الدرس في شرح الباعث الحثيث 17، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن مقسماً إياه إلى قسمين: الحسن لغيره الذي يجبر ضعفه بطرق أو متابعات، والحسن لذاته الذي يرويه راوٍ صدوق لم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ مع سلامة المتن من الشذوذ والعلة. ويؤكد أن كتاب الترمذي أصل في معرفة هذين النوعين.
يبيّن المقطع عناية الإمام الترمذي بذكر الحديث الحسن لغيره واختصاصه بهذا الباب، ومنهج أبي داود في سننه من ذكر الصحيح وما يقاربه، وبيان الوهن الشديد، وقاعدة السكوت عن الحديث. وينبه إلى أن إطلاق "أصح شيء في الباب" لا يقتضي الصحة بالشروط الخمسة، وأن ما سكت عنه أبو داود ليس قاعدة مطردة للحسن بل ظنية تتفاوت درجاته.
يناقش المقطع قاعدة أبي داود القائلة بأن ما سكت عنه في سننه فهو حسن، مبيناً خلاف العلماء في حملها على السنن فقط أو الإطلاق. ويستعرض اعتراض ابن كثير على ابن الصلاح والعراقي، ورد الشيخ أحمد شاكر موضحاً أن ابن الصلاح لم يمنع التصحيح المطلق بل حذر من الكتب غير المتداولة، وأن اعتراض ابن كثير وارد على فهم العراقي لا على قاعدة أبي داود.
عندما وصل أبو داود إلى مكة سُئل عن كتابه، فأملى تعريفا به وبيان منهجه فيه، واعتُبر ذلك فتوى أو جزءاً متداولًا بين أهل العلم بالرواية حتى وقته، مختصًا بالسنن. ثم خُتم المجلس بالدعاء للأئمة بالرحمة والمغفرة.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كنا في كلام على تعريف الحديث الحسن. قال الشيخ أبو عمر بن الصلاح رحمه الله تعالى: وقال بعض المتأخرين - يعني أبا الفرج بن الجوزي كما تقدم -: الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحديث الحسن، ويصلح للعمل به. ثم قال الشيخ: وكل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، يعني غلة الظمأ وهي شدة العطش. لكن هذا كما تقدم، ذكر هذه الحدود إذا جمعت ما يزك - كما تقدم - فهذا لابد من اختلاف بعضها عن بعض. فقولهم - قوله ابن الجوزي: الحديث الذي فيه ضعف قريب - احتراز عن الضعف الشديد. محتمل، يعني احتمله لا إما بطرق أو بأحادي، هو الحديث الحسن. سيأتي في كلام الترمذي ما يؤيده. ثم قال الشيخ: وكل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن عن الصحيح. وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان: أحدهما الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ، ولا هو متهم بالكذب، ويكون مثل الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر، فيخرج بذلك عن كونه شاذا أو منكرا. تقدم الكلام على هذا مفصل. ثم قال: وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل، وهذا هو الحديث الحسن لغيره. هذا هو الحديث الحسن لغيره، فيكون ضعفه ليس شديدا وإنما ضعفا منجبرا بغيره، فيجبر بعضه بعضا، ويكون مثل الحديث ليس منكرا ولا شاذا ولا معللا، فإن هذه أخطاء والخطأ لا يرفع بمجيئه من طريق آخر. قال ابن كثير: قلت لا يمكن تنزيله. لماذا ذكرناه عنه والله أعلم؟ يعني مما تقدم من الاعتراض، إن كان قاله بأي كتاب قاله، وإن كان فهما فقد قال الترمذي نفسه: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهذا يعارض التعريف. تقدم الجواب عن هذا. قال رحمه الله تعالى: القسم الثاني - يعني الحسن لذاته - نحن الآن دخلنا في تعريف الحسن لذاته. القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، يعني في حفظه شيء، في حفظه نوع ضعفه أنزله عن درجة الثقات الأثبات إلى درجة الصدوق ونحوه. فدرجة الصدوق هي درجة الحديث الحسن. منزلة الرجل الذي يقال في إسناده صدوق، هذا هو الحديث الحسن، سواء قيل صدوق، أو صدوق يخطئ، أو صدوق أخطأ، أو صدوق ربما أخطأ، أو نحو ذلك، كل هذه منزلة الحديث الحسن. أو قيل فيه لا بأس به، أو قيل فيه جيد، أو قيل فيه عند بعض العلماء مقبول لا مقبول، عند الحافظ فيه ضعف، أو قيل فيه مقارب الحديث، فإنها عند بعض أهل العلم من درجات