شرح قصيدة في عزة طالب العلم للجرجاني 10

الدرس في شرح قصيدة في عزة طالب العلم للجرجاني 10، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

آداب طلب العلم وصيانة كرامته في الميمية الجرجانية

يشرح الشيخ بيتاً من ميمية القاضي الجرجاني يصور العلم ك زند لا توقد ناره إلا بتعظيم أهله وحفظهم له، مبيناً أن خفوت ثمرته راجع لتقصير الطالب لا لعيب في العلم. يستشهد بأقوال السلف كقول الزهري في هوان العلم إن حمله العالم للمتعلم، وموقف شريك بن عبد الله مع ابن الخليفة الذي لم يؤدبه إلا حين جثى على ركبتيه تعظيماً للعلم.

التواضع وإزالة العوائق الباطنية في طلب العلم

يؤكد المقطع أن نيل العلم النافع مشروط بتطهير طريق الطلب من عوائق الكبر والحسد والعجب، وأن التواضع لله وذلة النفس هما مفتاح التوفيق والوصول. يستشهد بقول الشافعي: "لا يدرك العلم إلا بالصبر على ذلة النفس"، وموقف الإمام أحمد من تعظيم ذكر الصالحين، مبيناً أن تعظيم العلم وأهله سبب لحصول البركة والفتح فيه.

ذلة النفس وخدمة العلماء سبب للبركة والتوفيق

يؤكد الشيخ أن طالب العلم لا ينال البركة والتوفيق إلا بذلة النفس وتواضعها وخدمة العلماء، محذراً من عزة النفس والتكبر اللذين يمنعان وصول العلم إلى القلب. يشير إلى أن تعظيم العلم وأهله من أعظم أسباب الفتح والنجاح، مستشهداً بأقوال السلف وتجارب واقعية في ذلك.

