنك ينبغي أن تخضع لأوامر نبيك عليه الصلاة والسلام. ينبغي أن تخضع. ولا يدل على عظم هذا المقام على مقام الطاعة أن تعلم يا عبد الله أن الله جل وعلا في آيات كثيرة قرن طاعته مع طاعة نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون﴾، ﴿وما أطاع الرسول فقد أطاع الله﴾. وهذه الحقيقة التي ينبغي أن نفهم، عباد الله، أن طاعة الرسول هي في الحقيقة من طاعة الله جل وعلا. وينبغي للناس جميعا أن يزيلوا ذاك الاعتقاد الخاطئ في باب الطاعة للرسول عليه الصلاة والسلام، حيث أن الكثير من المسلمين يرى أن ما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام هو من حيز السنة، التي مفادها عندهم أن من فعلها يؤجر، ومن تركها فلا حرج. فإذا جئت لأحد من الناس، قلت: يا عبد الله، أما سمعت بقول نبيك عليه الصلاة والسلام كذا وكذا، آمرا بذلك؟ يقول: نعم، علمت بهذا، لكنها سنة. عجيب! فأتقول يا أخي: ألم تسمع أنه قد أوجب عليك فعل كذا وكذا؟ يقول: نعم، قد علمت، لكنها سنة. فيرد عليك بكل برودة وبكل السذاجة بأنها سنة. ومعنى سنة عنده أن إن فعلها يؤجر، وإن تركها فلا حرج. وهذا خطأ، لا يا عبد الله. السنة ليست على مرتبة واحدة. السنة تختلف لها رتب. فهناك هذا الذي تقوله يصدق عليه ما يسمى بالسنة المستحبة، وهناك السنة المؤكدة، وهناك السنة الواجبة. فعندي ثلاث أنواع وثلاث مراتب من السنة: مستحبة، ومؤكدة، وواجبة. الواجبة إن تركتها يا عبد الله فإنك تؤثم. ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. فينبغي إخواني في الله أن يستشعر المسلم أنه ملزم بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول الفضل بن زياد رحمه الله تعالى: قال إمام أحمد: نظرت في المصحف، فوجدت أن طاعة الرسول في القرآن جاءت في ثلاث وثلاثين موطنا. نظرت في المصحف، فوجدت أن طاعة الرسول جاءت في القرآن في ثلاث وثلاثين موضعا. وما هذا التكرار إخواني في الله إلا من باب الأهمية بوجوب طاعة نبينا عليه الصلاة والسلام. فقال رحمه الله تعالى: طاعته فيما أمر. ثم قال: وتصديقه فيما أخبر. كذلك الصدق في الأخبار. نبينا عليه الصلاة والسلام أتى بأحكام، وأحكامه حقها أن تفعل، وهي من باب الطاعة. وأتى أيضا بأخبار، أخبر عليه الصلاة والسلام بأمور عديدة، بأمور عدة، أخبر بأشياء قد مضت، أشياء سبقت عن قرون قد تعاقدت وتعاهدت من لدن آدم عليه السلام، ومرورا بتلك الأمم السحيقة البعيدة، أخبر عنها نبينا بأخبار عديدة. فهذا ما محلها؟ محلها الصدق. إذا ثبتت نصدق بها، لا نتشكك، لا نتردد، لا نتريب فيها. أخبر عليه الصلاة والسلام بما سيأتي في المستقبل من علامات الساعة، من أمور ستقع على الأمة، أحوال غريبة، أحوال جديدة، ما يتعلق بالفتوحات، ما يتعلق بالغزوات، ما يتعلق بالانتصارات، ما يتعلق بالبشارات، كثير من أشياء أخبر عنها نبينا، وهي لم تقع. ما مجالها عندنا؟ ما لها إلا الصدق. نصدق بأخبار نبينا عليه الصلاة والسلام. أخبر بأمور الغيب مما يتعلق بما في الجنة والنار، وما سيأتي في قيام الساعة، وما يتعلق في عذاب القبر، وما يتعلق بالبرزخ من منكر ونكير، وما يتعلق بتوسعة القبور على أهلها، وبالتضييق على الأشقياء منهم، وما يتعلق بفتنة القبر، بنعيم القبر، بعذاب القبر، بجنة عرضها السماوات، وما فيها من حور وقصور ودور، أشياء أخبر عنها نبينا، وهي لم ترى. هذا محلها عندنا كذلك الصدق. نصدق نبينا عليه الصلاة والسلام بكل ما أخبر