شرح العقيدة الواسطية 54

شرح العقيدة الواسطية 54

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 54، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهوال يوم القيامة وعرق الناس

يوم القيامة تدنو الشمس من الناس ويصابون بالعرق الشديد، ويتفاوت عرقهم بحسب أعمالهم. بينما يستظل بعض الناس بظل الله.

نصب الموازين ووزن الأعمال

يوم القيامة تنصب الموازين ويوزن العباد وأعمالهم وصحائفهم، ويشجع على تثقيل الموازين بالأعمال الصالحة. أهل السنة يعتقدون أن الميزان حقيقي.

نشر الدواوين وتوزيع الكتب يوم القيامة

تنشر صحائف الأعمال يوم القيامة، ويأخذ كل إنسان كتابه، إما بيمينه وهو المؤمن، أو بشماله وهو الكافر والمنافق. هذا يدل على عدل الله تعالى.

الحساب يوم القيامة وأنواعه

يوم القيامة يحاسب الله العباد على أعمالهم، والحساب يكون إما يسيرا وهو عرض الأعمال وإقرار العبد بذنوبه ثم مغفرتها، أو عسيرا وهو النقاش والإنكار للذنوب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، فلازلنا في ذكر ما يتعلق بمنازل الآخرة. وتحدث المؤلف رحمه الله تعالى عما يقع في القبر أولا من الفتنة ومن التنعيم والتنكيل، ثم ما كان من بعث القبور ومن بعث الناس من قبورها، ثم ما يكون من القيام. وأشرنا أن القيام يطول، ثم قال. المؤلف رحمه الله تعالى: "وتدنوا منهم الشمس، ويلجمهم العرق". من باب الربط، ولعل هذا يأتي معنا إن شاء الله في ذكر مراحل اليوم الآخر إذا قام الناس في هذا القيام، يوم يقوم الناس لرب العالمين. ذكرنا أن القيام يطول بمئات وآلاف السنين، عليه من الخوف والجزع والأبصار الشاخصة في هذا الموقف. تنزل الشمس عند قيام الناس، يأمر الله عز وجل الشمس أن تدنوا، فتنزل الشمس على رؤوس العباد. وثبت ذلك كما جاء في صحيح مسلم من حديث المقداد أن الشمس تدنوا يوم القيامة حتى يكون كمقدار ميل. إذن علمنا الربط، إخواني في الله، لماذا ذكر المؤلف هذه المسألة؟ لأن هذا وقتها إذا قام الناس مع طول القيام، تنزل الشمس في هذا. طبعا في مسألة ما أطيل فيها من أهل العلم، قال في هذا الوقت يبرز الحوض، يبرز حوض النبي عليه الصلاة والسلام. فالمؤمن إذا وفق أن يشرب من حوض الرسول أعانه هذا على القيام. أن الإنسان إذا وفق المسلم إلى شرب من الحوض في عند قيامه أعانه على القيام. لكن هذا سيأتي معنا في مسألة الحوض، أين محله؟ لأن من الإشكالات في مراحل الآخرة مسألة الحوض، أين يكون؟ منه من قال: نعم يكون هنا، ومنه من قال: لا يكون هنا. ومن يقول: هنا اختلف في مرحلة الحوض. اختلف العلماء في مرحلة الحوض، والسنة إن شاء الله معنا إذا وصلنا إلى الحوض المورود سنذكر أين مكانه محله. لكن هنا من أهل العلماء قال: في هذا المكان عند قيام القيام يتعب الناس تعبا شديدا يصيبه من الضمأ العظيم، فيبرز الحوض فيشرب فمن شرب منه لا يضمأ. وهذه أول بشارة للمؤمن، لأن كما قلنا أول مرحلة من مراحل آخرة إذا خرج الناس من قبورهم إلى القيام إلى ساحة الحشد يكون قياما الخوف والذعر يملأ الجميع. فإذا رأى الإنسان أن الله وفقه أن يشرب من حوض النبي وسيأتي معنا مع حوض كل نبي شرب يطمئن. وهذا كما يسمع أول أمان لأهل الحشر، وهذا خاص بأهل الإيمان ومن كان متبعا للسنة. نسأل الله أن يجعلنا منهم. حينها تنزل الشمس على رؤوس العباد، فقال مؤلف رحمه الله تعالى: "ويلجمهم العرق". كما جاء ذلك في الصحيح. كذلك