الدعاء بالخاتمة ودعوة الاشتراك في القناة

يختتم المتحدث الدرس بدعاء يطلب فيه من الله أدب الطلب والإخلاص في القول والعمل، ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ثم يوجه دعوة للمشاهدين للاشتراك في القناة والاستفادة من محتواها العلمي.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في ميمية القاضي أبي الحسن الجرجاني رحمه الله تعالى في إباء العالم وعزة طالب العلم، وفيها أدب الطلب الذي ينبغي لطالب العلم أن يتحلى به لينجح فيه ويفوز ويفلح في طلبه للعلم. يقول رحمه الله تعالى: يقولون زند العلم كاب. فإنما كبى حين لم تحرس حماه وأظلم. ولو أن أهل العلم صانوه صانهم، ولو عظموه في النفوس لعظما. ولكن أهانوه فهانا، ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما. هذا البيت الأخير في هذه المنظومة، وهذه القصيدة النافعة. يقول رحمه الله: يقولون زند العلم، بعد أن ذكر حال طالب العلم في عزته وتعففه وسمو نفسه عن أن يذل العلم وطلبه. يقول رحمه الله: يقولون زند العلم كابر، والعرب تقول: كبى الزند إذا لم يورِ. والزند هو ضرب الحجارة بعضها ببعض حتى تحدث الشرر الذي يشعل به النار. فإذا ضرب نوعا من الحجارة ببعض أشعلت، فأوقد نارا وحطبا، وأوقد نيرانا يطبخ بها أو ينضج بها لحمه أو صيده أو خبزه أو حساءه أو غير ذلك. يأتي عند تلك الحجار المسمى بالأثافي؛ الأثافي عبارة عن ثلاثة أحجار توضع معا في لغة العرب، يقال له الأثافي: ثلاثة أحجار، ثم يوضع القدر بينها، ثم يوضع الحشيش أو شيء من الأعواد، ثم يأتي ويضرب الحجر بالحجر، أي حجرا آخر، حتى تظهر القبس، فتشعل النار، ثم ينضج ما ينضج من طعام. يقول رحمه الله: يقولون زند العلم كابل. معناه: أننا نجد زند العلم كلما أردنا أن نظهر ناره خبا ولم يظهر نارا، وكلما أراد أن يولع تلك النار لم تخرج الحجارة نارا ولا أشعلت نارا. هذا كناية عن عدم حصول الثمرة بالعلم. يقولون: زند العلم كابل، أي لا جمرة له عند بعض الناس، ولا نار له في قلوبهم ولا في أعمالهم تضيء لهم وتعينهم على إنجاح مطلوبهم. يقول رحمه الله: يقولون زند العلم كابل، فإنما كبى حين لم تحرس حماه وأظلم. سبب هذا الكبو الذي ترونه وخفوة أمر نار العلم ليس لأجل العلم في ذاته، ولكن الخطأ في طالب العلم، وليس في العلم. العيب ليس في أن العلم معيب، حاشا وكل، ولكن العيب في طالب العلم. هذه استعارة لطيفة في بيان من يطلب العلم ولا يجد الفائدة ولا الثمرة ولا العائدة، وهو يحفظ النصوص الكثيرة، بل يجد أنه لا يزداد بالعلم إلا هوانا وذلة وصغارا واحتقارا وإذلالا. فكيف يحصل له هذا، والعلم باب للرفعة؟ والله عز وجل يقول في بيان العلم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. كيف صارت القضية إلى العكس؟ يقولون: زند العلم كابل. يقول الناظم: فإنما كبى حين لم تحرس حماه وأظلم. حين لم تحرس حماه، حينما لم يحافظ طالب العلم على أسباب نفع العلم، على أسباب وجود ثمرة العلم، أعرض عنه، وربما عاقه عن ذلك العوائق وهو لا يشعر بهذه العوائق، عياذا بالله. فكيف يجد هذا أو غيره هذه الثمرة؟ يقولون: زند العلم كابل، فإنما كبى حين لم تحرس حماه وأظلم. فصار بدلا من أن يكون منيرا ومصباحا وضياء ونورا يهتدى به، صار ظلمة وظلاما وسببا للحيرة في نفسه فضلا عن غيره. الله جل وعلا يقول: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾. هذا شوه العلم، إما بطلب الجنية، وإما بترك أدب الطلب. ترك أدب الطلب كم يحرم الإنسان العلم لأنه لم يتأدب بأدب طلب العلم، يحرم، عياذا بالله، مع سلوكه مسلك العلم وسلوكه أسباب العلم وحبه للعلم، لكن هناك عوائق في طريقه لم يعلمها أعاقته عن ثمرة العلم. يقول رحمه الله مبينا شيئا من ذلك: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم، الجزاء من جنس العمل. ولو أن أهل العلم صانوه صانهم، ولو عظموه في النفوس لعظما. بضم العين وتشديد الضاء المشالة بالعصا وكسرها على الذي عليه القراءة عند المشايخ. وزعم السبكي في رسالته، في رسالته مبيد النعم، قال: والأولى أن يقال لعظم، لجعل العلم معظما. وهذا معنى له