به، لا نتردد قيد أنملة. بل هذا الإيمان منك يا عبد الله يعتبر من أعظم صفات أهل الإيمان: ﴿ألف لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب﴾. أو صفة من صفات أهل الإيمان، ومن صفات المتقين، أنهم أذعنوا للغيب فصدقوا. فلا نتردد، وخاصة نحن في هذه الحملة التي يبثها الملاحدة والفلاسفة، ومن كان من الدعاة اللادينية، ممن يشككون ويطعنون في السنة، ويدخلون من هذا المدخل، يدخلون من السنة، تكلموا في أشياء ليس لها تعلق بالدين، أشياء متعلقة بالطب، أشياء متعلقة بالابتكارات، أشياء متعلقة بالمستقبل. هذا ما ينبغي أن نأخذ به، وإنما نتردد، وإنما ترد، وإنما تحال إلى العقل. لا يا عبد الله، فلا تتعامل مع السنة بهذه المعاملة، وإنما نصدق بخبر نبينا عليه الصلاة والسلام. جاء رجل إلى نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، قال: يا رسول الله، إن أخي يشكو بطنه، أو يشكي بطنه. فقال له نبينا: اسقه عسل. فذهب الرجل، فسقاه عسل، إلا أنه ازداد، ورجع، قال: يا رسول الله، إني سقيته عسلا، فما زاد إلا استطلاقا. فقال له نبينا عليه الصلاة والسلام: اذهب، واسقه عسل. فسقاه، فما كان من الرجل إلا أن زاد أي وجعا في بطنه. فرجع الرجل، قال: يا رسول الله، إني سقيته عسلا، فما زاد إلا استطلاقا. قال عليه الصلاة والسلام: "صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلا". فسقاه عسلا فبرئ. فينبغي إخواني في الله أن نصدق بكل ما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام. عجبا إخواني في الله من هؤلاء العقلانيين أن يصدق بأمور غيبية في هذا الأزمان، يصدق بما يسمى بالصحون الطائرة، يصدق بما يسمى بالفضائيين، أناس في كوكب آخر، يصدق بما يسمى بالرجل البدائي، يصدق بما يسمى بالديناصورات، وما لها أشياء واقعية. نقول: ما فيها أشياء واقعية. هل لا نكذب؟ لكن ما عندنا أشياء تثبت ذلك. لكن نجد أن أهل العقلانيين أنهم يستميتون على اعتقادها. معنا من أين جاءت؟ من أين جاءت هذه الأشياء الغريبة المستحدثة؟ جاءت من قبل كفار. ومن أين توصلوا إليها؟ أذهانهم، تخرصاتهم، اختراعاتهم. فهل هؤلاء لا يا عبد الله، وبما أتوا به من أشياء غريبة مستحدثة، تصدقهم وتوقن بأخبارهم أعظم من إيقانك بخبر نبيك عليه الصلاة والسلام، الذي يأتيه خبر السماء؟ لا يا عبد الله. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: "اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما يخرج منه -وأشار إلى فمه- ما يخرج منه إلا حقا". فمن تمام التصديق برسالة نبينا عليه الصلاة والسلام تصديقهم فيما أخبر. ثم قال: واجتناب ما نهى عنه وزجر. كذلك ما نهى عنه نبينا صلواته ربي والسلام عليه تنتهي عنه، تبتعد عنه، تنزجر عنه. جاءت السنة بمحاذير عظيمة، بمحاذير كثيرة، سوى ما كان في الأطعمة، ما كان في الألبسة، ما كان في المأكل، ما كان في المشرب. فما جاءت به السنة من المنهيات ومن الحرمات والمحرمات، فينبغي يا عبد الله أن تجتنبها، وإلا فإن لم تفعل ذلك، فتجاسرت على ترك الطاعة، فإنك معرض لعقوبة الله جل وعلا: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. وكم جاءت السنة وجاءت الأخبار والآثار عن أناس عاندوا السنة، عاندوا أخبار النبي عليه الصلاة والسلام، فعلوا المنهيات، فعلوا المحظورات، فما كان من أمرهم إلا أن أنزل الله جل وعلا عقوبة الدنيا قبل عقوبة الآخرة. فاحذر يا عبد الله، إياك أن تتجاسر