الناس حينها يصابون بالعرق، فمن الناس من يأتيه العرق إلى ساقه، ومن الناس من يأتيه العرق إلى صدره، ومن الناس من يأتيه إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق. طبعا هذه مسألة كما أشرنا، يا إخواني في الله، عالم البرزخ وما بعد البرزخ عالم غيبي، هنا المقاييس البشرية تلغى يوم القيامة. فمثال هذا ما يكون من تصبب بالعرق، هذا رجل وهذا رجل وهذا رجل وهذا رجل، لربما يكون هناك تلاصق أو قرب تلاصق. فتجد أن هذا الرجل تصبب عرقا، طبعا والعرق على قدر العمل، ليس العرق على قدر درجة الحرارة، العرق يكون على قدر عملك. فمن كانت له أعمال سيئة فإن العرق يفرز ويغرز حتى أن من الناس من يأتي العرق إلى وسطه، هذا هو صاحب العمل. بينما الذي بجواره لا، ليس كذلك، الذي بجواره ليس كذلك، لو ربما عرقه دون، وهذا الذي أمامه عرقه قد وصل إلى رقبته، وهذا الذي بجواره عرقه إلى رقبته. وهكذا الناس كلهم بعرقهم في ساحة واحدة، لكن العرق يتفاوت من هذا إلى هذا إلى هذا. قد يقول: كيف؟ كما قلنا لا تقول: كيف في أعمال القيامة، يوم الآخرة تتغير الموازين، لا تستخدم القياس. قد يقول القياس أن يكون الناس كلهم في بحر واحد عرق واحد، لا، مع التقارب الناس وقيام الناس في هذه الساحة، لا أحد يعزل، ما هناك عزل، كل في مكانه. تدن الشمس فيبتل الناس بالعرق، وكل عرقه على قدر ذنبه. هل كل الناس على العرق؟ الجواب: لا، لا، هناك أناس استظلهم الله بظله، بظله سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. هؤلاء الأصناف السبعة ما بهم يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله. طب هل السبعة فقط هؤلاء، ولا أكثر؟ أكثر من هذا، والقاعدة عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا يستفاد منه الحصر. القاعدة عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر. ومن تأمل في شرح هذا الحديث كما ذكر ذلك الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى يرى أن العدد أكثر من سبعة. جد أحاديث أن الله يظل كذا ويظل كذا ويظل كذا. وهناك المتحابون يوم القيامة في ظل من سامح غريمه، من عفى عن غريمه فهو في ظل الله. جد أحاديث كثيرة، فدلت هذه الأحاديث بمجموعها على أن الناس يوم القيامة عند القيام ليس كلهم يبتلون بالعرق، وإنما العرق يصيب بعض الناس، وبعضهم ما به يظله الله بظله يوم لا ظل إلا ظله. تأتي مسألة أخرى، هذا الظل، إخواني في الله، ما هو؟ أقوال العلماء إخواني في الله على قولين اثنين. القول الأول: هو ظل العرش، ظل العرش، عرش الرحمن، هذا هو الظل الذي يستظل به هؤلاء النفر. وهذا الذي ذهب إليه أكثر العلماء في شرح لهذا الحديث وغير من الأحاديث. أن الظل هنا هو ظل عرش الرحمن. ويؤيد هذا ما رواه أحمد، ما رواه الإمام أحمد من حديث العرباض بن سارية، قال عليه الصلاة والسلام: قال الله عز وجل: "المتحابون بجلالي في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي". وهذا الحديث ذكره الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب. وهنا صرح نبينا بقول ربنا عز وجل: "في ظل عرشي". وجاء كذلك من حديث أبي قتادة: "من نفس عن غريمه، أو محى عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة". هذا القول الأول في معنى سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، بمعنى ظل العرش. والقول الثاني: ذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا الظل هو ظل خلقه الله، أنه ظل خلقه الله يوم لا ظل إلا ظلي، ونسبه الله إليه إضافة تشريف. هذا الظل أوجده الله عز وجل لكي يستظل به أهل الإيمان يوم القيامة. لقد أشار إلى هذا القول العلامة بن عثيمين رحمه الله. إذن علمنا إخواني في الله أن المقصود بقول رسول الله سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، الظل هنا إما أنه بمعنى ظل العرش، وهذا الذي عليه أكثر العلماء، حتى اللجنة الدائمة سوية عن هذا الحديث قالوا: هو ظل العرش. واعتمادهم هنا على تلك النصوص التي حكيناها لكم أن النبي صرح بظل العرش. ومنهم من ذهب إلى أنه ظل خلقه الله. وهل يقال مثلا أنه ظل الله؟ لا، لا يقال أنه ظل الله، بل هذا باطل، لا يفسر هنا الظل بأنه ظل الله، لماذا؟ هذا القول باطل بمعنى أن تجعل الشمس فوق الله عز وجل، بأن تجعل الله عز وجل الدون والشمس فوق الله، فهذا ظل الله، فلا يقال بهذا القول. لهذا قول العلماء على قولين اثنين، إما أن يقال في هذا الحديث: وظل العرش، أو ظل خلقه الله، ظل أوجد الله. وهذا الظل نسب إلى الله إضافة تشريف. هذا إخواني في الله ما يتعلق بقول المؤلف رحمه الله تعالى: "وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق". ثم قال رحمه الله تعالى: "فتنصب الموازين، فتوزن بها أعمال العباد". فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. مما يذكر كذلك من أعمال ومنازل الآخرة مسألة نصب الموازين التي تنصب لوزن أعمال العباد، كما أشار المؤلف. وهنا مسائل، وأولى هذه المسائل إخواني في الله أن الميزان الذي يقرره أهل السنة هو ميزان حقيقي حسي، يقيمه الله يوم القيامة. والمبتدعة وخاصة المعتزلة ينكرون الميزان، بحجة أنه لا داعي له، قالوا: ما هناك داعي أصلا لإيجاد الميزان، فالله عالم بأعمال العباد ما عملوا وما لم يعملوا، فالله قد علم سلفا أعمال العباد، فما الحاجة إلى الميزان؟ إذن فإذا قالوا: طيب الآيات والأحاديث، قالوا: الآيات والأحاديث تحمل على أن الميزان هنا أمر معنوي، وهو العدل، العدل هذا معنى الميزان. فيدخلون مسألة التأويل، فيذكرون أن النصوص الشرعية التي فيها الإخبار عن وجود الميزان، فالميزان هنا ليس بالحسي، وإنما هو ميزان معنوي، كناية عن العدل، أن الله يقيم العدل يوم القيامة. قالوا: هذا المعنى اللائق، وهذا باطل، لمخالفته لظاهر الكتاب والسنة ولإجماع سلف الأمة. فإن الأمة أجمعت على أن هذا الميزان يعني إجماع هنا سلف، ليس عامة الأمة، لأن المعتزلة وأمثالهم خالفوا من العقلانيين خالفوا في مسألة الميزان. لكن أهل السنة أجمعوا على أنه ميزان حقيقي. مما يذكر كذلك من مباحث الميزان إخواني في الله ما يتعلق بصفته، إذ أن من صفة الميزان أن له كفتين، يدل عليه حديث البطاقة، فله كفتان، فتوضع السجلات في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، فدل على أن هذا الميزان حقيقي، وأن له كفتين. المسألة الثالثة من كيفية وصورة الميزان، ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى، قال: "فتنصب الموازين، فتوزن بها أعمال العباد". أعمال العباد توزن، قد يقول: كيف توزن؟ كما قلنا في مسائل الغيب تلغى المقاييس، فالله سبحانه وتعالى يجعل الأشياء العرضية الأعراض يجعلها أجساما، يجعلها أجساما، الحسنات الأعمال يجعلها على شكل إنسان، على شكل جماد. وهذا كثير في حساب القبر، أن الله عز وجل يجعل عملك الصالح على صورة رجل أبيض، والعمل السيء يأتي على صاحبه بصورة رجل بشع، قبيح الصورة، أسود الوجه. كذلكم سيأتي في الآخرة أن الله يجعل الموت على صورة كبش، يؤتى بالموت على صورة كبش، الموت أمر معنوي عرضي، لكن يشكله الله على صورة حيوان، دابة. فالله قادر، وهكذا أعمالك يا عبد الله يجعلها الله إلى أشياء مادية محسوسة، فتوضع في الميزان، فتوزن. والتصحيح في هذا الباب إخواني في الله، وإنما أشير إشارة، ولعل هذا سيأتي معنا في شرح السنة بإسهاب، على أن الذي يوزن في ميزان العباد ثلاثة أشياء: التي يوزن بها الميزان مما يتعلق بالعبد ثلاثة أشياء: الوزن يكون للعباد، ولأعمال العباد، ولصحائف الأعمال. ثلاثة أشياء توزن: العباد، هو أنت يا مخلوق، أنت توزن، أنت تجعل على الميزان. هذا وجه، الوجه الثاني من الأوزان أن الذي يوزن عملك، الأعمال توزن. الصورة الثالثة من صورة الوزن: الصحائف، صحائف الأعمال توزن. وبكل جاءت الأدلة، وبكل جاءت به الأدلة. ثم قال المؤلف: "فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون". الثقل حينها بالأعمال الصالحة، تفلح. وأما إذا كانت الكفة خفيفة، معلقة، من طرحت، إذا اندل على أنك قليل العمل، وأن الأعمال السيئة كثرت، فمنعت رجحان كفتك، فهذا هو الهلاك، فأولئك هم الخاسرون. كما قال ربه: "فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية". ومما يستعان به إخواني في الله من باب الفائدة مما يستعان به على هذه المرحلة أنك تحرص على تثقيل الموازين. وهل يمكن الإنسان أن يثقل الموازين؟ نعم يمكن، كيف تثقل الموازين؟ بتتبع الأعمال، هناك أعمال جاء التصريح بها أن فيها التثقيل الموازين، كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: "ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن". فالأخلاق التي تعاشر بها خلق الله، لما يكون من تعاملك مع والديك، مع قرابتك، مع أرحامك، مع جيرانك، مع زملائك، هذه تنفع كثيرا، تنفعك في تثقيل الموازين. وأنت ترجو أن تثقل الموازين، فثقلها بالأخلاق. كذلك مما تثقل به الموازين ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". من أسرار هذه الجمل: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"، أنها ثقيلتان في الميزان، ثقيلة في الميزان. فأكثر منها، اجعلها وردا، "سبحان الله وبحمده"، اجعلها وردا، لأن إذا جمعت وطرحت في الميزان، فإن الميزان يثقل بها، فهي أعمال يسيرة، أعمال يسيرة، لكن عند الله كما قال نبينا: يسيرة، كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". هذا بما تثقل به الموازين. بقي مسألة، وأشير إليها، ولا أتكلم فيها: هل هو ميزان واحد أم عدة موازين؟ على أقوال، فمن أهل علم من ذهب إلى أنه ميزان واحد، لا يعلم به إلا الله جل في علاه. ومن قال: بل هي عدة موازين. وهذا العلم نرجئ الكلام عنه بإذن الله في شرح السنة، في الاستفاضة في مسألة الميزان. قال رحمه الله تعالى: "ونشر الدواوين، ويصحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره". كما قال سبحانه: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا". لا زال المؤلف رحمه الله تعالى يعدد لنا بعض مراحل الآخرة، فبعد ما يكون من نصب الموازين يكون نشر الصحف والدواوين. قال: "ونشر الدواوين"، وهي صحائف الأعمال، فصحائف الأعمال تقسم وتوزع، والإنسان يعرف مصيره بمجرد استلامه الكتاب، قبل أن يقرأ، بمجرد طريقة الاستلام. طريقة الاستلام للكتاب والصحيفة تحدد مصيرك، ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: "فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره". هذه المسألة أورد فيها المؤلف رحمه الله تعالى النصوص القرآنية في مسألة أخذ الصحف، وأن الأدلة من حيث التفصيل أشارت إلى أن أخذ الصحف يكون على ثلاثة صور: الصورة الأولى: المؤمن والمسلم، فهو يأخذ كتابه بيمينه، نسأل الله أن يجعلنا منهم. الصورة الثانية: الكافر، فهو يأخذ كتابه بشماله، نسأل الله السلامة والعافية. والثالث: المنافق، يأخذ كتابه من وراء ظهره، من خلف. إذا نأتي إلى الصورة الأولى: المؤمن يأخذ كتابه بيمينه، ومنهم من قال: كيف عن يمينه؟ قال: من أمامه، يأخذ كتابه بيمينه من أمامه، لا يأخذ هكذا جنبا، لا من أمامه، يمد يده باليمين أمامه يأخذ كتابه، هذا هو المؤمن. والكافر عن طريق الشمال، وأما المنافق، قال: لماذا المنافق لفعله الخبيث، لأنه يتستر، لم يكن مسلما ولم يكن كافرا، فكان الجزاء من جنس العمل، فلا عن يمين ولا عن شمال، وإنما على أقبح صورة يأخذ كتابه بشماله من خلف ظهره، هذا المنافق. هذا قول، وجماعة من العلماء لا يرى هذا التفصيل، ولا هذه القسمة الثلاثية، بل يجعل أن أخذ الكتاب على صورتين اثنتين فقط: من يرى أن أخذ الكتاب يكون على صورتين اثنتين فقط، إما أخذ الكتاب باليد اليمنى، كما قلنا من أمام، هذا المؤمن، هذا المسلم، ومن كتبت له النجاة يأخذ كتابه بيمينه من أمامه. والكافر والمنافق، فإنه يأخذ كتابه بشماله من خلف ظهره، بس، عندنا هاتان الصورتان: يأخذ الكتاب باليمين أهل النجاة، وآخذ كتابه بشماله خلف ظهره بالشمال خلف الظهر، وهذا هو الكافر والمنافق. ولو أردنا التفصيل في هذه المسألة أيضا يأخذ النظر في هذه الصفة الثانية: كيف يأخذ كتابه بشماله من خلف ظهره؟ يقال: إما أن اليد تلوى، تكسر والعياذ بالله، تكسر، ستجعل ماذا؟ نسأل الله السلامة والعافية، معلقة إلى الخلف، تكسر وتلوى ليا، ما يستطيع أن يغير من طبيعة جسمه الكافر والمنافق، يلزم بهذه الطريقة تلوى يده ليا. وقيل كما نقل عن بعض السلف من المفسرين أن اليد اليسرى تخلع، تخلع ثم تركب خلف ظهره، نسأل الله السلامة والعافية، تزرع، لا تلوى، وإنما تقلع، تقطع، ثم تجعل يد خلف ظهره، فيأخذ كتابه بشماله. وهذا يعني من قبيح ما يكون فيه المنظر، والسلامة والعافية يكون هذا في حال الكافر والمنافق. فالشاهد هذا القول الثاني يرون إلى أن صور الأخذ عبارة عن صورتين، لا ثلاث صور، عبارة عن صورتين، لا عن ثلاث صور. ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ونشر الدواوين، وهي صحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره". منهم من يعني كما يقول أن شيخ الإسلام أخذ بقول أكثر، كان أفضل، لأن الشيخ الإسلام كان غاير، جعل اليمين، جعل الشمال، وجعل وراء الظهر. ولكن الذي عليه أكثر العلماء هي صورتين، جمع بين النصوص، لكن هو قول قائل به جماعة من أهل العلم، والأمر في ذلك واسع. إما تجعل ثلاث فئات: مؤمن، كافر، منافق. وإذا تجعلها فئتين: مؤمن، وكافر ومنافق، كافر ومنافق يكون أخذهم بالصورة التي سمعتموها: أخذ الكتاب بالشمال من خلف الظهر. وهذا الكتاب إخواني في الله الذي أخذه الكل واحد، منا يجد فيه كل ما عمله، كل ما عمله، ما هناك يخفى ولا يغيب من قول ولا من لفظة ولا من لحظة ولا من نظرة إلا وتجدها يا عبد الله قد سطرت. كما قال ربنا جل وعلا: "ووضع الكتاب، فترى المجرمين مشفقين مما فيه، ويقولون: يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا". فهذا الكتاب إخواني في الله أنه يقيد كل عمل وكل قول تتلفظ به. وهنا استدل المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه". ما معنى طائره في عنقه؟ قال أهل التفسير: الطائر هنا بمعنى العمل، العمل الذي صدر منك، سواء كان من خير أو من شر. والطائر هنا هو بمعنى العمل الذي عملته يا عبد الله من خير أو من شر. وسمي الطائر لأنه طار عنه، خاص ذهب، طائر طار عنك عمل، فسمي العمل طائر لأنه طار عنه وخرج منك، خاص ما خرج خرج. فإنك يا عبد الله ستجده مصطرا في عنقه، أي هذا العمل ستجده في عنقه، كما يقول علماء، كأنه سيكون كالقلادة في عنقك، يلازمك هذا العمل ما ينفك عنك حتى تلقى الله. ألزمناه أي قيدناه طائره في عنقه، أي جعلنا هذا كما يمثل الجماعة من المفسرين أنه كأن المراد أن جعل هذا العمل الذي طار عنه كالقلادة في عنقه، ما تنفك عنك ملازمة لك حتى تلقى الله. وبهذا فائد على أن الإنسان إنما يحاسب على عمله هو، هذا كمال عدل الله، تحاسب على عملك أنت، لا تحاسب على عمل غيرك، وإنما عملك الذي عملته يا عبد الله هذا الذي تحاسب عليه، فلا تحاسب على ما فعله غيرك. ثم قال: "كتابا يلقاه منشورا"، أي مفتوحا، مبسوطا، تجد كتابك بين يديك، عبد الله، وما سطرت. ثم يقول: "اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا". وهنا يا إخواني في الله الفائدة التي كانت التي قد سمعتم جزءا منها من قول معتزلة: قالوا ما الفائدة من الميزان؟ ما الفائدة من كذا؟ الله عالم، نعم الله عالم بأعمال العباد، لكن هنا حكمة عظيمة، عندما توضع الموازين وتنشر الدواوين ويقرأ إنسان في كتابه، ما العبرة من هذا كله؟ "كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا"، هذا من كمال عدل الله، أنا بإمكاني أن أفعل لكم اختبار مثلا، وأجعل عليها أسئلة وأجوبة، وبعد ذلك أخذ الأجوبة عندي، أنا أنظر من الذي فاز ومن الذي خسر، وأقول: يا إخوة الفائز فلان من فلان، يلا يذهب الصف يرتقي، وفلان فلان يرسب، يعيد السنة، أنا بإمكاني أكتفي بهذا، لكن ماذا؟ حتى أقيم الحج عليكم، خذوا الأوراق، خذ أوراقكم، انظروا أين الخطأ الذي وقعتم فيه، لماذا هذا الذي يرسب سيعيد السنة؟ لماذا سيرسب فيها؟ لهذا العبرة، ولهذا ما هناك أحد يحب يعني إعذار الخلق مثل الله عز وجل. فالله عز وجل جل في علا يعذر خلقه، ومن عظيم إعذار الله لخلقه أنهم ينظروا في أعمال بأنفسهم، حتى تقتنع بأنك هذا الذي وصلت إليه من الجنة إنه بعملك، وهذا الذي أوصل به النار إنما كان بعملك. "اقرأ كتابك"، اقرأ، وإذا وزنت في الميزان اعلم أن هذا الوزن هو عملك، وهذا فيه الرجعة للمبتدع، ممن يستبعد من فائدة من حصول الموازين أو نشر الدواوين، يقول له: هناك فائدة عظيمة، وأن الإنسان يعلم ماذا؟ أن مصيره كان بيده، هو الذي تسبب بهلاك نفسه، وأن الله عز وجل ما ظلم أحدا. "اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا". ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: "ويحاسب الله الخلائق". وأن الحساب هو عرض أعمال العباد على الله، هذا معنى الحساب. هذا ما يكون يوم القيامة من الحساب، هو عرض الأعمال، أعمال العباد، عرض أعمال العباد على الله سبحانه وتعالى. وحساب الأعمال إخواني في الله حساب الأعمال على قسمين، منهم من يحاسب حسابا يسيرا، ومنهم من يحاسب حسابا عسيرا. الحساب اليسير والحساب العسير يعلم من خلال قرائنه الشرعية، جعل قرائن، قرائن، قرائن كيفية أن هذا العبد قد حاسبه الله بالحساب اليسير، أو أن الله قد حاسبه بالحساب العسير. وما هو هذه القرينة؟ القرينة أن ينظر في كيفية عرض أعمال العبد على ربه. طبعا أولا ما منا من أحد إلا وسيحاسب، كما قال عليه الصلاة والسلام: "ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه". ما منكم من أحد لا من صغير ولا من كبير، لا من ذكر ولا من أنثى إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، هذا هو الحساب. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع". وفي رواية الخمس: "عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به". هذا من الحساب، فالحساب يكون بين العبد وبين ربه. وقلنا أن الحساب تارة يكون حسابا عسيرا، وتارة الحساب يكون حسابا يسيرا. معرفة الحساب العسير من اليسير من خلال عرض العمل على الله، فإذا وجدت يا عبد الله أن عرض الأعمال على الله في أن الله يقررك بذنوبك، يقررك بذنوبك، اعلم أن هذا خير، يقررك بذنوبك يا عبد فعلت كذا، فعلت كذا، فعلت كذا، وأنت تقر تقر بفعلك، نعم يا رب، نعم يا رب، فعلت، نعم يا رب، فعلت، تقر. إذا رأيت أن الله يقررك بذنوبك بذنوبك، وهذا يسمى بالعرض، أو بالعرض يسمى بالعرض، أن الله يعرض عليك أعمالك الذي قمت بها، لماذا نقول هذه بشرى خير؟ لأن ختام ختام هذا العرض يكون مغفرة الذنوب، يكون مغفرة الذنوب. لأن العبد يجد أن الله قد ذكر عيوبه فيقول: نعم يا رب، فعلت، نعم يا رب، فعلت، فعلت، فعلت، فيقول الله عز وجل: "وإني قد سترتها عليك، وأغفرها لك اليوم". سترتها عليك وأغفرها لك اليوم، فيغفر له، فيغفر له، هذا هو الحساب اليسير، وهو العرض، وهو إقرار الرب العبد على ذنبه واضح، هذا هو الحساب اليسير، وهو العرض، وهو إقرار الرب العبد على الذنب. فمن رأى أن الله يقرره بذنوبه يعلم أن إن كان من شعور حينها، لا حدثه شعور يخاف على نفسه، يعلم أن ختام ذلك المغفرة. لكن الحساب العسير هو الذي يكون فيه نقاش، يكون فيه نقاش، وأن العبد يجادل ربه، من جدال العبد الإنكار، أنا ما فعلت، لا يا رب، أنا ما فعلت، أنا كذا. فإذا وجد العبد أنه أدخل على ربه وهو يحاول أنه يأخذ شيء من الله، أنا ما فعلت يا رب، أنه ينكر شيء أو يكذب بشيء أو يتعذر بشيء، فوجد أن الكلام أتيح له مع ربه، اعلم يا عبد الله أنك هالك، أنك هالك. وهذا الذي هو الحساب العسير، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: "من نوقش الحساب عذب". إذا كان في حسابك الرب حساب الرب معك فيه نقاش، اعلم أنك هالك، أنك هالك. وإن كان الحساب عبارة عن عرض، عبارة عن إقرار، فهذا عبد الله مما يستبشر به المؤمن. ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه". هذا الذي قاله المؤلف عندكم، قال: "فيخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه". فإذا وجدت أن العبد يقرره الله بذنوبه، فلهذا قال: المؤمن، فهذا الذي ماذا؟ هو الحساب اليسير. وأما إذا نوقش الحساب، فهذا عذب. وسأتي إن شاء الله معنا مزيد بحث في هذه المسألة التي سيذكرها المؤلف من أحوال القيامة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.