التعليق على شرح الورقات للشيخ العثيمين 1

الدرس في التعليق على شرح الورقات للشيخ العثيمين 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة وتوطئة في أصول الفقه

يشرح الشيخ الفرق بين أصول الفقه وقواعد الفقه، ويتناول آراء العلماء حول تقديم علم أصول الفقه على الفقه أو العكس. كما يشير إلى أهمية معرفة المسائل الفقهية لفهم أصول الفقه وتطبيقها.

معاني العجز والكسل والتقصير والتفريط والحمد

يشرح المقطع معاني العجز والكسل والتقصير والتفريط، ويبين الفرق بين الحمد والشكر والثناء والمدح. كما يتطرق إلى أهمية تواضع العلماء وعدم العجب بالنفس، ويشرح معنى الحمد لله.

تاريخ وتطور علم أصول الفقه ودور الإمام الشافعي

يتناول المقطع تاريخ وتطور علم أصول الفقه، ويذكر أن الإمام الشافعي رحمه الله ألف كتاب الرسالة الذي أعجب به كثير من أئمة السنة، وأتى بأصول الفقه ونصر السنة بها.

شرح مقدمة المؤلف واكتفائه بها

المقطع يشرح المقصود بالكتاب في مقدمة المؤلف، ويشير إلى اكتفاء المؤلف بهذا الشرح لمقدمته، ويبدو أنه نظم المؤلف وليس الورقات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. إن شاء الله تعالى نبدأ بقراءة شرح العلامة محمد صالح العثيمين على الورقات أو على نظم الورقات في أصول الفقه. فقال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. المقدمة. قال: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد. قال: هذا يوم السبت الخامس عشر من شهر صفر عام خمسة عشر وأربعمائة وألف. أنا قبل خمسة وعشرين سنة، أنا سبع وعشرون سنة الآن. الآن سندخل في صفر، أنا خمس وسبعون سنة، ألف وأربعمائة واثنين وأربعين. وهذا خمسة عشر، أنا سبع وعشرون سنة، قبل سبعة وعشرين، اليوم نحن ثمانية وعشرين محرم ألف وأربعمائة واثنين وأربعين. قال: وفيه نبتدئ قراءة كتاب نظم الورقات في أصول الفقه، نسأل الله أن يعيننا على فهمه وإتمامه. قال: أصول الفقه على اسمه، أصول الفقه يعني ينبني عليه الفقه. وهناك شيء يسمى بأصول الفقه، وهناك شيء آخر يسمى بقواعد الفقه. هناك فرق بين قواعد الفقه وأصول الفقه، لأن أصول الفقه كما سيأتي هي أدلة الفقه، فالأصول هي أدلة، وليس كذلك قواعد الفقه، فهي ضوابط تنضبط بها المسائل. ولهذا فهناك فروق كثيرة حتى أوصلها بعضهم إلى عشرة أو أكثر. ومن أهمها أن أصول الفقه يستدل بها، وأما قواعد الفقه يستدل لها، أنا تحتاج إلى دليل. أما أصول الفقه فهي دليل؛ لأنها تأخذ من الأدلة، بخلاف القواعد تأخذ من المسائل، على مسائل تنتظم في قاعدة واحدة. وأيضا كذلك فأصول الفقه بحثها في أدلة الفقه، والقواعد في المسائل. وأصول الفقه قواعدها مضطردة، معنى أنها لا تجد فيها خللا إذا كانت قاعدة صحيحة، ولا تجد فيها ما يخرج عنها. لكن بخلاف قواعد الفقه فهي أغلبية، فتجد مسائل تخرج عنها. ولهذا تجد في كتب القواعد يسمون أشياء يسمونها التخارج، يعني تستثنى من القاعدة أو تخرج من القاعدة. طيب، قال: فأصول الفقه يبحث عن أدلة الفقه، وقواعد الفقه تبحث في مسائل الفقه، وليس لها علاقة بالأدلة إطلاقا. فكتاب قواعد ابن رجب مثلا لا يبحث في الأدلة، وإنما يبحث في قواعد وضوابط في الفقه، بل بعضها ضوابط ما تتعدى عشر مسائل، وبعضها أقل، وبعضها أكثر. قال: وإنما يبحث في قواعد وضوابط في الفقه ينبني عليها مسائل. لكن أصول الفقه يبحث في أدلة الفقه، قواعدها، وهذا هو الفرق بينهما، هذا أهم فرق، وإلا كما قلنا هناك فروق كثيرة. قال: وصول الفقه، وأخذناها في شرح الورقات. قال: وصول الفقه سيأتي إن شاء الله معناه في كلام المؤلف رحمه الله مسألة: هل ينبغي أن يقدم علم أصول الفقه على الفقه، أو أن يقدم الفقه عليه؟ لأن هذا أصول، معلوم أن الأصول تقدم على الفروع. لكن هنا أصول الفقه تختلف، مثل الإنسان يريد أن يتعلم اللغة، لابد، أن يتعلم قواعد اللغة من النحو والإملاء والصرف وغيرها من هذه العلوم، فلا يستطيع أن يتعلم اللغة إلا بهذه العلوم. وكذلك أيضا الذي يريد أن يتعلم الحديث، وقواعد الحديث، أو يصحح ويضعف، لابد أن يتعلم قواعد الحديث قبل أن يتكلم في الحديث. وهل الفقه أيضا مثلها؟ أولا يتعلم أصول الفقه ثم يتعلم مسائل الفقه؟ فقال المؤلف هنا ذكر هذه المسألة، فقال: بعض العلماء رحمهم الله قدم الأصول حتى تبنى عليه الفروع، فعرف أصول الفقه قبل أن تعرف الفقه. وكانوا يقولون: من حاز الأصول فقد حاز الفنون. الآن الذي يقول الشيخ هنا: أن هناك بعض العلماء يقولون: أنه يقدم الأصول حتى تنبني عليه الفروع. وهذا الذي رجحه الزركشي في قواعده، على أن الأصول تقدم، وذكره عن بعض أصحابه من الشافعية. الزركشي هناك زركشي شافعي، وزركشي حنبلي. فهذا الصاحب الحديث هو شافعي الحديث والفقه، وأصول الفقه أيضا له مشاركات أيضا في أصول الفقه، وله شرح على بعض كتب الحنابلة. قال: وقال بعض العلماء رحمهم الله: بل يقدم الفقه؛ لأن الإنسان يمكن أن يعرف الفقه دون أن يرجع إلى أصول الفقه؛ لأن علم أصول الفقه لا يبحث في الفقه، وإنما يبحث في أدلة الفقه. وحينئذ يمكن للإنسان أن يعرف الفقه قبل أن يعرف أصول الفقه. وهذا الذي يطبقه الناس الآن ويعملون به، وهذا هو القول الصحيح. لماذا؟ لأن هذه الأصول هي أدلة، وكيف الإنسان سيعرف الأدلة قبل أن يعرف المسائل؟ بل حتى في التطبيق العملي، فإن الإنسان لا يفهم أصول الفقه إلا إذا فهم المسائل، حتى يطبق عليها. فتأتي مثلا قاعدة وتدل على مسائل كثيرة، مثلا الأمر يفيد الوجوب، هذا مسائل كثيرة جدا تدخل فيه هذه القاعدة. فلهذا فلا بد أن يعلم هذه المسائل، حتى بعد ذلك يطبق القاعدة عليها، يطبق القاعدة عليها. مثلا الأمر أو النهي يقتضي الفساد، النهي يقتضي الفساد، متى سيعلم هذا؟ إذا طبقه في المسائل، إذا عرف المسائل ثم يأتي بهذا الدليل على هذه المسائل وهكذا. فمعرفة أصول الفقه لا بد أن يكون بعد معرفة المسائل، ليس معرفة المسائل كلها، لكن يأخذ له قدرا من المعرفة حتى يطبق هذه القواعد على أو هذه الأصول على هذه المسائل. وإلا لو لم يدرس الفقه، فعلى ماذا يطبق القواعد؟ وكيف سيفهم هذه القواعد وهو لا يفهم أو ليست عنده مسائل الفقه؟ فلهذا فأصول الفقه تحتاج إلى معرفة المسائل، ليس كلها كما قلنا، لكن يدرس الإنسان الفقه، ويدرس بعد ذلك أصوله، أو يدرس الفقه ويدرس أصوله في وقت واحد. وقال بعض العلماء رحمهم الله: بل يقدم الفقه؛ لأن الإنسان يمكن أن يعرف الفقه دون أن يرجع إلى أصول الفقه؛ لأن هذه أصول الفقه يستدل بها العلماء، وحينئذ يمكن للإنسان أن يعرف الفقه قبل أن يعرف أصول الفقه. وهذا هو الذي عليه العمل الجاري من قديم الزمن، حتى أن بعض المشايخ فيما نسمع يقرؤون الفقه، ولا يقرؤون أصول الفقه