شرح الباعث الحثيث 15

الدرس في شرح الباعث الحثيث 15، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

الكلام على الحديث الحسن وحجيته وأنواعه

يُبيّن المحور أن الحديث الحسن يُحتج به عند الجمهور كالصحيح وإن كان أدنى منه، مع ذكر خلاف من رده كابن حبان. كما يوضح أن الحسن نوعان: لذاته ولغيره، وأن الحكم عليه نسبي ويختلف فيه المحدثون لاختلاف نظرهم في توفر شروطه، مما يجعله موضع اجتهاد واسع.

خبرة المحدثين وملكتهم في نقد الأسانيد

يتمتع الحفاظ والمحدثون الخبراء بقدرة حدسية على تمييز صحة الحديث وضعفه تتجاوز مجرد فحص الأسانيد، ناتجة عن طول الممارسة والاستقراء. هذه الملكة تشبه خبرة الصيارفة في كشف المغشوش، وقد يتفق علماء كبار في أحكامهم على حديث دون تنسيق مسبق، مما يدل على أن علم العلل صناعة دقيقة قائمة على الخبرة المتراكمة.

تعريف الحديث الحسن ومناقشة تعريف الخطابي

يناقش المحور تعريف الخطابي للحديث الحسن بأنه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، ويعرض اعتراض ابن كثير بأن هذا التعريف ينطبق على الصحيح والضعيف أيضاً، ثم يبرر المؤلف تعريف الخطابي بأنه يقصد منزلة متوسطة بين الصحيح والضعيف، ويؤكد أن أكثر الأحاديث تكون حسنة وأن الفقهاء يعتمدون عليها في الفتوى.