الحديث الحسن. يقول رحمه الله تعالى: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، ولا يعد ما ينفرد به منكرا. هذا لا بد منه، فإن الصدوق فيه ضعف، الصدوق فيه ضعف، فإذا بان لنا أن هذا الحديث من منكراته رددناه. ويعرف هذا بكتب العلم وكتب التراجم، لا سيما كتاب الكامل لابن عدي، وكتاب الميزان للذهبي، فإنهم يبينون المنكرات التي وقع فيها الراوي فلان ابن فلان. نعيم بن حماد الخزاعي أخطأ في عشرين حديثا، يسردونها واحد اثنين ثلاثة إلى آخر. فأنت إذا أردت أن تحقق البحث لا بد أن تتأكد: هل هذا الحديث الذي بين يديك ممن تقد أم مما لم ينتقد؟ فإن كان مما لم ينتقد فخذه، وإن كان ممن تقد قل: هذا منكر، قل: هذا منكر. قال رحمه الله: ولا يعد ما ينفرد به منكرا، ولا يكون المتن شاذا ولا معللا. كذلك تقدم الشذوذ والعلم. قال: وعلى هذا القسم، وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي، قال: والذي ذكرناه يجمع بين كلاميهما. قال الشيخ أبو عمر: لا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة كحديث الأذنان من الرأس أن يكون حسنا، لأن الضعف يتفاوت، فمنه ما لا يزول بالمتابعات، ويعني لا يؤثر كونه تابعا أو متبوعا كرواية الكذابين والمتروكين، ومنه ضعف يزول بالمتابعة كما إذا كان راويه سيء الحفظ، أو روى الحديث مرسلا، فإن المتابعة تنفع حينئذ ويرفع الحديث عن حضيض الضعف إلى أوج الحسن أو الصحة، والله أعلم. تقدم شرح هذا، وإنما نعيده إعادة، تقدم شرحه مفصلا، وأنه لا بد أن يكون الضعف منجبرا. فإذا وجد ضعيف ضعفا منجبرا، وضعيف ضعفا منجبرا كالمستور والمرسل والمبهم ونحوها، فيقوي بعضها بعضا، ويدل على أن الحديث له أصل. يقول العلامة أحمد شاكر: الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن. هذه العناوين كتبها الشيخ أحمد شاكر رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: وكتاب الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن، يعني بنوعي الحسن لغيره والحسن لذاته، فكلها موجودة في كتاب الترمذي، لا سيما الحسن لغيره. قال رحمه الله تعالى: وكتاب الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن، يعني لذاته ولغيره، لا سيما لغيره، فقد اعتنى به أكثر، وهو الذي نوه بذكره، أي الحديث الحسن لغيره. ويوجد في كلام غيره من مشايخه كأحمد والبخاري، يوجد في كلامهم لفظ الحسن. اعترض قال رحمه الله: وكذا من بعده كالدارقطني. اصطلاح الحديث الحسن يطلق على معانٍ ليس على معنى واحد. فمن الحفاظ من يطلق لفظ الحديث الحسن ويريد به المنكر، كما قيل في ترجمة العرزمي محمد بن سليمان العرزمي: قيل للإمام أحمد أو لابن معين: إن أحاديثه حسان، قال: من حسنها فررت، من حسنها فررت، المراد أنها منكرات غرائب منكرات، فمثل هذه لا تحتمل القوة وترد، مثل هذه ترد. وكذا من بعده كالدارقطني، الذي نوه بذكره كما تقدم هو الإمام الترمذي رحمه الله، فهو متخصص في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: ومن مبانيه - أي مواضعه التي يوجد فيه - سنن أبي داود. سنن أبي داود من الكتب الفقهية العظيمة، وكتاب الترمذي أيضا من الكتب الفقهية العظيمة. وكل كتاب من هذين الكتابين له ميزة: في الترمذي يذكر فقه العم وخلاف العم، فهو من كتب الخلاف، وهو من كتب العلل، وهو من كتب الفقه. ولهذا هذه أصول الإسلام، هذه الكتب هي أصول الإسلام مع الصحيحين: صحيح البخاري ومسلم، لا يستغنى عنها، وكذلك أبو داود، حتى قيل: لو أن مفتيا اقتصر على سنن أبي داود لكفى وضبطت له الفتوى، لشدة اعتناء أبي داود بفقه الحديث. هذه ميزة في سنن أبي داود، ومع هذا هو متقن في الكتاب. ولهذا قال ابن الصلاح: روينا عنه أنه قال - أي روينا بالإسناد أو بالإجازة إليه أنه قال -: ذكرت الصحيحة، أي في كتابي، وما يشبهه ويقاربه، ذكرت الصحيحة وما يشبهه ويقاربه، أي يشبه الصحيحة ويقاربه، لكن المشبه دون المشبه به. وما كان فيه وهن شديد بينته، فهو يبين الأحاديث