إطلاقا. فهذه المقدمة للشيخ رحمه الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله: قال الفقير الشرف العمريطي ذو العجز والتقصير والتفريطي. قوله: الفقير الشرف، هذا لقب للمؤلف الناظم، معنى الفقير يعني أنه فقير لله، والشرف معنى اسمه الشرف العمريطي أو لقب. قال له الشرف العمريطي. قال: وقوله ذو العجز والتقصير والتفريطي، هذا اعتراف من المؤلف رحمه الله لله عز وجل بالعجز والتقصير. مهما جاء الإنسان بالعمل على تمامه، فقد يكون فيه تقصيرا لا يعلمه وينظره غيره. قال: والعجز هو عدم القدرة، أن العجز فرق بين العجز والكسل، الكسل يكون معنى: هناك قدرة عند الشخص، لكنه لا يفعل، هذا يسمى كسل. والعجز هو عدم القدرة، عدم القدرة على فعل الفعل يسمى عجز. والنبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من العجز والكسل، فالعجز هو عدم القدرة على الفعل، والكسل هو عدم الفعل مع وجود القدرة. قال: والتقصير هو عدم الإكمال، يعني عدم إكمال العمل يسمى تقصيرا، والإنسان لا يخلو من التقصير، سواء كان في أعماله التي يعملها بالجوارح، أو سواء كان فيما يكتب وغيره. قال: والتفريط هو الإهمال فيما يجب، يسمى تفريط، أنه يهمل ما يجب عليه أن يعمله، فهذا يسمى تفريط. هناك تفريط وإفراط، الإفراط هو التعدي، والتفريط هو التساهل في عدم تأدية ما وجب. قال: وقال ذلك رحمه الله تواضعا منه، وإلا فلا نظن أنه على هذا الوصف، ولو ظننا أنه على هذا الوصف لن ننتفع به بكتابه. لكن هذا من باب التواضع، والأصل أن الإنسان يهضم نفسه، وأيضا يشكرها. وإلا فإنه سيصيبه العجب، لهذا كان السلف رحمهم الله يتواضعون لله عز وجل، بقهر أنفسهم، وأيضا بظهور ضعفها أمام الله جل وعلا، وفقرها لله. قال المؤلف رحمه الله: والحمد لله الذي قد أظهر علم الأصول للورى وأشهر. قوله: الحمد، سبق الكلام عن معنى الحمد، والمعنى الصحيح الذي ذكره العلماء هو أن الحمد كما ذكر وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم. أو يقال: الثناء على المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، هذا حمد، حتى يخرج أو حتى يفترق بالمدح والثناء، فالحمد أعظم من الثناء، والمدح هو ثناء، لكنه ثناء على المحمود بالكمال. ثناء على المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ففرق بين المدح والثناء، المدح قد يكون مع محبة وتعظيم، وقد لا يكون. والمدح قد يكون بالكمال، وقد لا يكون بالكمال. والمدح أيضا أحيانا قد يكون ذما، ثم يقول: للم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل: أن السيف أمضى من العصر؟ أنه يريد أن يثني على السيف، يقول: السيف أمضى من العصر، هذا يعتبر ذما وليس مدحا. مثلا إذا جاء إنسان إلى ملك فقال: يا أيها الملك، أنت لست بزبال، لست بكذا، لست بحياك، وكذا، يأتي له بأعمال دنية ينفيها عنه، فهذا ليس مدحا، وإنما هذا ذم. قال رحمه الله: وأيضا الفرق بين الحمد والشكر: أن الحمد يكون كما يقول العلماء: أعم سببا وأخص آله. الحمد أعم سببا؛ لأنه يكون بسبب وبغير سبب. الحمد يكون بسبب وبغير سبب، أن الله عز وجل يحمد لكماله سبحانه وتعالى وجنابه وعظمته، ويحمد كذلك لما قام به من صفاته جل وعلا وأسمائه الحسنى. ويحمد أيضا لما جعله الله عز وجل وسخره، ومعنى من آلائه ونعمه على الإنسان، فلهذا فيحمده