وجهه، لكن المعنى الأقرب عند أهل العلم المتأملين: تعظيم العلم الذي أهين، هذا هو مقصود الناظم. ولو أن أهل العلم صانوه صانهم، ولو عظموه في النفوس لعظما، أي لعظم العلم كذلك تبعا، لكنهم في أنفسهم لم يعظموا العلم حق التعظيم. هذا خلل عظيم، نسأل الله العافية والسلام. لم يعظموا العلم حق التعظيم، فأهان العلم. أهان العلم. وصيانة العلم تكون بتقوى الله سبحانه وتعالى، ملازمة التقوى وملازمة الطاعة لله عز وجل، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحرص على معالي الأخلاق، والاجتناب الذنوب والمعاصي. وتكون صيانة العلم أيضا بالتعفف عن أن يقصد بالعلم جمع الأموال ومطامع الدنيا. هذا أيضا من صيانة العلم. من صيانة العلم أيضا أن يعظمه في نفسه، فلا يحمله إلى بيت المتعلم. قال الزهري محمد بن شهاب رحمه الله، محمد بن مسلم بن شهاب الزهري: هوان بالعلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم. هذا ليس من تعظيم العلم، وإن كان قصده تعليم ذلان أو علام. هو يقصد الخير، ولا شك أن تعليم الناس أمر خير، لكن هذا إهانة للعلم، شعر العالم أو لم يشعر. هوان بالعلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم. جلس أحد أبناء الخلفاء في حلقة شريك بن عبد الله النخع، فكان متكئا، وكان يسأل، فكان شريك لا يجيبه على سؤاله حتى قال: يا إمام، أتستخف بأولاد الخلفاء؟ قال: لا، ولكني أجل العلم أن نضيعه. فجثى على ركبتيه. هذا أدب طالب العلم. جثى على ركبتيه، قال: الآن قل ما تشاء، وسل عما تريد. هوان بالعلم. هذا من تعظيم العلم، ليس هذا كبرا، ولكن هذا من تعظيم العلم. طالب العلم إذا أراد أن ينال العلم النافع، إذا أراد أن ينال العلم النافع ولم يتفقد طريقه في طلب العلم، ولم يبعد الشوك والأذى عن طريقه، لم يصل، وإن جلس ألف عام يطلب العلم النافع، وإن لقي كبار أهل العلم، لن ينتفع، لأن طريقه مليئة بالعوائق، بالأشواك، وبالعثرات، وبالأذى. قد يسأل سائل ويقول: ما هذا الأذى الذي يعيق السائر عن أن ينطلق في سيره فيبلغ درجات الأئمة ودرجات العلماء؟ العوائق هي الكبر، ومن العوائق الحسد، ومن العوائق العجب، ومن العوائق الغرور. عوائق كثيرة تقف كالحواجز أمام طالب العلم. كلما أراد أن يتقدم في الطلب وقف الكبر أمامه، كلما أراد أن يتقدم جاءت شوكة الغرور أمامه، كلما أراد أن يتقدم جاء الأذى من العجب ونحوه أمامه. فلا زال متماقيل ماكثا في مكانه، لا ينال العلم إلا إذا صفى طريقه من هذه الأمور، حينئذ ينطلق كأجاويد الخيل، أو كالريح المرسلة، أو كالسهم في سرعته، في زمن يسير ينال من العلم ما لا يناله غيره في عشرات السنين. والسر في طريق طلب العلم، الطريق التي سار فيها يطلب العلم. لهذا يقول الناظم رحمه الله: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم، ولو عظموه في النفوس لعظما. من أول ما يحتاجه طالب العلم أن يعظم الكتاب، يعظم الكتاب، ويعظم العلم، ويعظم مجالس العلم. فإذا تسرى إلى خاطره ازدراء هذه العلوم حرم بركتها، كما يقول المشايخ جزاهم الله خيرا: حرم بركتها وحرم فضلها، ولم ينتفع بشيء منها، وإن كررها وكررها، لا يفتح عليه فيها، لا يفتح عليه فيها. فلابد لمن أراد أن يسلك طلب العلم أن يتواضع لله، يتواضع لله سبحانه، ويذل نفسه في العلم، يذل نفسه في العلم، ويبتعد عما يبعد عن العلم. يقول الإمام الشافعي رحمه الله: لا يدرك العلم إلا بالصبر على ذلة النفس. لا يدرك العلم إلا بالصبر على ذلة النفس. فإذا كان طالب العلم شامخا بأنفة يرى نفسه كذا وكذا، لا يفلح. اليوم كثير من الفتن والمصايف والعوائق التي تحصل، والفتن غالبها من عدم تزكية النفوس بأدب الطلب، بأدب طالب العلم النافع الذي كان عليه السلف رضي الله عنهم وأرضاهم. لا يدرك العلم إلا بالصبر على ذلة النفس. فإذا أذل نفسه لله رفعه الله عز وجل، الجزاء من جنس العمل. من تواضع لله رفعه. ومن خالف، صرف العلماء في هذا الباب يذكرون قول الله جل وعلا: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. يقول ابن عيينة: أي أصرفهم عن فهمها وعن علومها، يصرفون غاية الصرف، عياذا بالله، بسبب