الختم بالصلاة والسلام على النبي وآله

يختتم المتحدث كلامه بالدعاء بالصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لا نزال في كتاب اختصار علوم الحديث، أو شرح اختصار علوم الحديث، للإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير -رحمه الله تعالى- توفي سنة سبعمائة وأربعة وسبعين للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. قال: النوع الثاني: الحسن. هذا المبحث الثاني، انتهينا من بحث الصحيح بمسائل ذكرها الحافظ ابن الصلاح -رحمه الله- وأضاف وأفاض فيها العالم الجليل ابن كثير -رحمه الله تعالى-. قال: النوع الثاني، أي من أنواع الحديث: الحسن، وهو في الاحتجاج به كالصحيح عند الجمهور. الحديث الحسن حجته عند جمهور العلماء، إلا قليلاً من أهل الحديث ذهبوا إلى رده؛ لأنه لم يظهر له، كأبي حاتم -رحمه الله-. نقل عن أبي حاتم أنه لا يحتج به، وأبو حاتم وصف بالشدة في مثل هذا، والعبرة فيما عليه العمل: الاحتجاج بالحديث الحسن، وأخذ الأحكام منه، وأنه كالصحيح. هذه العبارة دقيقة: فهو ليس مثل الصحيح، لكنه كالصحيح؛ لأن الصحيح أعلى، والحسن أدنى من الصحيح، وهذا الذي عليه العمل عند أهل العلم. سيأتي أن الحسن عبارة عن نوعين: نوع يسمى حسناً لذاته، ونوع يسمى حسناً لغيره. قال: وهذا النوع -يقول ابن كثير -رحمه الله-: وهذا النوع لما كان وسطاً بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر لا في نفس الأمر، هذا أمر اجتهادي، هذا أمر اجتهادي، فالعالم قد يحسن حديثاً، والعالم الآخر قد يضعف هذا الحديث، فهذا موضع اجتهاد بين أهل العلم، والسبب اختلافهم في توفر الصفات التي يحكم بها على الحديث أنه حسن أو ليس بحسن. قال العماد ابن كثير -رحمه الله-: وهذا النوع لما كان وسطاً بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر لا في نفس الأمر؛ لأنه في نفس الأمر له حكم واحد يطلع الله به من شاء من عباده. عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة، عسر ضبطه، يعني: وكثر الخلاف فيه. أكثر اختلاف المحدثين هو في الحديث الحسن، أكثر اختلاف المحدثين هو في باب الحديث الحسن، فهذا يضعف حديثاً، وهذا يحسن حديثاً. فيحصل بينهم الخلاف، وكلهم مجتهدون مأجورون عند الله عز وجل. قال -رحمه الله تعالى-: وهذا النوع لما كان وسطاً بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر لا في نفس الأمر، عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة، وذلك لأنه أمر نسبي، أي تتفاوت فيه الأنظار، فهو حسن بالنسبة إلى فلان أو عند فلان، غير حسن بالنسبة إلى فلان أو عند فلان. قال -رحمه الله تعالى-: وذلك لأنه أمر نسبي، شيء ينقدح عند الحافظ ربما تقصر عبارته عنه. وهذا كلام علمي دقيق، فإن هذا العلم -علم الحديث- علم ممارسة، وعلم استقراء وتتبع، وعلم أشبه بالنور الذي يقذفه الله عز وجل في قلب العالم. فالعالم يبحث الحديث، ولإدمانه أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ينقدح في نفسه أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضاً، وأن هذا الكلام خرج من في رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، حتى إنه ربما يكون في الإسناد نظر، فيأتي العالم ويقوي الخبر بقرائن تحتف به من هنا وهنا، لشيء انقدح في قلبه أن هذا الحديث من كلام النبي، وهذا موجود له نظائر في كلام المحدثين. شيء ينقدح عند الحافظ، فمثلا: حديث أن النبي -لما ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف إلى ابن عبد ياليل في الطائف، فردوا دعوته -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ردوا دعوته -صلى الله عليه وسلم-. هذا الحديث، فيقول الإمام ابن معين -رحمه الله-: «نور النبوة عليه، نور النبوة». فإذا نظرت إلى الإسناد لم تجده إسناداً مقبولاً، فابن معين لخبرته وكثرة ممارسته واستقرائه ينقدح في نفسه أن هذا الحديث عليه أنوار النبوة. من الذي يقول هذا الكلام؟ يقوله مثل ابن معين، يقوله مثل ابن معين. مر في هذا الباب قول البخاري عن حديث، عن حديث: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو لونه أو طعمه»، قال البخاري: «هذا حديث صحيح، وإن كان الإسناد غير مقبول»، هذا أو بهذا المعنى. هذا شيء ينقدح في نفس الحافظ ربما تقصر عبارته عنه، وهذا هو سر هذا العلم. ولهذا يعني: يأتي عالم جليل أثنى أكثر عمره في خدمة السنة وأحاديثها، بين الأحاديث قضى شبابه وكهولته وشيخوخته، كالشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله-، ثم يأتي بعض الناس يقول: عنده تساهل في التحسين مثلاً. هذا العلم ليس مجرد عمليات رياضية: واحد زائد واحد زائد واحد يساوي ثلاثة، لا. أحياناً ينقدح في نفس الحافظ شيء يتجاوز هذا النظر، وينقدح في نفس العالم أمور لا يستطيع التعبير عنها، شعور نفسي لكثرة الممارسة للحديث. تذهب إلى نظيره في العلم فيقول مثل كلامه، وليس هذا بسحر. قال الإمام أبو حاتم: «صناعة العلل كهانة عند الجاهل»، صناعة العلل كهانة عند الجاهل. وضرب مثلاً -رحمه الله- قال: «أرأيت صيرفياً ماهراً، إنساناً صيرفياً أو جوهرياً صاحب جواهر، تأتيه بفص زجاج وفص من الياقوت، فيقول هكذا وينظر، يقول: هذا مغشوش، هذا عصري. أنت تجلس أسبوعاً تتعامل بينهما لا تستطيع أن تكتشف الفرقين». هذا موجود. يأتي بعض الناس من الصرافين، يرى الفلوس يلمسها بيده، وهذه مزورة، أنت لو تجلس أسبوعاً ما تستطيع أن تكتشف: مزورة أو ما هي مزورة؟ كيف عرف هذا بمجرد اللمس؟ بمجرد اللمس بعض الناس لهم خبرة. حدثني أحد الإخوة: شخص عنده خبرة بالعسل والنحل، جاءه شخص بعسل فشمه، قال: هذا العسل إنما أدرك من موسم كذا، ثلاثة أيام، وفيه كذا، وفيه كذا، وفيه كذا، كأنه النحال الذي أخرجه وهو ما حضر المسألة. ربما لو تفتش تندهش حينما تكتشف أن هذا الذي يقوله كلام صحيح. طيب، كيف عرف هذا؟ رجل أمضى عمره في هذا الباب، أمضى عمره في هذا الباب. هذا موجود في صناعات أهل الدنيا، صاحب الصنع المتقن لها بنظرة واحدة يعرف المسألة، لو يجلس غيره سنة لا يفهم منها شيئاً، لا يفهم منها شيئاً، والمحدثون لهم من هذا نصيب. يقول -رحمه الله-: شيء ينقدح عند الحافظ ربما تقصر عبارته عنه، قد لا يستطيع أن يشرح لك، قد لا يستطيع أن يشرح لك. قال رجل لأبي حاتم: «إنك قلتَني ضعيف». قال: «أسمع مني، قلتُ لك: هذا ضعيف، لم يقله النبي -صلى الله عليه وسلم-، اذهب إلى أبي زرعة فسأله، وانظر هل يختلف جوابي عن جوابه، علماً بأنني لم أره ولم أتكلم معه». فذهب الرجل إلى أبي زرعة، قال: «هذا ليس من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-». كيف عرف أبو زرعة وكيف عرف أبو حاتم؟ هذه صنعة، صنعة صناعة يعرف بها. قال: شيء ينقدح عند الحافظ ربما تقصر عبارته عنه، وقد تجشم كثير منهم حده، الحد بمعنى التعريف، أي: ضبطه بتعريف. فقال الخطابي: هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله. قال: وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء. هكذا حاول الخطابي حمد بن سليمان -رحمه الله- أن يعرف الحديث الحسن، ولا شك أن الإنسان حينما يتعنى تعريف الشيء ويكون من أول من عرفه، يقع تعريفه في تعريفه نوع التساهل وعدم ضبط، بخلاف الأنظار إذا نقحت القول ونظرت فيه مراراً، فإنهم يعرفون مآخذ الكلام. نقرأ كلاماً كثيراً. قال: قلت: فإن كان المعرف، فإن كان المعرف هو قوله: ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، فالحديث الصحيح كذلك، أي: عرف مخرجه واشتهر رجاله، بل الضعيف كذلك عرف مخرجه واشتهر رجاله. هذا إذا كان موضع تمييز الحديث الحسن هو قوله: ما عرف مخرجه واشتهر رجاله. وإن كان بقية الكلام من تمام الحد، فليس هذا الذي ذكره مسلماً له أن أكثر الحديث من قبيل الحسان، ولا هو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء. هكذا اعترض الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء ابن كثير -رحمه الله تعالى وغفر له- على الإمام الحافظ حمد بن سليمان الخطابي -رحمه الله-. والحقيقة أن في هذا النقد شيئاً من النظر، هذا النقد فيه شيئاً من النظر. فالخطابي يعرف الحديث الحسن، ولم يقل الصحيح ولا الضعيف حتى يعترض عليه فيقال: فالصحيح كذلك والضعيف كذلك. فتعين أن هذه الشهرة شهرة خاصة، وأن هذه المعرفة للمخرج معرفة خاصة ليست عامة، حتى يعترض عليه بشهرة الضعيف أو بشهرة الصحيح، أو بمعرفة مخرج الصحيح أو بمعرفة مخرج الضعيف، فإنه إنما يعرف الحديث الحسن. فقال: فالحديث الحسن هو... فتعين أنه يقول: ما عرف مخرجه بغير معرفة الصحيح ولا الضعيف، بل بمعرفة بينهما، واشتهر رجاله بدون شهرة الصحيح وفوق شهرة الضعيف. هذا معنى كلامه -رحمه الله-. وذلك أنه يعرف الحديث الحسن لا مطلق الحديث، فيقال: تعريفك يشمل أنواع الحديث. وعليه مدار أكثر الحديث، هذا كلام له حظ من النظر، فإن الأحاديث الحسن كثيرة جداً، فإنها منزلة بين الضعيف ودون الصحيح. فكل حديث اجتهد فيه العالم ورقاه عن الضعيف ارتفع إلى الحسن، وكل حديث لم ير العالم صحته ولا ضعفه فهو الحديث الحسن. فكم يكون من ذلك؟ يكون منهما شيء كثير يخرج من منزلة الصحيح ويخرج من منزلة الضعيف. وعن قوله: ويستعمله عامة الفقهاء، أن يحتاجونه في باب الفتوى، وهذا كلام صائب. فإن كثيراً من المسائل الفقهية قائمة على أحاديث حسنة بالدفع، ولهذا يقول ابن القيم -رحمه الله- كما قدمت سابقاً: قال: «من لم يتعن صناعة الفتوى يتشدد في أمر التضعيف». قال: «فمن أين للفقهاء مثل صحيفة عمر بن شعيب عن أبيه عن جده؟» كثير من الأحاديث استعملها الفقهاء، بنوا عليها مسائل، وعدوها من الحساب، كصحيفة عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، عليها مدار كثير من المسائل الفقهية. ولهذا من يتشدد في التضعيف في موضع تحتف به القرائن، ككونه فتوى لصحابة منتشرة، أو كونه رواية من طرق متعددة، أو كونه يقبل عند الأئمة، القرائن هذه لا بد من اعتبارها، القرائن هذه لا بد من اعتبارها. فقوله: ويستعمله عامة الفقهاء، كلام صائب، بيّنه ابن القيم -رحمه الله- في كلام جميل، لعله يملأ غداً بلاغته، إن شاء الله تعالى. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.