الإنسان لأمرين، فأمر لأجل النعم وغيرها، فهذا سبب، وأمر آخر ليس سببا، لكنه لا بد أن الإنسان يفعله، يحمد الله عز وجل لعظمته؛ لأنه يستحق الحمد سبحانه وتعالى. فلهذا يقولون: أنه أعم سببا، وخص آله؛ لأن الحمد يكون باللسان والقلب، باللسان والقلب، وممكن يكون باللسان فقط. وأما الشكر فهو أخص سببا؛ لأن الشكر يكون بسبب. أن إذا أنعم الله عز وجل على الإنسان شكره، شكر الله، كذلك إذا أنعم عليه آخر شكره، كما جاء في الحديث: لا يشكر الله من لا يشكر الناس. قال: وقوله أظهر، يعني أخرج، أن الحمد لله الذي قد أظهر أي أخرج وأبرزه. قال: وقوله أشهرا، يعني نشر، الحمد لله الذي قد أظهر علم الأصول للورى وأشهر على نشره في العالمين في الناس. قال: وقوله علم الأصول، يعني أصول الفقه، سيأتي إن شاء الله تعالى تعريفه على تركيبه، وتعريفه على لقبه، وتعريفه على جزئيه. قال المؤلف على لسان الشافعي: وهو الذي له ابتداء دون. قوله على لسان الشافعي، قال: هو محمد بن إدريس الإمام مشهور رحمه الله، محمد بن إدريس المطلبي، عن بني المطلب، بن المطلب من قريش، وهم إخوة بن هاشم. قال عليه الصلاة والسلام: حدث جبير بن مطعم، إنما بن هاشم وبن المطلب شيء واحد، فإنهم لم يفارقوا في جاهلية ولا إسلام. عن بن المطلب لم يفارقوا بن هاشم حتى لما دخلوا الشعب دخلوا معهم بن المطلب، فهم لم يفارقوا بن هاشم في جاهلية ولا في إسلام. فالشافعي يقول: أن بني المطلب يعتبرون من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول: أنهم ليس عليهم صدقة. الشافعي يقول: أن الصدقة لا تجزئ على بني المطلب، وهذا القول تفرد به رحمه الله. وإلا الصحيح أنه لم يأت دليل على إدخال بني المطلب في هذا الباب، وإنما الصدقة لا تجب أو لا تعطى لبني هاشم. قال: قوله وهونا، أي هونا، هذه الأصول، معنى سَهَّلها. وقوله فهو، أي الشافعي. وقوله له، أي لأصول الفقه، فهو الذي له ابتداء دون. قال: قوله ابتداء، أي سبق. وقوله دون، يعني ألف، فالإمام الشافعي رحمه الله هو أول من جمع أصول الفقه على وجه التأليف، وإن كانت هذه الأصول معروفة فيما سبق، حتى في القرآن والسنة. لكن أول من ألف هذا وجمعه هو الإمام الشافعي رحمه الله. وإلا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل العمومة، وبيّن أن للعموم صيغة، حيث قال عليه الصلاة والسلام في قول المصلي: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال: إنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض، هذا حديث مسعود في الصحيحين. أنا سلمتم على كل عبد صالح، فهذا عموم. قال: من أين أخذنا أننا سلمنا على كل عبد صالح؟ الجواب: من صيغة العموم، من قولي: على عباد الله، عباد جمع مضاف، فيعم. قال: فالحاصل أن أصول الفقه لها أصل موجود في الكتاب والسنة، وموجود في كلام العلماء من قبل الإمام الشافعي رحمه الله. قد كان الحنفية يذكرون بعض هذه الأشياء، وبعض هذه القواعد، لكن يبنونها على أصول غير صحيحة. قبل الإمام الشافعي كانت الحنفية، أبو حنيفة وصاحبيه، كانوا يذكرون قواعد للفقه، ويقعدون بعض المسائل، لكن كما قال الشافعي: أبو حنيفة يقعد القاعدة خطأ، ثم يبني عليها. لماذا جعل خطأ؟ لأنهم ما يبنون على الكتاب والسنة، ما يبنون على قواعد الكتاب والسنة، وإنما يبنون على قواعد في كلام بعض أصحابهم، مثلا يأخذون كلام إبراهيم النخعي فيجعلونه قاعدة، أو حماد بن أبي سليمان فيجعلونه قاعدة، وهذا خطأ. أو يأخذون قاعدة بالقياس، يقيسون، ثم يأخذون هذه القاعدة، وهذا ليس صحيحا. فلهذا فهم يبنون قواعد على الخطأ. وكان الحنفية في ذلك الوقت يتفاخرون بهذا العلم، أن عندهم هذا العلم ليس عند أحد. حتى كانوا يتفاخرون فيه، ويستدلون بالأدلة على الفقه، حتى جاء في بعض الحكايات التي جاءت عن سفيان الثوري، وعن أبي حنيفة، فيذكر سفيان الثوري مثلا يسأل عن مسألة، فيقال: سألوا أبا حنيفة، فيقول أبو حنيفة كذا وكذا، فيقول له: من أين؟ فيقول: حدثنا فلان بكذا وكذا. فأيضا حصلت بين فقها بن الوليد وشعبة في مسألة مسائل الطلاق وغيرها من هذه الأمور. كانت بعض الحنفية كما قلنا يستدلون ببعض هذه القواعد، وكذا، وبعض هذه الأصول، لكن استدلالهم كان غير صحيح. بل كما قلنا يتباهون على الحديد بمعرفة هذه الأمور، حتى جاء الشافعي رحمه الله وأتى بأصول الفقه، ونصر السنة بأصول الفقه، نصر السنة بأصول الفقه، هذا الذي جاء به الشافعي، ما كان موجودا. كان موجودا أصله، لكن استدلاله بالكتاب والسنة على هذه الأصول ما كان موجودا. ولهذا لما جاء الشافعي وكتب الرسالة، وعجب بها كثير من أئمة السنة، حتى لما قرأها عبد الرحمن بن مهدي أعجبته كثيرا، وأرسل إلى الشافعي أن يكتب له هذه الرسالة. وهكذا كان أئمة الإسلام كأحمد وغيره، لما رأوا هذه الرسالة أعجبوا بها جدا. وكان أحمد يقول: لو فاتني حديث سفيان بعلو أدركته بنزول، يعني لو فاتني حديث سفيان بن عيينه بعلو أدركته بنزول عند أصحابه. سأخذه من كثير من أصحابه. قال: لكن لو فاتني عقل هذا الفتى -يريد الشافعي- لعلي لم أجد مثله. كان الشافعي رحمه الله كالشمس، يقول الإمام أحمد: الشافعي كالشمس للأرض، وكالعافية للأبدان. قال: وكذلك أيضا في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، قال: فهذا يعم المطلقة والمفسوخة والمتوفى عنها زوجها. ومن أين أخذنا أنه يعم هؤلاء؟ الجواب: أخذناه من أن سبيعة الأسلمية نفست بعد موت زوجها بليال، فأذن لها النبي عليه الصلاة والسلام أن تتزوج، وهذا إعمال للعموم. فالحاصل أن أصول الفقه لها أصل من القرآن والسنة، وتجد نصوصا كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعمل بعموم النصوص، وبإطلاقها، حتى يأتيه المخصص. وهذا كثير عندك في حادثة اللعان، لما جاء عمران العجلاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله، الرجل يجد فوق امرأته رجلا آخر -أي يقتله- فتقتلونه أم ماذا؟ قال عليه الصلاة والسلام: يأتي بأربع شهود، ولا حد في ظهر. فهذا عموم، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بعموم آية الشهود في الزنا، والتي يأتينا الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، بآية الشهود على عمومها، سواء كان رأى زوجته أو رأى غيرها، رأى زوجته أو رأى غيرها، فرمى زوجته أو رمى غيرها، ثم جاء الحكم اللعان، يخص رأية الزوجات أو قدف الزوجات. والأمثلة كثيرة في هذا الباب. قال: فالحاصل أن أصول الفقه لها أصل من القرآن والسنة، ولكن أول من دونها وألفها هو الإمام الشافعي رحمه الله، وتابعه بعد ذلك الناس، وألفوا مؤلفات كثيرة. كما ذكر المؤلف رحمه الله، وتابعه الناس حتى صار كتبا صغار الحجم أو كبار. قال المؤلف: وخير