الضعاف ويبين ما فيها من العلل. وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، أي المسكوت عنه. لكنه وقع له شيء من الخلل في مثل هذا، والسكوت أنواع: فأحيانا يسكت لأنه قد بين ضعف الحديث،حيانا يسكت لأنه قد سبق بيان ما في الحديث، أو أشار إشارة ما إلى حكم. فأما السكوت المجرد فالحافظ ابن حجر وغيرهم من أهل العلم يقولون: ما سكت عنه أبو داود فالأصل أنه يحكم له بالحسن، إلا أن يأتي ما يدل على تساهله فيه. ما سكت عنه أبو داود فالأصل أنه حسن. وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح: هل هو صالح للحجية أم صالح للاعتبار؟ وجهان، وبعضها أصح من بعض. فهي درجات. قال: وروي عنه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه فيه. قول الأئمة: أصح شيء في الباب، لا يعني تصحيح ما في الباب. قول الأئمة: هذا الحديث أصح شيء في الباب، قد يكون ضعيفا أو منقطعا أو منكرا، قد يكون ضعيفا أو منقطعا أو منكرا، لكنه بالنسبة لغيره مما في الباب أصحها، أصحها. فهذه اللفظة لا تقتضي التصحيح. أصح شيء في الباب لا يعني أنه صحيح، إنما يعني أن هذا أفضل شيء وجدناه وأقوى شيء وجدناه، وهو كما ترونه إما فيه ضعف وإما فيه كذا وإما صحيح، كل ذلك محتمل، لكن اللفظة لا تدل على أنه صحيح بالشروط الخمسة. قال: وروي عنه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه. هذه ميزة في أبي داود صاحب السنن، أنه يختار الأحاديث ويذكر ما يكون عونا للفقيه، كما تقدم. هذه كتب خدمة الإسلام، فجزى الله أهلها خير الجزاء. هذه العبارة مهمة، هذه العبارة مهمة، فهي تبين منهجا لأبي داود: ذكرت الصحيح أو ما يشبهه ويقاربه، الأصل فيما يشبه الصحيح وهو دون أن يكون حسنا، فهذا الأقرب فيما يقصده أبو داود بقوله: ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، الأقرب أنه الحسن، أي لذاته. وما كان فيه وهن شديد بينته، أي ضعف شديد. وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح. تقدم أن فيها وجهين: إما صالح للاعتبار وإما صالح للحجية. ولهذا لا يُعلم لأي شيء أراد، والأقرب عند بعض المحققين أنه أراد الحسن أيضا لكنه مراتب. قال: وبعضها أصح من بعض. وروي عنه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه فيه. تقدم أن هذه العبارة معناها أقوى من غيره، وقد يكون ضعيفا. يقول ابن كثير: قلت ويروى عنه أنه قال: وما سكت عنه فهو حسن. هذه عبارة أصرح. قال ابن الصلاح: فما وجدناه في كتابه مذكورا مطلقا، وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد، فهو حسن عند أبي داود. هذه مسألة ظنية، هذه مسألة ظنية، قد يكون حسنا، وقد يكون صحيحا لذاته، وقد يكون ضعيفا، فليست قاعدة مضطردة أن كل ما سكت عنه أبو داود درجته الحسن، بل فيها ما هو صحيح، وفيها ما هو حسن، وفيها ما ليس صحيحا ولا حسنا. لكن ابن الصلاح قيد فقال: فهو عنده، فهو حسن عند أبي داود، صحيحا. قال: لما ابن كثير: الروايات عن أبي داود بكتابه السنن كثيرة جدا، ويوجد ويوجد في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الأخرى. ولأبي عبيد للآجري الرواية عنه أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل، كتاب مفيد مطبوع، جزأ كتاب صغير، كتاب نافع، وهذه من فوائد أهل العلم، فوائد طلبة إذا لقوا المتخصصين أفادوا منهم ما عندهم من فقه وتحقيق للمسائل، فيدونون. سؤالات وجهها أبو عبيد الآجري من علماء الحديث في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل. يقول ابن كثير: كتاب مفيد. هذه تزكية لهذا الكتاب، يعني فيه فوائد عظيمة. ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه، فقوله: وما سكت عليه فهو حسن، ما سكت عليه في سننه فقط أو مطلقا؟ هذا مما ينبغي التنبيه عليه والتيقظ له. ولا شك والله أعلم أن المراد ما سكت عنه في سننه فقط، فإن هذا واضح. يقول: فما وجدنا، يقول: ذكرت في كتابي هذا، يعني سنن أبي داود، فهو فهو يتكلم عن سنن معينة موجودة، فالإشارة إلى حس، الإشارة إلى حسي وليست إلى ذهني في الغالب، الله أعلم. هذا الكتاب أمامكم، ذكرت فيه كذا، وذكرت فيه كذا، وذكرت فيه كذا، يشرح منهجه في رسالته إلى أهل مكة، في رسالته إلى أهل مكة. قال العراقي: عندنا حاشية، وهو كلام عجيب، وكيف يحسن هذا الاستفسار بعد قول ابن الصلاح إن مضان الحسن سنن أبي داود، فكيف يحتمل حمل كلامه على الإطلاق في السنن وغيرها؟ وكذلك لفظ أبي داود صريح فيه، فإنه قال: ذكرت في كتابي هذا الصحيح، إلى آخر كلامه. وأما قول ابن كثير: من ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه، إن أراد به أنه ضعف أحاديث ورجال في سؤالات الآجري وسكت عليها في السنن، فلا يلزم من ذكره لها في السؤالات بضعف أن يكون الضعف شديدا، فإنه يسكت في سننه على الضعف الذي ليس بشديد، إذن ليس كل ما سكت عنه فهو حسن كما ذكره هو. نعم، إن ذكر في السؤالات أحاديث أو رجالا بضعف شديد وسكت عليها في السنن فهو وارد عليه ويحتاج حينئذ إلى جواب، والله أعلم. وأيضا اعتراض العراقي فيه قصور كما بينت، وهو واضح. قال: أقول: الظاهر، يقول الشيخ أحمد شاكر: أن الحافظ العراقي لم يفهم كلام ابن كثير على وجهه الصحيح، فإن ابن الصلاح يحكم بحسن الأحاديث، بحسن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود، ولعله سكت عن أحاديث في السنن وضعفها في شيء من أقواله الأخرى كإجاباته للآجري في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل، فلا يصح إذن أن يكون ما سكت عنه في السنن ووضعفه في موضع آخر من كلامه حسنا، فيكون عنده ضعيفا، ومع ذلك فإنه يدخل في عموم كلام الصلاح. واعتراض ابن كثير واعتراض ابن كثير صحيح واضح. وإنما لجأ ابن الصلاح إلى هذا اتباعا لقاعدته التي سار عليها من أنه لا يجوز للمتأخرين التجاسر على الحكم بصحة حديث لم يوجد في أحد الصحيحين، أو لم ينص، أو لم ينص أحد من أئمة الحديث على صحته. وقد رددنا عليه فيما مضى. أولا: هذه المسألة المنسوبة إلى ابن الصلاح في نسبتها إليه نظر، وكلامه لا يدل عليها لمن تأمل وتدبر، فإنه قال: على أن لا نتجاسر على الجزم بصحة حديث في الأجزاء والمعاجم والمشيخات، إلى آخر كلامه. فكلامه ليس في مطلق الكتب، وإنما في الكتب التي لم تلاق عناية عند المحدثين. ربما يقف طالب العلم الآن في المكتبة الظاهرية على جزء من الأجزاء الحديثية، منذ أن لفه مصنفه كتبه بخطه، والأصل الذي كتبه بخطه موجود كما هو، ربما قرئ قليلا، مثل هذا الجزء لم يعتني به أهل العلم عنايتهم بالصحيحين أو بالسنن، فقد يأتي فيه تصحيف، وقد يأتي فيه تحريف، وقد يأتي فيه وهم، لعدم تداول الأئمة له بالقراءة والنقد. بخلاف الكتب التي تتداولها العلماء بالنظر والبحث والتأمل، فإنهم يستخرجون ما فيها ويصوبون الخطأ الذي فيها. مثل هذه الكتب إذا رأيت فيها حديثا إسناده صحيح، الواجب التأني فيها، الواجب أن يتأنى، أن يتأنى طالب العلم في ذلك. ليس كلام ابن الصلاح منعا للتصحيح كما فهم، لا يدل كلامه على ذلك، فضلا عن من يقول إنه منع التضعيف أيضا، وهذا غلو وقع فيه السيوطي في التدريب وغيره، وغيره من أهل العلم. هذا أولا. وثانيا: اعتراض ابن كثير لا يرد، والعراقي فهم الكلام لا كما يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى وغفر الله له. قول ابن كثير رحمه الله: وما سكت عنه، فقوله: ما سكت عليه فهو حسن، ما سكت عليه بسننه فقط أو مطلقا، لا يرد على شرط أبي داود، فله رسالة إلى أهل مكة فيها هذا الكلام، هذا الكلام موجود في رسالة مطبوعة في آخر جزء السنن، في آخر السنن، وبعض يضعها في مقدمة السنن، اسمها رسالة إلى أهل مكة. هذه الرسالة لما وصل أبو داود إلى مكة سألوه عن كتابه، فأملى عليهم تعريفا بالكتاب وبمنهجه في الكتاب، كفتوى أو كجزء تداول عند أهل العلم بالرواية إلى زمنه، فهو يتكلم على السنن خاصة، ولا نتوسع أكثر من ذلك. طيب، نختم ها هنا. نسأل الله عز وجل أن يرحم هؤلاء الأئمة ويغفر لهم ويجزيهم خير الجزاء.