شرح كتاب التوحيد 112

شرح كتاب التوحيد 112

الدرس في شرح كتاب التوحيد 112، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير النبي من الشرك واتخاذ القبور مساجد

المقطع الأول يشرح تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ القبور مساجد، ويبرز أهمية التوحيد وخطورة الشرك. كما يشير إلى براءة النبي من اتخاذ خليل من أمته.

شرح مفهوم الخلة ومحبة الله تعالى

المقطع الثاني يوضح مفهوم الخلة ومحبة الله تعالى من خلال شرح حديث النبي حول اتخاذ إبراهيم ونبينا خليلين لله، ويبين أهمية منزلة الصديق في قلب النبي.

تحريم بناء المساجد على القبور وإزالتها

المقطع الثالث يشرح تحريم بناء المساجد على القبور واستدلال العلماء على ذلك من الأدلة الصريحة، ويبين وجوب إزالة هذه المساجد.

ختام الدرس والدعاء والصلاة على النبي

المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويعتبر ختامًا للكلام السابق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، حديث جندب بن عبد الله، في بيان التغليظ في حق من أراد أن يعبد الله جل وعلا عند قبر رجل صالح. وهذا الحديث الذي بين أيدينا رواه الإمام مسلم في صحيحه. قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، أي قبل أن يموت بخمس ليال، أوصى نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الوصية، وفي ذلك إشارة وإفادة على أهمية التوحيد، وكيف أن ذلك من أولويات دعوته عليه الصلاة والسلام بدءًا وختامًا. فقد بدأ دعوته بقوله: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا»، وفي ختامها قال عليه الصلاة والسلام: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». فدين الإسلام بدأه بالتوحيد وختمه بالتوحيد. وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام قبل أن يموت بخمس ليال يذكر هذه المسألة، والتي فيها الحمى لجناب التوحيد وقطع ما يوصل إلى الشرك بكل صوره. فقال جندب: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا». الخلة نوع من أنواع المحبة، بل هي من أعلى مقامات المحبة، فيعبر عنها بالمحبة الخاصة. هذه الخلة هي المحبة الخاصة والخالصة، وسميت الخلة خلة لأن هذه المحبة تتخلل القلب، فتدخل إلى سويداء القلوب، فتكون في خلاله وفي باطنه. فلعظيم هذه المحبة التي وصلت إلى سويداء القلب سميت خلة. فهي غاية المحبة. فقال عليه الصلاة والسلام: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل»، أي ما أحد بلغ هذه المبلغ، فإن الله قد اتخذني خليلًا سبحانه وتعالى. وفي ذلك إشارة إلى أن الله عز وجل كما هو في عقيدة أهل السنة والجماعة، كما أن الله يحب فهو يحب سبحانه، فالله يحب من قبل خلقه وهو يحب من شاء من عباده جل في علاه. هذه من عقيدة أهل السنة والجماعة في باب المحبة، فالله يحب ويحب، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، المحبة متبادلة. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا». فالله عز وجل اتخذ من نبينا الغاية في المحبة، كما أن الله جل وعلا قد أحب قبله إبراهيم عليه السلام، فإبراهيم هو خليل الرحمن، ونبينا عليه الصلاة والسلام هو كذلك خليل الرحمن. ومن هنا نبه العلماء على خطأ، كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، إلى تلكم العبارة المتداولة بين كثير من الناس، أرادوا بها التزكية لرسول الله، لكنهم ما أصابوا، وذلكم إذا أرادوا أن يصفوا نبينا وإبراهيم عليهم السلام، قالوا بأن إبراهيم خليل الله، ونبينا حبيب الرحمن، فيجعلون لإبراهيم الخلة، وإذا أجاءوا عند نبينا وقالوا: ورسول الله حبيب الله، هل هذا صواب؟ لهذا ليس بصواب، لأن هذا ليس فيه تعظيم لرسول الله، لأنك في الحقيقة أنقصت من مقامه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا». وإذا كان هذا يمكن لي بأن أجعل لأحد منكم منزلة في قلبي فهو الصديق، رضي الله تعالى عنه. وهذه تزكية عظيمة، لماذا لعلو منزلة الصديق في قلب نبينا عليه الصلاة والسلام، لو أن أحدًا سيصل لهذه المنزلة العليا، منزلة الخلة، لكان الصديق أولى بها، رضي الله تعالى عنه. ومن هنا استفاد العلماء أن في هذه اللفظة إشارة إلى أن الصديق أولى بالخلافة بعد نبينا من غيره من أصحابه، فيه إشارة إلى أن الصديق رضي الله تعالى عنه أولى بالخلافة من غيره من أصحابه، فهو خليل رسول الله، لو كانت الخلة متاحة لأحد من خلق الله. قال: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد»، وهذا هو الشاهد من إيراد الحديث في بيان على أن من كان قبلنا من اليهود والنصارى بشكل عام أنهم وقعوا في هذه البلية، وهي أنهم يتخذون من قبور أنبيائهم مساجد. وقد أشرنا في درس أمس أو درس سابق من دروس كتاب التوحيد إلى الصور التي أدرجها العلماء من صور اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، إما بالسجود عليها، وإما بالصلاة إليها، وإما بالتعبد لله عندها، وإما ببناء وتشييد المساجد عليها، أربع صور. فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». وهذا كذلك في بيان ما بوب عليه المؤلف رحمه الله تعالى، التغليظ في هذه المسألة، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى الأمة عن ذلك، فليس الحكم خاصًا باليهود والنصارى، بل وكذلك يلحق وينسحب على هذه الأمة المحمدية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فلا يجد بحال لأحد كائنا من كان من يهود أو نصارى أو من أمة الإسلام بأن يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد. فقال نبينا: «فإني أنهاكم عن ذلك». وهذه الوصية من نبينا سار عليها سلفنا الصالح وسار عليها العلماء، لا خلاف ولا نزاع في ذلك. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأما بناء المساجد على القبور، فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عنه للأحاديث في ذلك، فما تكاد تفتح كتابًا من كتب الفقه لا في المذهب الشافعي ولا المالكي ولا الحنفي ولا الحنبلي، إلا وتجد أن الكلمة اتفقت على تحريم هذا الفعل من اتخاذ المساجد على القبور لصريح الأدلة». ثم قال رحمه الله: «وهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو نبش، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين بالاتفاق». والأمر كما قال ابن القيم رحمه الله: «ولا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، ما يجتمعان». وهذا تفصيل العلماء في هذه المسألة حول كيف التفريق إذا ابتلينا بوجود مسجد مع قبر، كيف الخلوص والمخرج؟ قال العلماء: إنه ينظر في الأولوية، فإن الأسبقية مع الأولوية مع الأسبقية. فإذا قدر أن المسجد قد وجد قبل، ثم أدخل القبر عليه، فهنا هذا القبر ينبش ويخرج، لأن هذه البقعة سلطانها المسجد، هي ملكه وفيه سيادته وفيه الأسبقية. فإذا أدخل القبر إلى داخل المسجد، فإن القبر ينبش ويخرج. ولو عكسنا بأن هذا القبر هو الذي وجد سلفًا قبل هذا المسجد، قد وجد ثم قام من قام من الناس وبنى المسجد على هذا القبر، فحينها هذا المسجد يزال، يكسر يهدم، ثم يتحول إذا استطاع صاحبه أن يحوله في مكان آخر، يتحول، هذا إذا كان القبر له الأسبقية والأولوية، لأن هذا هو سلطانه وله الأسبقية في الأقدمية. فكون أن المسجد بني عليه بنيانًا، فإنه يرجع من حيث بدأ، فيهدم ويزال. هكذا فتاوى العلماء في هذا الباب. هذا إخواني في الله من يذكر في هذا الحديث في هذه المسألة. وبقيت كذلك مسائل متعلقة ببناء المساجد على القبور، يرجى الكلام عنها بإذن الله في درس قادم. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.