ما يكون في نفسه هذا الطالب أو أولئك الطلبة من الكبر، عياذا بالله، إما على إخوانهم، أو على ما يقرؤونه، أو على كذا أو كذا من هذه الأمور. كلما كان الطالب بعيدا عن هذه العوائق، كلما كان أسرع في المشي في طلب العلم. الناس وهكذا كان أئمة السلف. يقول الإمام الشافعي رحمه الله: لا يطلب هذا العلم أحد بالملك وعزة النفس فيفلح. لا يطلب العلم، لا يطلب هذا العلم أحد بالملك، أي يعامل نفسه كأخلاق الملوك، بين عينيه أنه من أبناء الملوك أو نحو ذلك، وعزة النفس فيفلح. هكذا يقول الشافعي. ولكن من طلبه بذلة النفس وضيق العيش وخدمة العلماء وتواضع النفس أفلح. من جمع هذه الخصال فاز وأفلح في طلبه للعلم. فتجد طالب العلم نقي السرير، نقي السرير، متواضعا للعلم، متواضعا في طلبه للعلم، فينال العلوم غاية النيل، ويفوز فيها غاية الفوز. ولهذا كان السلف يحرصون على قراءة مثل هذه المنظومات وهذه الكتب التي تتضمن أدب الطلب، لأنه ليس الشأن أن تطلب، فكثير قد طلب العلوم ولم يصل، ولكن الشأن أن تعرف كيف تطلب العلم. لابد أن تفقه طريق طلب العلم، وطريق الحصول على العلم النافع، طريق الحصول على العلم النافع. ومن هذا الباب تعظيم أهل العلم، أي تعظيم أهل العلم يدخل في مثل هذا. ولو أن أهل العلم صانوه صانهم، ولو عظموه في النفوس لعظما، أي نتيجة حتمية، والجزاء من جنس العمل. من عظم العلم وأهان نفسه، يقول الربيع: ما أكثر ما حفظت من الشافعي، أهين لهم نفسي لكي يكرموني، ولن تكرم النفس التي لا تهينها. قال: كان الشافعي يكررها: أهين لهم نفسي لكي يكرموني، ولن تكرم النفس التي لا تهينها. فيحتاج طالب العلم إلى أن يكون متواضعا لله عز وجل، يحرص على تنقية طريق سيره في طلب العلم النافع، وبهذا أفلح. السبب: كان الإمام أحمد في يوم من الأيام مريضا. انظروا إلى أدب الطلب عند الإمام أحمد الذي كان يجلس في حلقته خمسة آلاف طالب يكتبون، لا يكتبون كما ذكرنا في شرح المنظومة السابقة، منظومة أدب طلب العلم لأبي علي اللؤلؤي. تقدم الكلام عليه، ذكرنا بها أن الإمام أحمد رحمه الله كان يجلس في حلقته نحو خمسة آلاف طالب، خمسمائة يكتبون، والبقية يتعلمون الأدب، أدب الجلوس في حلقة المجلس. تجد اليوم من يجلس يتكئ بعيدا، هذا من يبعد فيبتعد عن العلم. فالمجالس لها آدابها التي هي من تعظيم العلم، من تعظيم العلم. الإمام أحمد كان مريضا رحمه الله، فذكر إبراهيم بن طهمان، فقعد وجلس وتربع رحمه الله، قال: ما ينبغي أن يذكر الصالحون فيتك. ما ينبغي أن يذكر الصالحون فيتك. هكذا قال رحمه الله تعالى وغفر له. هذا من أدب الإمام أحمد، هذا من أدب الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغفر له. لا ينبغي أن يذكر الصالحون فيتك. فتجد طالب العلم في هيئته، في أقلامه، في حرصه على العلم، حتى لو كان يعلمه، حتى لو كان يعلمه. ذكرنا في محاضرة سابقة فيما سبق كلام الإمام الشاطبي أبي إسحاق، وأن ما يناله طالب العلم في جلوسه في الحلق من البركة أعظم مما سيناله من الفائدة. هكذا يقول، يقول رحمه الله. وقد يفتح على إنسان في إذلاله نفسه وإظهاره حاجته، إظهاره الحاجة وأنه عاجز عن كذا وأنه لم يفهم كذا. لا ينال العلم مستحن ولا مستكب. اليوم لو قيل لإنسان: يا فلان، أنت طالب علم لكنك لا تحسن الخط أو التجويد، وهذه حلقة فتحت للطلبة الصغار في سن سبع سنوات وثماني سنوات، نحب منك أن تحضر معهم الدرس، يحمر وجهه، وربما يكون كأنك ترميه بالحجار، فيقع في نفسه: أنا أجلس في الحلقة اللي فيها هؤلاء الصغار، هؤلاء سبع سنوات، أنا أجلس فيها. لم يعرف حق المعرفة أدب الطلب، لا زال في النفس عزة، لا تكون، لا ينفع بها البتة، حتى يذل نفسه. كم من إنسان لو قيل له في بعض المراكز اليوم: عندك تكنيس في المسجد، ربما يزعب، أو ربما يعنيه، يتغير في نفسه قليلا. كيف إذا قيل له: والله نريدك أن تخدم إخوانك فتنظف الحمامات؟ الله أكبر، هذه طامة، هذه جاءت فوق الرأس، ما يستطيع، يقول: والله صعبة، أجي أطف الحمامات. يظن أن مثل هذا مذلة. قيل له: اجمع الزبائل حول المسجد، يظنها إهانة. لا ينال العلم أبدا، لا يفلح البتة، حتى يكسر نفسه ويذلها ويضع أنفه في التراب، حينئذ يفتح عليه الملك الوهاب. كم من طالب علم إذا قيل له: أخوك مريض، اغسل ثيابه، كأنما تصب عليه الزيت المغلي على رأسه. أنا أغسل؟ صعبة يا أخي، هذا مستحيل. يراها كالجبل. أهذا عرف ذلة النفس؟ ولهذا الصوفية يغلون في هذا الباب، يغلون في هذا الباب، ولكن أصله موجود، البركة الإلهية في هذا الباب موجودة. أدركت بعض الناس كنا ندرس عند العلامة الشيخ مقبل بن هادي رحمه الله، ربما حضر لا يحمل دفترا، لا يريد أن يكتب، نسأل الله العافية والسلام. وإذا حضر بدفتره كنا نستغرب، لا يكتب الفائدة، ولا يسمع شيئا، لا يكتب. سألت عنه في هذه الفترات الماضية، وهو من أذكياء طلاب العلم، فبلغني أنه من العوام، من العوام، نسأل الله العافية والسلام. طالب العلم كما قال الإمام الشافعي: لا يطلب هذا العلم بالملك وعزة النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذلة النفس، بذلة النفس وضيق العيش وخدمة العلماء وتواضع النفس أفلح. اليوم نحن كما يقول الإمام الألباني رحمه الله: قطعنا شوطا في التصفية ولكنه فاتنا في التربية أشياء كثيرة. فتجد كما هائلا من الفتن والقضايا، عائدا إذا تأملته إلى أن هذا الطالب أو هؤلاء الطلبة لم يعرفوا أدب العلم، ولم يعرفوا أدب طلب العلم، ربما بسبب التحاسد، عياذا بالله، يحسد أخاه على صوته في القرآن، أو على حفظه للقرآن، أو على وعظه وتذكيره، ويغفل عن أن هذا إنما يكون كالبناء الذي يبنى، كالبناء الذي يبنى، فهذا يضع فيه حجرة، وهذا يضع فيه حجرة، وهذا يضع فيه حجرة، وإذا بالقصر العالي قد قام، وإذا به صار قصرا منيفا مشرفا جميلا. هذا لمن يعقل الأمور. لهذا قال الله ببني إسرائيل: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾، ثم قال بعدها مبينا العلة التي أجلبت هذا الأمر: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾، فعقولهم فيها نقص. فينبغي لطالب العلم أن يحرص على أدب الطلب، متما حدث نفسه بأدب الطلب، وبتعظيم العلم، تعظيم العلم، فإنه يوفق في طلبه للعلم، وينال من العلوم أشياء كثيرة جدا. يقول ابن عباس: ذللت طالبا فعززت مطلوبا. ذل نفسه طالب يوم كان طالبا، فعزه الله عز وجل، أعزه الله يوم صار مطلوبا، وهو إنما يبتغي الأجر من الله عز وجل. فينبغي لطالب العلم أن يعظم العلم ويعظم أهله، يعظم كتبه، يعظم كتبه. أدركت ناسا كانوا يطلبون العلم، فإذا جلسوا في مجالس العلم، احتراما للعلم، لا يتكئون، ولا يحتمون، ولا يمدون أرجلهم، ولا يفعلون كذا وكذا. فلقد فتح عليهم. كل هذا تعظيما لحديث من أحاديث رسول الله يتلى، أو كلام من كلام أهل العلم يقرأ، فتراهم في خشوع كأن على رؤوسهم الطير، فأفلحوا. فتح الله عليهم، حتى إن بعضهم لا يحدث عما فتحه الله عليه في خدمة إخوانه. كان الشيخ يقول رحمه الله: كان يقول لنا: من يخدم إخوانه يفتح عليه. هذا جرب، والله تجد الإنسان يخدم إخوانه في مطبخه، يخدم إخوانه في أمور، وإذا برب العالمين يؤتيه حفظا عظيما في مجالس، يحفظ بعض المنظومات التي يحتاج غيرها إلى أشهر في حفظها، فضلا عن إتقان حفظه، والسبب أن الله عز وجل يعطيه أعظم مما بذل، يعطيه أعظم مما بذل. ولو أن أهل العلم صانوه صانهم، ولو عظموه في النفوس لعظم. كم نجد اليوم من عدم الأدب مع العلماء، والسبب من الخلل في التربية. لا مانع أن يخطئ العالم، قد يخطئ، بل هو يخطئ، لا شك ولا ري، ولكن أين حفظ كرامة أهل العلم؟ إن أخطأوا رد خطأهم، واحفظ كرامتهم، وانظر إلى ما عندهم من الخير. كم من رجل ربما قام داعيا إلى الله قبل أن يخلق هذا الناقد الذي صار ناقدا اليوم، وهو يدعو إلى الله في شعاب الجبال، يبين التوحيد والسنة. هذا كله من عدم تعظيم العلم. ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه، كما تقدم في الحديث الحسن. لازلنا في هذه المنظومة، وبقي معنا بيت واحد. فنسأل الله جل وعلا أن يرزقنا أدب الطلب، ويعيننا على طلب العلم، ويوفقنا لطاعته وهداه، ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنه جواد كريم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اشتركوا في القناة.