كتبه الصغار ما سمي بالورقات للإمام الحرمين. قوله: كتبه، أي كتب أصول الفقه. ما سمي أي ما سمي بالورقات في أصول الفقه للإمام المعالي إمام الحرمين، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني النيسابوري. أو أقصد الإبن إمام الحرمين الإبن، وذاك أبو محمد الجويني، هذا أبو المعالي، وأبوه يقال له أبو محمد الجويني. قال رحمه الله: قوله بالورقات، أي متن الورقات في أصول الفقه للإمام المعالي إمام الحرمين. من كبار أئمة الشافعية رحمه الله، وهذه الورقات ورقات صغيرة الحجم، قليلة الكلمات، لكنها كبيرة في معناها ومغزاها. قال المؤلف رحمه الله: وقد سئلت مدة في نظمها مسهلا لحفظها وفهمها. يقول رحمه الله: أنه سئل مدة، أي زمنا كثيرا، أن ينظم هذه الورقات، لفائدتين: الفائدة الأولى: تسهيل الحفظ، والثانية: الفهم. فالنظم سهل على الإنسان، تجد القارئ مثلا يقرأ مئة بيت أو أكثر، ولا يمل، لكن لو قرأ عشرين سطرا لمل. وأيضا النظم أسهل في الحفظ من النثر، وهذا بتواطؤ العلماء على ذلك. على أن النظم أسهل، خاصة إذا كان الشعر عذبا، فالنظم يكون أسهل للحفظ. قال سفاريني: لأنه يسهل الحفظ، كما يروق للسمع، ويشفي من ضمأ. قال: وأيضا نظم أرسخ في الذهن من النثر، ولهذا عني كثير من العلماء رحمهم الله بنظم العلوم، بنظم العلوم؛ لأنه حتى يحفظ، ويسهل الحفظ. ولهذا ألفت الألفيات في العلوم، وكان في المصطلح ألفية العراقي، ألفية السيوطي، وكان كذلك في النحو ألفية ابن مالك وغيرها. قال: وأيضا طيب، قال المؤلف: فلم أجد مما سئلت بدا. قوله: فلم أجد، يعني أنه لما سئل نظم هذه الورقات، لم يجد مناصا وفرارا من نظمها. قالوا: قد شرعت فيه مستمدا من ربنا التوفيق للصواب والنفع في الدارين بالكتاب. قال: قوله شرعت فيه، أي في نظمه، مستمدا من الله عز وجل الصواب والنفع في الدارين بالكتاب. وقوله: للصواب، الصواب موافقة الحق، والخطأ مخالفة الحق، ثم إن كان عن عمد فالمخالف خاطئ، وإن كان عن غير عمد فالمخالف مخطئ. وفرق بين خاطئ ومخطئ، أن الخاطئ هو الذي يتعمد الخطأ، يعني يريد هذا الخطأ، يسمى خاطئ. نبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحتكر إلا خاطئ، لا يحتكر إلا خاطئ، يعني الخاطئ هو المذنب بخلاف المخطئ. المخطئ هو الذي ارتكب الخطأ بغير عمد، أنا ما أردت أن أرتكب الخطأ، لكن فعلت شيئا فقيل: أنه خطأ، فهذا مخطئ. قال في القرآن الكريم: يقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قال الله: قد فعلت، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم. واسم الفاعل من أخطأ مخطئ، وهو معفو عنه. وأما الخاطئ فقال الله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامَ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ﴾، يعني الذين خالفوا الصواب من عمد. قال: وقوله النفع في الدارين، يعني دار الدنيا ودار الآخرة. وقوله بالكتاب، يعني في النفع في الدارين، الناس ينتفعون به على أنه علم، وفي الآخرة ينتفعون به على الأجر الذي يجده على نشر هذا العلم. قوله: بالكتاب، الظاهر أنه أراد بالكتاب هنا نظمه، لا الورقات؛ لأن الورقات لا عمل له بها، وإنما عمله بالنظم. طيب، هذه المقدمة ذكرها المؤلف رحمه الله، وشرح فيها أيضا مقدمة المؤلف، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا.