الدرس في شرح الباعث الحثيث 13، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع مفهوم التعليقات في الصحيحين بأنها حذف الإسناد أو بعضه، ويفصل في صيغ الجزم (كـ: قال، روى) الدالة على الصحة، وصيغ التمريض (كـ: قيل، يروى) التي تشعر بالضعف دون قطعه، مع التنبيه إلى أن البخاري يقصد بها أغراضاً متنوعة كبيان العلل، وأن أكثر معلقاته صحيحة كما قرره ابن حجر لكنها ليست على شرط الصحيح المسند لانقطاع السند.
يشرح المقطع عنوان صحيح البخاري الكامل ودلالته على اشتراط الصحة والإسناد والجامعية، مبيناً أن المعلقات إذا وصلت في موضع آخر فهي على شرطه، ويناقش صيغ الأداء كـ «قال لنا» و«زادني» وأنها متصلة عند الجمهور مع خلاف في كونها مرفوعة أو موقوفة، ويرد على من عدّها تعليقاً.
يشرح المقطع حديث البخاري الوارد في استحلال أقوام من الأمة للحر (الزنا) والحرير والخمر والمعازف، مؤكداً صحة سنده ورداً على ابن حزم الذي ضعفه وأجاز المعازف، وينقل إجماع العلماء المتقدمين على تحريم الغناء وآلات اللهو قبل وجود ابن حزم، مبيناً أن الاستحلال الوارد في الحديث هو استحلال عملي لا عقدي فلا يكفر فاعله بل يعد عاصياً.
يختتم المتحدث كلامه بالصلاة والسلام على النبي محمد ﷺ وعلى آله وصحبه، وهي سنة متبعة في ختام المجالس والخطاب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. نحن اليوم في مبحث التعليقات، وهو آخر المباحث في مبحث الصحيح التي فرعها الأئمة على بحث الصحيح. قال رحمه الله تعالى: قال الإمام أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى: التعليقات التي في الصحيحين. قلنا: هذا العنوان من صنع الإمام أحمد بن شاكر رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: وتكلم الشيخ أبو عمر على التعليقات الواقعة في صحيح البخاري، وفي مسلم أيضًا لكنها قليلة. المعلق: هو أن يحذف الإسناد أو أكثر الأسانيد، هذا هو المعلق، ثم يرويه الراوي عن من فوقه، فيكون أسقط شيخه وشيخ شيخه، وربما أسقط أكثر من ذلك. هذه صورة المعلق، سيأتي ذكر أمثلته. قال رحمه الله تعالى: وتكلم الشيخ أبو عمر على التعليقات الواقعة في صحيح البخاري، وهي كثيرة، كثيرة موجودة، أفرد لها الحافظ ابن حجر كتابًا كبيرًا حافلًا سماه «تغليق التعليق»، طبع في نحو أربعة مجلدات. وفي مسلم أيضًا لكنها قليلة، التي في مسلم أيضًا قليلة. يقول الشيخ أحمد شاكر في الحاشية: يعني التي في مسلم بخلاف التي في البخاري فهي كثيرة، حتى كتب الحافظ ابن حجر في تخريجها كتابًا سماه «تغليق التعليق»، ولخصه في مقدمة فتح الباري في ست وخمسين صفحة كبيرة. وأما معلقات مسلم فقد سردها الحافظ العراقي في شرحه لكتاب ابن الصلاح، فراجعها إن شئت. قيل إنها أربعة عشر موضعًا. الحافظ العراقي في «التقييد والإيضاح» وغيره سردها كما تقدم. قال: وحاصل الأمر، أي حقيقة الأمر والحكم، أن ما علقه البخاري بصيغة الجزم، كأن يقول: قال فلان، أو وقال فلان، هذه صيغة جزم، فصحيح إلى من علقه عنه. ثم النظر فيما بعد ذلك. فإذا قال البخاري مثلاً: وقال الزهري، وقال الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، كأن البخاري يقول لك: هذا عندي إلى الزهري ثابت، وبقي عليك النظر من الزهري إلى النبي صلى الله عليه وسلم، هل فيه علة أو نكارة أو خطأ أو ضعف أو غير ذلك؟ ابحث عن ذلك. أما أنا فمن عندي إلى الزهري إسناده صحيح؛ لأنه علقه بصيغة الجزم، وهي: وقال، أو قال. قال رحمه الله تعالى: وحاصل الأمر أن ما علقه البخاري بصيغة الجزم فصحيح إلى من علقه عنه، ثم النظر فيما بعد ذلك. وما كان منها بصيغة التمريض، مثل: يروى، يذكر، ذكر، قيل، هذه كلها صيغ تمريض. لكن: ذكر فلان، قال فلان، روى فلان، هذه كلها صيغ جزم. روى فلان، قال فلان، ذكر فلان، صيغ جزم. قيل كذا، روى كذا، يذكر كذا، هذه كلها صيغ تمريض، فيها إشعار بالضعف. قال رحمه الله تعالى: وما كان منها بصيغة التمريض فلا يستفاد منها صحة، ولا تنافيها أيضًا. عند تنافيها هذا غلط مطبعي، الصواب: ولا تنافيها أيضًا؛ لأنه قد وقع من ذلك كذلك وهو صحيح، وربما رواه مسلم. يعني أن ما كان بصيغة التمريض وهي صيغة مشعرة بضعف ما ينقل: روي كذا، قيل كذا، ذكر كذا، يذكر كذا، مثل هذه الصيغ فيها تردد. فالأصل أن إطلاقها إشعار بشيء في هذه الرواية، هذا الشيء قد يكون تضعيفًا للرواية، الكلام في البخاري، وقد يكون بيانًا لعلة، وقد يكون إشارة إلى وهم حصل، وقد يكون لغير ذلك، وتكون الرواية صحيحة. إذن: ما علقه بصيغة الجزم فالأصل صحته إلى من علقه، وما علقه البخاري بصيغة التمريض فنتوقف فيه؛ لأن الأصل في صيغة التمريض التضعيف. فإذا أطلقها البخاري مع اشتراطه الصحة، فهل يعني أن ما ذكره بصيغة التمريض ضعيفًا؟ هذا ينافي شرط الكتاب، فهو متحرج في الباب. فالاستقراء والتتبع يدلان على أن البخاري له أغراض متنوعة، ومنها بيان العلل، وبيان ما يقع في الروايات من أوهام. على هذا لا نستطيع في صحيح البخاري خاصة أن نقف مع صيغة التمريض موقف التضعيف، بل لا بد من البحث والتحري: هل لهذا الحديث طرق صحيحة موصولة؟ ولما علقه البخاري بصيغة التمريض؟ ولهذا سيأتي معنا أن البخاري يُقال: إنه إذا سمع الحديث في المذاكرة لا في مجلس التحديث يذكره بصيغة التمريض. هكذا ذكر في صنيع البخاري، فيقول: يذكر كذا، أي هذا سمعته، ولكنني سمعته في مجلس مذاكرة مع أحد العلماء، وليس في موضع درس وسماع. الحاصل أن الأغراض متنوعة، والبخاري متحرٍ في باب الصحة. سيأتي الكلام على المعلقات: هل هي على شرط البخاري أم لا؟ الحاصل أن البخاري متحرٍ، فالاستقراء دل على أن أكثرها صحيح، كما أبانه الحافظ ابن حجر. أكثر ما أورده البخاري من صيغ التمريض وغيرها صحيح، كما أبانه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في النكت، وفي فتح الباري، في تغليق التعليق. قال رحمه الله: وما كان من التعليقات صحيحًا فليس من نمط الصحيح المسند فيه؛ لأن بعض رواته سقط، فلم يتوفر فيه الشرط الأول من شروط الصحة، وهو اتصال السند. فمن هنا لا يكون مما اشترط فيه الصحة. هذا معنى كلامه رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: وما كان من التعليقات صحيحًا فليس من نمط الصحيح المسند فيه؛ لأنه قد وسم كتابه بالجامع المسند الصحيح المختصر في أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه. وهذا العنوان، وكذلك العناوين للكتب، ربما تضيع بسبب بعض الطابعين. فاليوم لا يعرف كثير من الناس ما هو اسم صحيح البخاري، والسبب أن الطابعين لهذا الكتاب يكتبون على غلافه: «صحيح البخاري»، يكتبون هذا: «صحيح البخاري» أو «صحيح البخاري» هكذا يكتبون. والبخاري يسمى كتابه: «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه». أيضًا هذا العنوان فيه بيان شرطه في كتابه، فهو اشترط في كتابه أن يكون جامعًا. قلنا: لا يكون الكتاب جامعًا حتى يحتوي على ثمانية أبواب، فإن فقد بابًا منها، ثمانية كتب، فإن فقد كتابًا منها لم يكن جامعًا. كتابًا فيكون فيه كتاب التوحيد، وكتاب الصلاة، وكتاب التفسير، وكتاب بدء الوحي، وسائر الكتب المعروفة. والبخاري ذكر جميع تلك الكتب في صحيحه كما هو معلوم. «المسند الصحيح» أيضًا في هذا دليل على أن البخاري يشترط أن يكون الحديث مسندًا، وبهذا تخرج المعلقات. تخرج المعلقات. سيأتي تفصيل هذا الموضع، سيأتي تفصيل المقال في هذا الموضع، وأن فيه تفصيلًا. «بالجامع المسند الصحيح» يخرج الضعيف بأنواعه. «المختصر في أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه» أي أخباره ومغازيه وسيرته. إضافة إلى ما تقدم من الكتب، ينبغي أن يعلم أن البخاري في صحيحه وجد أنه يعلق الحديث في موضع ويذكره متصلًا في موضع آخر. فمثل هذا لا يقال إنه ينافي شرطه؛ لأنه قد ذكره في موضع آخر متصلًا. البخاري إذا ذكر الحديث معلقًا في موضع ووصله في آخر بالإسناد المتصل، فهل يقال: ليس على شرطه؟ غلط. هو على شرطه، لكنه اختصره في موضع وعلقه لغرض ما وعلة ما يبحث عنها. والحديث بعينه قد ساقه البخاري في صحيحه متصلًا مسندًا. إذن يحكم على هذا المعلق بأنه على شرطه؛ لأنه قد وصله في نفس كتابه. سواء علقه بصيغة الجزم أو بصيغة التمريض، كل ذلك قد جاء في صحيح البخاري فيما علقه. ويدخل في ذلك أيضًا مسألة أخرى، وهي: ما علقه البخاري ووصله في خارج صحيحه. وهذه ترجع إلى مسألة أخرى: هل شرط البخاري خاص بالصحيح أم عام في كتبه كلها؟ والذي عليه الحافظ ابن حجر في تحقيقه: بيّن أن البخاري شرطه عام في صحيحه وفي خارج صحيحه. فإذا صحح فإنه على شرطه الذي في الصحيح. فما صححه البخاري خارج الصحيح فهو كتصحيحه داخل الصحيح؛ لأن شرطه في الصحيح واحد، سواء كان في صحيحه أو خارج صحيحه. وعلى هذا فيكون ما علقه في صحيحه فوصله في غير صحيحه داخلًا في شرط صحيحه، ليس خارجًا عنه. ما علقه في صحيحه ثم وصله خارج صحيحه فيكون حكمه حكم ما في صحيحه من المتصل. قال رحمه الله تعالى: فأما إذا قال البخاري: قال لنا، أو قال لي فلان كذا، أو زادني فلان، أو زادني، ونحو ذلك، فهو متصل عند الأكثر. يعني يقول البخاري: قال لنا فلان، قال لنا فلان. هذا هل هو معلق؟ الجواب: ليس هناك حدث حتى نعده معلقًا. والسؤال: لماذا لم يقل البخاري: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، أو أنبأني، أو أنبأنا؟ فعدل عنها: قال لي فلان كذا، أو زادني فلان كذا، أو قال لنا فلان كذا. هذه الصيغة أولاً متصلة، ليس فيها تعليق. ولهذا يقول الحافظ ابن كثير: فهو متصل عند الأكثر. الحافظ ابن حجر يقول: ثبت بالاستقراء أن الغالب في مثل هذه الصيغ أنها آثار موقوفة. يقول الحافظ ابن حجر: ثبت بالاستقراء أن الغالب فيما يقول فيه البخاري: قال لنا، قال لي، زادني، أنها آثار موقوفة، وليست أحاديث مرفوعة. هذا الغالب. قال رحمه الله تعالى: وحكى ابن الصلاح عن بعض المغاربة أنه تعليق أيضًا، يذكره للاستشهاد لا للاعتماد، ويكون قد سمعه في المذاكرة. وقد رده ابن الصلاح. فإن الحافظ أبا جعفر ابن حمدان، أبا جعفر ابن حمدان، قال: إذا قال البخاري: وقال لي فلان، فهو مما سمعه عرضًا ومناولة. كل هذه الأمور محتملة، لكنها ليست على إطلاقها. فإذا صحت في موضع فلا يعني أن تصح في كل موضع. والحافظ ابن حجر ينازع في هذه الأقوال، ويبين أنها إن قيلت في موضع لا يعني أنها تصح في كل موضع. رحمه الله تعالى وغفر. ومن أحسن الناس اشتغالًا بصحيح البخاري الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى وغفر له. وأنكر ابن الصلاح على ابن حزم رده حديث الملاهي، حيث قال فيه: وقال هشام بن عمار. ألقى الشيخ أحمد شاكر رحمه الله يقول: حديث الملاهي هو حديث عبد الرحمن بن غنم الأشعري عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري مرفوعًا: «ليكونن من أمتي أقوام... عندكم أقوام... لا... قوم... قوم... ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحريرة والخمر والمعازف». والحر بالكسر، بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء، هو الفرج، والمراد استحلال الزنا. وهذه الرواية الصحيحة في جميع نسخ البخاري وغيره. ورواها بعض الناقلين: الخز، والخز معروف، وهو شيء حرير. ورواها ورواه بعض الناقلين: الخز أو الخز بالخاء والزاء المعجمتين، وهو تصحيف، كما قال الحافظ أبو بكر بن العربي. وانظر فتح الباري. وقد أطال في شرح الحديث، وفي الكلام على تعليق البخاري. البخاري يعلق هذا الحديث عن شيخ شيخه هشام بن عمار، ووصله في غير موضع، فقال: حدثنا الصدقة بن الفضل، قال: حدثنا هشام بن عمار. لكنه في صحيحه قال: وقال هشام بن عمار. وهشام بن عمار شيخ شيخ البخاري. وهذا على القاعدة: جزم به البخاري، فقال: وقال هشام بن عمار. إذن بقي النظر فيما بعده: هشام إلى آخر الحديث، وهو سند صحيح متصل، رواته أئمة ثقات لا غبار عليه. فابن حزم زلت به القدم في هذا الموضع. ولهذا يقول العراقي في ألفيته: في خبر المعازف: «لا تُعْقِلْ ابن حزم المخالف». في خبر المعازف: «لا تُعْقِلْ ابن حزم المخالف». هذا الحديث نص على تحريم المعازف، وهو من أصرح الأدلة على تحريم آلات اللهو والطرب. ولهذا ابن حزم أخطأ في هذا الموضع خطأين: خطأ في تضعيف هذا الحديث والغمز فيه، وهو في صحيح البخاري بصيغة الجزم، وخطأ أكبر من هذا في قوله بجواز استعمال آلات المعازف. وهذا أعظم من الخطأ الأول. ولهذا يقول البخاري العراقي... يعني: يعني في رد خبر المعازف: «لا تُعْقِلْ ابن حزم المخالف». شذ ابن حزم في هذه المسألة. ومن العجب أنه رحمه الله كان يشدد في أمر في مسائل في الفقه، ويتساهل في أُخَر. واليوم يرفع أقوام عقيرتهم بحل الغناء والموسيقى، ويجعلون ابن حزم سلفًا لهم. والناس قبل أن يوجد ابن حزم قد نقلوا إجماع أهل العلم على تحريم آلات المعازف، والله قبل أن يخلق الله شخصًا يقال له: أحمد بن علي بن حزم. كما نقل ذلك المحب الطبري وغيره من أهل العلم: إجماع منعقد. بل نقل المحب الطبري وغيره من العلماء تحريم الغناء بغير آلة، فضلًا عن استخدام الآلة. لو جلس يدندن بألفاظ الغناء من غير استعمال عود أو ربابة أو كمان أو موسيقى أو كذا، حرم عند الشافعية وعند عامة أهل العلم الأوائل، كما قال المحب الطبري رحمه الله. فكيف إذا انضاف إليها الموسيقى ونحوها؟ والأدلة على ذلك كثيرة على تحريمه. فُتِن بعض الناس في هذا الزمان ممن كانوا على خير، ولكن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. وجمع شبهات حتى يجوز الغناء والموسيقى، فأتى بفشل ذريع، شبهات تتهاوى عند البحث العلمي. لإجماع منعقد على تحريم الغناء وآلات اللهو. والدل على ذلك في السنة وفي القرآن موجودة. الدليل على ذلك موجود. فابن حزم أخطأ في هذا رحمه الله، وزلت به القدم، ولا يجوز أن يتابع على مثل هذه الزلة، أو أن يعظم شأن هذا الخطأ ليكون قولًا ثانيًا في المسألة. هذا غلط. فالمسألة كما قدمت: نقل فيها الإجماع، نقله غير واحد قبل أن يوجد ابن حزم رحمه الله تعالى، وسائر العلماء. قلت: وقد رواه... يقول ابن كثير: أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وخرجه البرقاني في صحيحه، وغير واحد، مسندًا متصلًا إلى هشام بن عمار وشيخه أيضًا، كما بيناه في كتاب الأحكام، ولله الحمد. حديث متصل له طرق، وإسناده موصول. والبخاري علقه لمعنى غير التضعيف، فلا يؤخذ منه التضعيف. مناسبة ذكر هذا: ظن ابن حزم أن ما علقه البخاري هاهنا علقه ليرده. في هذا الحديث أيضًا الرد، كما سيأتي معنا في أصول السنة، على بعض خوارج العصر في جعلهم المجاهرة والإصرار والتفاخر ونحو ذلك أمارة الكفر، وأنها من الاستحلال الكفري. وهو غلط. ف الاستحلال على نوعين: استحلال عقدي، يعرف بألفاظ اللسان، هذا الذي يذكره أهل العلم. واستحلال عملي، وهو فعل المحرم، ولا يعني كفر فاعل. في هذا الحديث: «ليكونن من أمتي أقوام...» هكذا أعرفها في البخاري: «يستحلون الحر والحريرة والخمر والمعازف». يستحلون. ومع هذا في أول الحديث بيّن أنهم من أمته، فقال: «ليكونن من أمته». وهؤلاء عصاة، ليسوا كفارًا ولا مرتدين. هؤلاء يعتبرون من العصاة. بقيت مسألة مهمة، وهي قضية ما تلقته الأمة بالقبول، وهي مسألة مهمة، يأتي الكلام عليها إن شاء الله في المجلس القادم. إن شاء الله. فإذا كان لكم شيء... إلا وقفنا ها هنا. هذه المسألة مذكورة عند أهل العلم: ما خرجه البخاري في خارج صحيحه وصححه، هل هو على شرطه في صحيحه أم لا؟ فيها خلاف بين أهل العلم، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك. والراجح في هذه المسألة أن شرط البخاري ليس خاصًا في صحيحه، بل شرطه عام فيما صححه، ولو كان ذلك خارج الصحيح. وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.