على المنهيات التي جاء بها نبينا عليه الصلاة والسلام. أما إذا كان الرجل بلغ من الشقاوة أن ظن أنه لا يلتزم بشريعة النبي، فهذا كافر. إذا كان الرجل يقول: لا سلطان للسنة عليه، أن أفعل ما شاء، وكيف شاء، لا. قال ربنا: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾. إن كنت ترى أن لا للسنة سلطان عليك، وأنك لست ملزما بالدخول في السنة، فأنت لست من عداد أهل الإسلام. فإن من تمام شهادة أن محمدا رسول الله أنك يا عبد الله تجتنب كل ما نهى عنه نبيك صلواته ربي وسلامه عليه. قالوا: وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. أنزل ربنا جل وعلا الشرائع، أنزل ربنا جل وعلا الديانات والأحكام، ولكن أمر بأخذها، أن تأخذ منه عليه الصلاة والسلام، هو الباب الموصل إلى الجنة، وهو الطريق الموصل إلى الصراط المستقيم، وهو مربط الفرس في معرفة العبادة. فمن ظن أنه يستطيع أن يصل إلى الله جل وعلا مباشرة، فهذا زنديق. من ظن أنه سيصل إلى الله جل وعلا مباشرة من غير شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو الزنديق. فلا يمكن أن تؤدى العبادات من طاعات، من عبادات، من معاملات، إلا من هديه، وعلى هديه، وعلى باب عليه الصلاة والسلام. ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾. هو قدوتنا، هو إسوتنا. فما الداعي للاختراع؟ أنك تبتدع. فإذا أردت أن تصلي يا عبد الله، صلي كما صلى نبيك. إذا أردت أن تصوم، إذا أردت أن تؤدي عبادات وشعائر الإسلام، فأدها كما أداها عليه الصلاة والسلام. لا تتنطع. والأدلة كثيرة وكثير جدا، وليس يسع المقام بذكرها. كيف أن نبينا عليه الصلاة والسلام من أتى بعبادة أو شعيرة على خلاف هديه، سرعان ما أنكره وغيره عليه الصلاة والسلام، وذلك تربية للأمة على أن العبد إذا أراد أن يؤدي عبادة من العبادات، فلا يؤديها إلا كما أداها هو صلوات ربي وسلام عليه. ولهذا كان النبي في كل خطبة يقول: "وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم". وفي لفظة: "وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم". فإذا كان خير الهدي وأكمل الهدي هو هدي محمد عليه الصلاة والسلام، فما الداعي لأن تأتسي بفلان أو تأتسي بعلان؟ كما نراه من كثير من أهل البدع والأهواء. أنه إذا أراد أن يصلي صلى بصلاة مبتكرة، أتى بأفعال زيادة ونقصان. إذا أراد أن يؤذن أتى بألفاظ زائدة في المقدمة أو في المؤخرة. إذا أراد أن يقيم الصلاة كذلك أتى بمحدثات. إذا أراد أن يتوضأ أتى كذلك بمحدثات. هذا هدي من؟ إن زعمت أن هذا هدي نبيك، فلا. هذا ليس من هدي نبينا عليه الصلاة، هدي النبي معروف. إنما هذا هدي من مشائخك، هدي من أناس على خلاف سنة النبي. فلا يجوز. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "ومن اعتقد أنه سيهتدي بغير هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". أيمكن لأحد يا عبد الله أنك يمكن أن تصل إلى الله جل وعلا عن غير طريق هدي نبينا عليه الصلاة والسلام؟ فلهذا جعل علماء من الضرورة في الإذعان لهذه الكلمة العظيمة أنك تذعن بالاتباع، كما أنك أذعنت بالطاعة، تذعن بالاتباع لنبيك عليه الصلاة والسلام. فهذا إخواني في الله خلاصة هذه الركائز المهمة في معاني ومقتضى شهادة أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يعبد الله بما شرع لا بالأهواء والبدع. أقول قولي هذا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.